ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟

8 سنوات متصلة من الحكم... رغم الانتقادات والشكوك

ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟
TT

ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟

ما سر احتفاظ نتنياهو بالسلطة؟

أمر عجيب يحصل للإسرائيليين. في كل استطلاعات الرأي التي أجريت من عدة معاهد أبحث أكاديمية، طيلة حكم بنيامين نتنياهو (منذ سنة 2009)، يقول غالبية الجمهور إنه ليس راضيا عنه. ولكن عندما يسألون أي رئيس حكومة يفضلون، نجده يحظى بأعلى الأصوات. ثم عندما يسألون لأي حزب سيصوّتون فيما لو أجريت الانتخابات اليوم، تظهر النتائج أن تكتل أحزاب اليمين الحاكم اليوم سيعزّز قوته. وفي أحد الاستطلاعات نشر «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» استطلاعاً بمناسبة مرور سنتين على الانتخابات الأخيرة وصدر في مطلع الشهر - 7 مارس (آذار) 2017 - وفيه قال 53 في المائة من المستطلعة آراؤهم إن نتنياهو لا يمارس مهمات رئيس الحكومة بشكل جيد (33 في المائة قالوا إنه يمارسه بشكل جيد)، وهي أعلى نسبة سقوط حتى بين وزرائه الآخرين. فوزير الدفاع في حكومته يحظى بتقدير من 44 في المائة ووزير المالية موشيه كحلون 46 في المائة ووزير الصحة 47 في المائة.
غالبية الجمهور الإسرائيلي غاضبة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وهي لا تصدق رواياته في التحقيقات الجارية ضده في شبهات الرشوة والفساد. بل حسب استطلاع أجراه معهد أبحاث جامعة تل أبيب في شهر فبراير (شباط) الماضي، قال 52 في المائة من الجمهور إنه سيكون على نتنياهو أن يستقيل من الحكومة إذا وجهت له لائحة اتهام، مع أن القانون لا يلزم باستقالة أو إقالة رئيس الحكومة قبل أن يدان في المحكمة. والمعروف أن نتنياهو يمارس خلال سنوات حكمه التسع - بلا انقطاع - المساس بالإعلام والجهاز القضائي وصلاحيات المحكمة العليا ويسن قوانين تنطوي على تراجع واضح في المفاهيم والقيم الديمقراطية. ومع ذلك، بين استطلاع آخر هو الذي أجرته «القناة العاشرة» للتلفزيون، هذه المرة، وبثته ليلة الخميس 16 مارس (آذار) أن نتنياهو سيكون صاحب أفضل الاحتمالات لتشكيل حكومة جديدة فيما لو جرت الانتخابات اليوم.
ما الذي يجعل الإسرائيليين متناقضين إلى هذا الحد؟ وما هو سرّ قوة نتنياهو؟
كيف يصمد هذا الرجل وهو الذي ينظر إليه كأكثر رؤساء الحكومات الإسرائيلية تردداً وجبناً، وأنه جبان لا يحسم في الأمور، كما أنه أكثر رؤساء الحكومات مجافاة للحقيقة وعنده من الصلف ما يجعله يزيف التاريخ، وأنه أيضاً أكثر رؤساء الحكومات رضوخاً للضغوط، وبالأخص من طرف معسكره اليميني؟

