منفذ اعتداء لندن مهووس برياضة بناء الأجسام

قضى عقوبتين في السجن واستخدم 6 أسماء مستعارة

ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)
ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)
TT

منفذ اعتداء لندن مهووس برياضة بناء الأجسام

ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)
ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)

وصف نفسه بـ«الهادئ الوديع»، وأفاد بأنه يحمل شهادة جامعية في الاقتصاد، وبأنه مستمع جيد. هو إدريان روسيل أجو، الذي نفذ عملية الدهس المتعمد بسيارته لعدد من المشاة تحت ظلال ساعة «بيغ بن»، قبل أن يقتل ضابط شرطة طعنا بسكين، في واحدة من أسوأ أحداث العنف التي شهدتها بريطانيا منذ عام 2005. وهو نفسه خالد مسعود، بعد أن غير اسمه بعد اعتناقه الإسلام عندما اقترب من نهاية الثلاثينات من عمره، والآن بلغ 52 عاما وأصبح زوجا وأبا. ورغم نوبات العنف التي انتابته في حياته عندما كان شابا، فإن حياته قد سارت هادئة في السنوات الأخيرة، ولم يلفت أنظار الجيران سوى في الأوقات التي كانوا يرونه فيها يغسل سيارته في الطريق أو يجز عشب حديقة منزله. وفي أغلب الأوقات كان يصطحب طفليه الصغيرين من المدرسة الابتدائية في إحدى ضواحي برمنغهام الهادئة بمنطقة ويست ميدلاند بإنجلترا.
غير أنه في بعض الأحيان كان الجانب المظلم في شخصيته يظهر، عندما «يتحدث في الدين. ففجأة رأيناه وقد تحول إلى إنسان مختلف»، وفق أحد الجيران الذي رفض الكشف عن اسمه خوفا من أي إجراءات انتقامية، مشيرا إلى لحظات العنف والغضب والتصلب التي يظهرها بعض المسلمين في تعاملاتهم.
وعندما بدأت صور مسعود في الانتشار، كان المحققون يحاولون تجميع الصورة الكاملة لمدرس لغة إنجليزية سابق مهووس برياضة بناء الأجسام، استخدم نحو 6 أسماء مستعارة، وعاش عامين في السعودية، وقضى عقوبتين في السجن، ثم سار في طريق الإرهاب. ويسعى المحققون أيضا للتأكد مما إذا كان قد نفذ تلك الجريمة بمفرده.
والجمعة الماضي، أعطت الشرطة بعض المؤشرات إلى قرب الوصول إلى إجابات لهذه التساؤلات، بعد إعلانها القبض على اثنين من المشتبهين «المهمين». لكن بنهاية اليوم، أطلقت الشرطة سراح 7 من 11 مشتبها، من دون اتخاذ أي إجراءات إضافية، منهم سيدتان أفرج عنهما بكفالة، وبقي رجلان من برمنغهام في عهدة الشرطة لمزيد من التحقيق.
ووفق مارك راولي، مساعد مدير شرطة متروبولتان (شرطة اسكوتلنديارد)، لا تزال الشرطة تبحث عن 5 مشتبهين في عناوين مختلفة، بعد أن انتهت من البحث عن 16 مشتبها وفحص 2700 حرز، منها كميات ضخمة من بيانات الكومبيوتر وصور ومقاطع مصورة، التقطها مارة أعلى جسر وستمنستر وقت حدوث الاعتداء.
وأفاد راولي بأن عدد القتلى ارتفع إلى 4 بعد وفاة ليسي رودز (75 عاما) من منطقة ستريثام بجنوب لندن، متأثرا بجراحه. وبلغ عدد الجرحى على الأقل 50 من جنسيات مختلفة.
قبل أن يضغط مسعود على دواسة البنزين بدقائق، الساعة 2:41 بتوقيت لندن الأربعاء الماضي، بعد اعتلائه بسيارته الرصيف المخصص للمشاة بجسر وستمنستر، كان تطبيق «واتساب» على هاتف الجاني في حالة نشطة، بحسب مسؤولين أمنيين. لكن لا يزال من غير المعلوم حتى الآن ما إذا كان في ذلك الحين يتلقى تعليمات من شخص آخر داخل البلاد أو خارجها، أو يقول «وداعاً»، لزوجته مثلا.
أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجوم الخميس الماضي، لكن صلة التنظيم بالاعتداء لا تزال غير مؤكدة، وإن كان بعض المسؤولين يتشككون في وجود صلة. ووفق نزار فضل، النائب العام بشمال غربي إنجلترا حتى عام 2015، والذي نشأ في مقاطعة برمنغهام: «(داعش) تبنت الهجوم لكن المنفذ لم يكن أحد جنودهم. فمسعود لم يعلن ولاءه للتنظيم الإرهابي، سواء قبل أو أثناء الاعتداء».
بيد أن مسعود، المولود في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1964 بمنطقة «كنت»، جنوب شرقي إنجلترا، يؤمن بكثير من المبادئ التي يتبعها هذا التنظيم الذي نفذ كثيرا من الهجمات في أوروبا في الفترة الأخيرة. وعلى غرار الهجمات التي نفذت في برلين ونيس بفرنسا نهاية العام الماضي، فقد استخدم مركبة لدهس المارة، ناهيك عن سجله الإجرامي الحافل قبل اعتناقه فكر الإسلاميين المتشددين والمسلحين. فقد أدين بارتكاب عمل إجرامي عندما كان في سن الثامنة عشرة، ودخل السجن مرتين لإلحاقه أذى بدنيا جسيما بآخرين. وبحسب الإحصاءات التي رجع إليها فضل، فنحو ثلث المدانين بارتكاب أعمال عنف مرتبطة بالمتشددين في بريطانيا خلال الفترة من 2001 – 2010 هم من معتنقي الدين الإسلامي (بعد أن تحولوا من ديانات أخرى)، وهو ما يمثل 1 في المائة من الجالية الإسلامية في بريطانيا.
لكن لو نظرنا من زاوية أخرى سنرى أن سيرته غير عادية، وفق المسؤولين، ومنها عمره، «فأغلب الأشخاص الذين نقوم بمحاكمتهم هم من الجيل الثاني من المهاجرين البريطانيين، أي من الشباب»، بحسب فضل، وقال: «لكني لم أصادف بينهم من هو في سن الأربعين أو الخمسين مثلا»، مضيفا: «لكن المعلوم هو أنه اعتنق الإسلام متأخرا».
وفي لقاءات مع بعض جيران مسعود في برمنغهام التي عاش فيها مع أسرته حتى ديسمبر الماضي، وصفت مرجولي جيريكا (26 عاما) مسعود بأنه شخص هادئ، ويبدو مسلما ملتزما ظاهريا، وله لحية ويضع غطاء رأس ويرتدي الثياب التي يرتديها أغلب الإسلاميين، وكذلك ترتدي زوجته وبنتاه زيا إسلاميا. وأضافت أنه «شخص هادئ للغاية، وقريب من عائلته، وأعتقد أنه أب حنون أيضا، حيث كنت أراه يصطحب أطفاله إلى المدرسة ذهابا وإيابا، ونراه عائدا من السوق بصحبة زوجته. كان متعاونا أيضا، فعندما احتاجت صديقة والدته مكانا لانتظار سيارتها، أعطاها مكانه، وفي مناسبة أخرى عندما احتاجت إحدى الجيران من يأخذها بسيارته إلى مكان ما، كان هو من أدى لها تلك الخدمة».
غير أن المحققين يسعون إلى التحقق مما إذا كان اعتناق مسعود للإسلام حدث خلال الفترة التي قضاها في السجون البريطانية، حيث يعرف بعضها بأنه حاضنة للإسلاميين المتشددين. ففي المرة الأولى التي تعرض فيها للسجن عام 2000 وفق حكم القاضي كان عمره آنذاك 35 عاما، وذلك لاعتدائه البدني على مالك إحدى المقاهي إثر حدوث خلاف بينهما. كان مسعود، ذو العرق المختلط، يعيش وقتها بمنطقة نوثيام، قرية بجنوب شرقي إنجلترا، وكان معروفا عنه تناوله للخمور، ولم تكن تبدو عليه أي علامات للشفقة تجاه الغير، وتسبب الاعتداء في حدوث جرح قطعي في الخد الأيسر لبيرز موت، وتطلب 20 غرزة. وبحسب إفادات حديثه أثناء إجراءات المحاكمة بمحكمة هوف كراون، فأسباب العراك بين الاثنين عرقية. وأبلغ المحققون المحكمة بأن مسعود كان قد تناول الخمور قبل الاعتداء، وأنه لوح بسكينه وتفوه بالسباب أثناء العراك.
*خدمة: «نيويورك تايمز»



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.