غني عن القول أن العالم العربي حائر يتخبط، بل إنه في قمة الحيرة والضياع والتخبط حالياً. وهذه مراحل مترجرجة من التاريخ، مراحل يطيب فيها الفكر وتكثر المشاريع التي تبحث عن حل أو منفذ أو خلاص. انظروا إلى مراكز البحوث والترجمة التي تتكاثر كالفطر في شتى أقطار العرب مشرقاً ومغرباً. وهذه ظاهرة صحية في الواقع. من بين هذه المشاريع مشروع رابطة العقلانيين العرب وموقع الأوان الإلكتروني المرتبط بها. وقد دعيت إلى ندوة فكرية للاحتفال بهذا الحدث بعد مرور 10 سنوات على تأسيسه في 18 من هذا الشهر في رحاب المكتبة الوطنية التونسية، في قاعة الطاهر حداد، أحد رموز التنوير العربي والنهضة التونسية. وتعاقب على المنصة باحثون وكتاب كثيرون، أذكر من بينهم رشيد الخيون من العراق الذي ألقى مداخلة بعنوان «التنوير المحظور... ضحايا السلطة والدين». وأما الباحثة اللبنانية ريتا فرج فقد تحدثت لنا عن موقع «الأوان» الإلكتروني: «نقد المحرمات في زمن الانسداد الفكري». وتحدثت لنا الباحثة التونسية هاجر خنفير عن النساء والكتابة الإلكترونية: «قراءة في مدونة الأوان النسائية». وأما الباحث السوري وائل السواح فقد تناول جدل العلمانية والديمقراطية. ثم قدم لنا المحامي البشير الأخضر شهادة مطولة وهامة عن أخيه العفيف الأخضر. وعندما رأيته لأول مرة خلت أني في حضرة العفيف شخصياً. فالتشابه مدهش بل ومذهل. ولذلك خرجت بفكرة عبقرية تقول: «من أشبه أخاه الشقيق فما ظلم». وكانت شهادة مؤثرة جداً خصوصاً في نهايتها عندما تحدث لنا عن اللحظات الأخيرة في حياة المفكر التونسي الشهير وهو يصرخ: «تونس يا تونس، يا حبيبتي يا تونس!»... قالها والدموع تنهمر من عينيه مدراراً، مراراً وتكراراً. تونس يا تونس! ثم أسلم الروح. لقد هزتنا هذه الكلمات هزاً وصفقنا لها وقوفاً. والواقع أن الندوة كانت مخصصة في جزئها الثاني وربما الأكبر لتكريم العفيف الأخضر والتحدث عن إنجازاته الفكرية التنويرية. ثم تحدث الباحث التونسي عادل اللطيفي عن الموضوع التالي: «قراءة في نقد الخطاب الديني لدى العفيف الأخضر». أما الشاعر التونسي المنصف الوهايبي فقد تحدث عن العفيف الأخضر: «نسيان ما ينسى». وقد اكتشفت بالمناسبة أنه ليس شاعراً فقط وإنما مفكر حقيقي. هذا في حين أن الروائي والكاتب التونسي المبدع حسونة المصباحي تحدث عن رسالة شخصية مطولة للعفيف الأخضر. وفي الختام، تحدث الباحث المغربي عادل حدجامي عن العقلانية وشروطها. هذه هي بشكل عام محاور الندوة. ولكن هل يمكن أن أنسى عادل الحاج سالم ومختار الخلفاوي، اللذين ألقى كل واحد منهما مداخلة عصماء؟
وفي صبيحة اليوم التالي، أي يوم الأحد 19 مارس (آذار)، عُقد اجتماع لتأسيس جائزة العفيف الأخضر للفكر الحر. وهي جائزة قيمة سوف تمنح مرة واحدة كل سنتين لأحد الباحثين العرب الشباب. دون الدخول في تفاصيل كثيرة، ماذا استنتجت من كل هذه المداخلات والمناقشات المكثفة التي تلتها؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن أقول كلمة سريعة عن الجلسة الافتتاحية للندوة. وقد ابتدأتها الباحثة التونسية رجاء بن سلامة المديرة العامة للمكتبة الوطنية التونسية، وذلك باسم موقع «الأوان». وفهمنا عندئذ لماذا دعي هذا الموقع بهذا الاسم تحديداً. فقد كان بمثابة صرخة تقول ما معناه: لقد آن الأوان! بمعنى آن الأوان للانخراط في مشروع التنوير العربي وفتح أبوابه على مصراعيها. وهي صورة موفقة وناجحة. فالأمور لم تعد تحتمل الانتظار. وأما الباحثة التونسية إقبال الغربي فقد تحدثت باسم جمعية «العفيف الأخضر للفكر الحر». وشرحت لنا بواعث هذه الجمعية التي تخلد المفكر التونسي الراحل. ومعروف أن إقبال الغربي كانت تجدد الفكر الديني في قلب جامعة الزيتونة الشهيرة العريقة. ثم ختم الجلسة الافتتاحية المفكر الليبي المعروف محمد عبد المطلب الهوني. والواقع أنه راعي مشروع التنوير والمحرك الأساسي الذي يقف خلفه منذ أكثر من 10 سنوات. وقد تحدث باسم رابطة العقلانيين العرب. وبعد أن استعرض مراحل المشروع وبداياته ومفاصله انتهى «بالوقوف على الأطلال» إذا جاز التعبير. فكثير من المفكرين الكبار الذين شاركوه مراحل التأسيس والبناء والآمال العراض أصبحوا الآن في ذمة التاريخ. وقد ذكرهم بالاسم واحداً واحداً وبنوع من التحسر والحنين. وكان أول الراحلين نصر حامد أبو زيد. ثم تلاه محمد أركون، وبعده جاء دور جورج طرابيشي. وختمت قافلة الرحيل أخيراً بصادق جلال العظم. والواقع أن هذا المشروع الكبير كان قد ابتدأ بشيء اسمه المؤسسة العربية للتحديث الفكري، ثم انتهى بتسمية جديدة هي: رابطة العقلانيين العرب.