فنان في إدارة حرب البقاء
الجواب الأكبر على هذه التساؤلات هو أن نتنياهو يضع لنفسه هدف أن يبقى رئيس حكومة لأطول فترة ممكنة، فالرجل مغرم بالمنصب، ومستعد لعمل أي شيء يضمن له التمسك بالكرسي. بل كل ما يفعله يندرج تحت هذا البند: البقاء في الكرسي.
لا يهمه أن يقول الشيء ونقيضه، لا يرمش له جفن وهو يقول أمورا لا تمت للحقائق بصلة. لا يتردد في تغيير رأيه ومواقفه وقراراته في سبيل إرضاء أولئك الذين يعتبرون جمهور مصوتيه المحتملين.
في الانتخابات الأخيرة، أشارت كل استطلاعات الرأي إلى أنه سيخسر المعركة، إذ منحته الاستطلاعات 24 مقعدا فقط، في حين حصل منافسوه في المعسكر الصهيوني بقيادة يتسحاق هيرتسوغ وتسيبي ليفني 26 مقعدا. ولكن في الأيام الأخيرة وتحديداً، بل قبل ست ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، خرج بحملة يحذّر فيها اليهود من تدفّق الناخبين العرب إلى الصناديق «بواسطة حافلات بتمويل عربي وأجنبي». وهكذا أحدث انقلابا في الرأي العام، وزاد رصيده بستة مقاعد حاصلاً على 30 مقعدا بضربة واحدة.
حصل نتنياهو على هذه الزيادة بالأساس من منافسيه في اليمين. فحزب المستوطنين (البيت اليهودي)، الذي كان ممثلا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) بـ12 مقعدا، هبط رصيده إلى 8 مقاعد، وحزب «يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان، الذي كان ممثلا بعشرة مقاعد هبط رصيده إلى 6 مقاعد، وهكذا استطاع زعيم الليكود تشكيل الحكومة الجديدة. وبالطريقة نفسها ينجح في الحفاظ على هذه النسبة من التأييد، إذ أنه يواصل دغدغة غرائز اليمين العنصري بالتحريض على المواطنين العرب (فلسطينيي 48)، وبسن قوانين خاصة لقمعهم وتقليم نفوذهم وبممارسة عمليات هدم لبيوتهم ومهاجمة قياداتهم.
أيضاً، النظام الانتخابي النسبة لملء مقاعد البرلمان يساعد نتنياهو على ذلك. فهو يفوز فقط بربع مقاعد الكنيست (30 من 120)، لكن القانون الإسرائيلي ينص على أن مرشح الكتلة الأكبر يعطى حق محاولة تشكيل الحكومة.
في الماضي كان حزب السلطة يحصل في الانتخابات على 40 و50 بل على 65 مقعدا. وبالتالي، نتنياهو هو رئيس الحكومة الذي حصل على أقل عدد من المقاعد في التاريخ الإسرائيلي. لكن ما يحصل عليه يكفيه لتشكيل الحكومة، لأن قوى اليمين من أحزاب أخرى (البيت اليهودي و«يسرائيل بيتينو») وقوى المتدينين المتزمتين (تحديداً «شاس» لليهود الشرقيين و«يهدوت هتوراة» لليهود الاشكناز) تقف إلى جانبه. قادتها وجمهورها لا يحبونه. نفتالي بنيت وأييلت شكيد وأفيغدور ليبرمان كلهم قد عملوا تحت قيادته وتركوه غاضبين ومحبطين. لكنهم يعرفون أنه الوحيد القادر على تشكيل حكومة يمينية بمشاركتهم. فشكلوا معه حلفاً من اللحظة الأولى، رغم أنه نجح بالأحابيل الانتخابية في خطف عشرات الألوف من ناخبيهم.

إسرائيل تجنح إلى اليمين
الحقيقة أن أحزاب اليمين في إسرائيل ازدادت قوة، بل ضاعفت قوتها بنسب عالية. في بدايات إسرائيل سيطر حزب العمل، الذي يمثل الجناح الاشتراكي الليبرالي في الحركة الصهيونية. وظل حزب العمل في الحكم بشكل متواصل حتى عام 1977، وكان يتحالف مع اليسار الصهيوني وكذلك مع الليبراليين وأحزاب الوسط الأخرى. إلا أن سياسة هذا الحزب، وإن كانت يسارية وسطية ليبرالية من الناحية الاقتصادية الاجتماعية، فإنها من الناحية السياسية - العسكرية قادت الحروب ونفّذت عمليات التشريد للفلسطينيين، في زمن نكبة 1948 وحرب 1956 ونكسة 1967، وهي التي ضمت القدس وهضبة الجولان السورية لإسرائيل، وهي التي وضعت أسس الاستيطان اليهودي في المنطق المحتلة، والتي غرست النبتات الأولى للسياسة العنصرية والغطرسة السياسية والعربدة العسكرية.
ولقد كانت هذه الأسس رافعة لقوى اليمين حتى انتصر بقيادة مناحيم بيغن عام 1977، واتضح أن الجمهور فضّل اليمين الأصلي على من يدير سياسة يمين ويحمل اسم اليسار أو الوسط.
في الانتخابات الأولى فاز حزب اليمين (وكان اسمه «حيروت» - الذي هو «الليكود» اليوم - ) بـ16 مقعدا فقط. وفي الانتخابات الثانية فاز بـ20 مقعدا. وفي الثالثة تراجع إلى 15، ثم حصل على 17 مقعدا في ثلاث انتخابات متتالية.
فقط عام 1973، بعد الفشل الإسرائيلي في حرب أكتوبر (تشرين الأول) من تلك السنة، حظي «الليكود» (وكان اسمه يومذاك «جاحل») بـ39 مقعدا وأخذ يهدد حكم «اليسار» (الذي تراجع نصيبه يومها من 56 إلى 51 مقعدا). وأخيراً، تحقق له الانتصار عام 1977، عندما حصل «الليكود» برئاسة بيغن على 43 مقعدا فيما تراجعت حصة العمل بقيادة شمعون بيريس إلى 39 مقعدا وخسر الحكم.
بعدها، فشل «الليكود» في الحكم واضطر في الانتخابات التي أجريت عام 1984 إلى تشكيل حكومة مشتركة مع حزب العمل. ثم خسر الحكم تماماً عام 1992 لصالح حزب العمل بقيادة «الجنرال» إسحق رابين. لكنه عاد إلى الحكم برئاسة نتنياهو عام 1996، ومع أن «الليكود» خسر أمام العمل تحت قيادة جنرال آخر هو إيهود باراك عام 1999، فإنه عاد إلى الحكم برئاسة جنرال ثالث هو أرئيل شارون. غير أن هذا الأخير اضطر إلى ترك الحكم، إذ دخل في غيبوبة لم يفق منها أبدا، فتولى الحكم إيهود أولمرت. ثم عاد نتنياهو واستمر إلى اليوم.
ومن نتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد على أحزاب اليمين، يبدو بوضوح أن إسرائيل تذهب بمثابرة وإصرار نحو اليمين. وحسب آخر انتخابات، حظي «الليكود» بثلاثين مقعدا، والبيت اليهودي بثمانية، و«يسرائيل بيتينو» بستة، وحزبا المتدينين بـ13 مقعدا (7 للشرقيين و6 للاشكناز). كذلك حصل حزب «كولانو» برئاسة وزير المالية، موشيه كحلون، المنشق عن «الليكود» على 10 مقاعد. وهكذا غدا للائتلاف اليميني 67 نائباً من أصل 120 نائبا.
ولكن من ناحية سياسية، يرى البعض أن اليمين في إسرائيل يذهب نحو اليسار. ذلك أحزاب اليمين كانت ترفض أي تسوية مع الفلسطينيين. وكانت تضع شعارا يطالب بـ«أرض إسرائيل» الكاملة من البحر إلى النهر، وأكثر من ذلك - «للأردن ضفتان، هذه لنا وتلك أيضا». لكنهم تنازلوا عن شرقي الأردن، وراحوا يطالبون باعتباره (أي الأردن) الدولة الفلسطينية.
وما زال الكثير من أوساط اليمين يقدمون هذا الطرح إلى اليوم. إلا أن مناحيم بيغن وقّع على اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، وانسحب حتى آخر شبر من الأراضي المصرية المحتلة، وهدم بنفسه المستوطنات التي أقيمت في سيناء. ولقد تحوّل الأمر إلى سابقة، إذ أن سوريا طالبت إسرائيل بانسحاب مماثل (كامل وشامل) من هضبة الجولان. وحصل الأردن على اتفاق مماثل عام 1994.
وعندما وصل نتنياهو إلى الحكم لأول مرة عام 1996، أعلن موافقته على اتفاقيات أوسلو، ووقع على اتفاقيتين في إطار تطبيقها، فانسحب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية. وعندما تولى شارون الحكم أعلن موافقته على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. وبسبب المعارضة داخل حزبه أحدث انشقاقا في «الليكود» وأسس حزبا جديدا مع شمعون بيريس (المنشق عن حزب العمل) وانسحب من قطاع غزة، وهدم بنفسه المستوطنات هناك، كما هدم 4 مستوطنات في شمالي الضفة الغربية.
وعندما وصل إلى الحكم يميني آخر تربّى في «الليكود»، هو إيهود أولمرت، عرض على الرئيس الفلسطيني حدودا للدولة الفلسطينية مساحتها تساوي 22 في المائة من مساحة الضفة الغربية مع ممرٍّ آمن لقطاع غزة وموافقة على تحويل القدس الشرقية إلى عاصمة فلسطين.
وحتى نتنياهو أعلن قبوله حل الدولتين عام 2009، وهذا أولا لاسترضاء دول العالم، لكنه أيضا لاسترضاء شريحة واسعة من المواطنين في إسرائيل. إذ حسب آخر استطلاع أجراه معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب ونشر في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، قال 59 في المائة من الإسرائيليين إنهم يؤيدون هذا الحل. واللافت أن 41 في المائة من أنصار الليكود في إسرائيل يؤيدون هم أيضا هذا الحل.

حرب الجنرالات
هنا يُطرح السؤال: لماذا إذن لا يتجاوب نتنياهو مع رغبة الغالبية وينفذ وعده في تطبيق حل الدولتين؟
هنا نعود إلى المربع الأول: نتنياهو يضع في المقام الأول الحفاظ على كرسيه. وهو يعرف أن هذا الكرسي يستند إلى اليمين المتطرف. فقد حصل على نسبة 60 في المائة من أصوات اليمين التقليدي، وعلى 37 ألف صوت (ما يعادل 18 في المائة) من أصوات المستوطنين. وهو يراهن عمليا على عدد من الأصوات يكفيه لثلاثين مقعدا.
ثم إنه يجري حساباته على الحقيقة بأنه لا يوجد مَن يهدّد مكانته من المعارضة. ذلك أن كل استطلاعات الرأي تشير إلى أن الجمهور لا يرى بديلا عنه بين المرشحين المنافسين في المعارضة. ففي استطلاع القناة الأول للتلفزيون الإسرائيلي أجري في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قال 27 في المائة إنهم يفضلون نتنياهو وقال 16 في المائة أنهم يفضلون يائير لبيد، زعيم حزب الوسط «يوجد مستقبل» و7 في المائة فضلوا نفتالي بينيت وعدد مماثل فضلوا وزير الدفاع السابق موشيه يعلون، الذي ترك «الليكود» و5 في المائة فضلوا أفيغدور ليبرمان، و5 في المائة فضلوا يتسحاق هيرتسوغ. بينما قال 31 في المائة إنهم لا يرون أيا من هؤلاء المرشحين صالحا لمنصب رئيس حكومة.
وهناك محاولات كثيرة من شخصيات قيادية أخرى لخوض المعركة، بالأساس من صفوف الجنرالات الذين تسرحوا من الجيش، أمثال رؤساء أركان الجيش السابقين غابي اشكنازي ودان حالوتس وبيني غانتس، وحتى إيهود باراك، لملء الفراغ. لكن نتنياهو وقوى اليمين الأخرى تتابع نشاط هؤلاء وتحاربهم وتنشر القصص لتشويه سمعتهم. واستطلاعات الرأي تشير إلى أن هذا التشويه يترك أثره على الجمهور، وبالتالي لا يحظى أي منهم لما يكفي من الشعبية.
أيضاً، ثمة قوى تسعى لتوحيد صفوف هذه الشخصيات في إطار واحد أو تعزيز صفوف الأحزاب القائمة بضم تلك الشخصيات، لكن معارضي نتنياهو مبتلون بالنرجسية التي تمنع توحيد قواهم ضده. كل واحد منهم يرى نفسه قائدا أول، وليس مستعدا لاحتلال المرتبة الثانية أو الثالثة. ونتنياهو يستمتع بهذه الخلافات لأنها تؤدي إلى إبقائه المرشح الأقوى، رغم إخفاقاته الكثيرة.

المعركة الأخيرة
اليوم، يشعر نتنياهو بأن ما يقدر على كسر ظهره يأتي من جهتين: الشرطة والإعلام. فالصحافة الإسرائيلية تحاربه بشراسة، كما كانت تحارب كل رؤساء الحكومات وأكثر قليلا. وهي التي كشفت فضائح الفساد، التي دفعت الشرطة إلى التحقيق فيها.
من جانبه، حاول نتنياهو مجابهة هاتين القوتين بأسلوب لا يقل شراسة. فمن جهة جلب مفتشا عاما للشرطة ممن يثق بهم، هو روني الشيخ، وقد جاء به من جهاز المخابرات وفرضه على الشرطة. وعيّن سكرتير حكومته أبيحاي مندلبليت مستشارا قضائيا للحكومة وشاي نتسان مدعيا عاما. وهو يسعى إلى إدخال رجال اليمين قضاة في المحكمة العليا، وفي الوقت نفسه تولى بنفسه وزارة الإعلام ويسعى لإلغاء سلطة البث وإعادة بنائها من جديد وإحداث تغييرات في القنوات والإذاعات التجارية لزيادة تأثير ونفوذ الحكومة عليها.
وتدور حول الموضوع حرب وطيس. وفي بعض الحالات يحقق أرباحا، فيرهب صحافيين ويماطل في التحقيقات في الشرطة. إلا أن التحقيق المهني في الشرطة جار على قدم وساق وهناك قناعة لدى ضباط التحقيق بأن هناك أساسا متينا لتقديم لائحة اتهام ضده. كما أن الصحافة بشكل عام لم تستسلم. وتواصل انتقاد نتنياهو على سياسته في كل المجالات، بدءا بانعدام الأمن في زمنه إلى العزلة الدولية وعرقلة مسيرة المفاوضات وحتى الوضع الاقتصادي والفساد.
بيد أن القوة السياسية الأساس التي عليها واجب إدارة هذه الحرب، تبدو ساكنة تغط في نوم عميق. فمع أن هناك 53 نائبا في المعارضة، فإن صوتهم لا يسمع.
نتنياهو يعمل تقريبا بلا معارضة. وإسرائيل لا تشهد منذ إقامتها معارضة كسولة هزيلة عاجزة كما هي المعارضة اليوم.
رئيس المعارضة، هيرتسوغ، أمضى أكثر من سنة في مفاوضات مع نتنياهو كي يدخل حكومته تحت لافتة «تشكيل حكومة وحدة وطنية قوية قادرة على صنع السلام». وتدخلت الولايات المتحدة ومصر والأردن لترتيب دخول هيرتسوغ إلى الحكومة. لكن نتنياهو تراجع.
إنه يعرف أن مصلحة إسرائيل تقتضي التوجه إلى عملية سلام تجعله قائداً تاريخياً لإسرائيل، يقف في مصاف «مؤسس الدولة» ديفيد بن غوريون و«صانع السلام» مع مصر مناحيم بيغن و«صانع اتفاقات أوسلو والسلام مع الأردن» إسحق رابين. إلا أنه حتى الآن، لا يجد في نفسه الشجاعة في مواجهة رفاقه في «الليكود» ومعسكر اليمين، ولا في دفع ثمن السلام. وهو يشعر أن استمرار الوضع الحالي لا يضره، بل يبقيه رئيس حكومة، لا بل صاحب أطول فترة رئاسة بين جميع رؤساء حكومات إسرائيل.
وراهناً، تبني المعارضة حساباتها على أن يضطر نتنياهو للتزحزح عن موقفه هذا بدعم من الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب. فاليمين الإسرائيلي احتفل بانتخاب ترمب. وهو يأمل أن يتوقف الضغط الأميركي في موضوع الاستيطان وفي موضوع المفاوضات. بينما المعارضة الإسرائيلية تأمل أن يبادر ترمب لدفع عملية سلام تجبر نتنياهو على التحرك والتجاوب. أما المقربون من نتنياهو فيرون أن هذا هو الوقت المناسب لأن يعمل نتنياهو على تفجير أزمة ائتلافية وتقديم موعد الانتخابات كي يكسب مزيدا من الوقت في كرسي الرئاسة من دون أن يدفع أي ثمن.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.