بالأمس القريب قرأت عبارة لنيتشه تقول ما معناه: «لم أيأس بعد من العثور على نفق يؤدي إلى شيء ما». قال ذلك، قبل أن يتوصل إلى تحقيق فتوحاته الفلسفية وتدبيج مؤلفاته الكبرى. وهذا يعني أنه كان يتخبط في كل الاتجاهات قبل أن يجد الثقب الأساسي الذي يخترق جدار التاريخ المسدود. والواقع أن هذه هي حالة معظم الفلاسفة إن لم يكن كلهم على مدار التاريخ. كلهم كانوا عبارة عن انفراجات في خضم الاستعصاءات. كلهم انفجروا في لحظة ما بالحل المنشود الذي يبحث عنه الجميع دون أن يجدوه. كلهم كانوا إضاءات في دياجير من الظلمات. كلهم كانوا كذلك؛ من أفلاطون إلى أرسطو، إلى الفارابي وابن سينا، إلى المتنبي والمعري، إلى لوثر وباسكال وديكارت وسبينوزا وفولتير وروسو وكانط وهيغل ونيتشه وهيدغر وفوكو وبول ريكور وهابرماس... إلخ والقائمة طويلة... ولكنها ليست طويلة جداً، لأن عدد المفكرين الكبار يبقى قليلاً في التاريخ. إنهم أشبه بالانفجارات في عصر الانسدادات. والآن نطرح هذا السؤال: ما سر الاستعصاء العربي الحالي؟ ما سر هذه الروح العربية الحائرة، الروح القلقة، الروح التي تبحث عن خيط قد يؤدي إلى الخروج من الجحر أو القبر؟ سوف يكون من الحماقة الاعتقاد بأني قادر وحدي على الإجابة عن هذا السؤال. شخص عاجز عن حل مشكلته الشخصية ومع ذلك يتنطح لحل مشكلة العرب! شخص عاجز عن تحرير نفسه، ومع ذلك يزعم تحرير العرب! قليلاً من الخجل إذن. قليلاً من الحياء والتواضع. قليلاً من التضخم والانتفاخ الفارغ. شخص يحفر في الظلام منذ 40 سنة دون أن يصل إلى نتيجة أو قعر. هل أنا سيزيف العصر؟ ولكن لندلُ بدلونا بين الدلاء. لنحاول أن نبحث عن «ثقب يؤدي إلى مخرج ما» كما يقول نيتشه. أولاً ينبغي القول إنه يكفي أن يظهر كتاب ما في اللغة العربية، كتاب واحد له معنى، لكي ينفك الانسداد التاريخي للعرب. ولكن لا أحد في اللحظة الراهنة قادر على تأليف هذا الكتاب. من يستطيع أن يكتب رسالة الغفران حالياً؟ من يستطيع التوصل إلى معادل لمؤلفات ابن سينا الكبرى؟ هذا هو الاستعصاء الأول والأساسي. لتوضيح فكرتي أكثر، سوف أقول ما يلي: عندما حصل الاستعصاء الفرنسي في القرن السابع عشر وتفاقم وبلغ ذروته انفجر ديكارت بالحل والمنهج. وكان ذلك من خلال كتابين أساسيين؛ «مقال في المنهج»، و«التأملات الميتافيزيقية». عندئذ انحلت عقدة التاريخ الفرنسي. بل وانحلت عقدة ديكارت شخصياً، لأنه هو أيضاً كان حائراً يتخبط. بل وأشرف على حافة الجنون والانهيار العقلي، كما يعترف هو بذلك شخصياً. حصل ذلك كما لو أنه كان يقول للفرنسيين: هذا هو الخط، هذا هو المنهج، فاتبعوه تصلوا إلى بر الأمان. وهذا ما حصل بالفعل. وبعده بفترة حار الألمان وانسدت الآفاق في وجوههم فإذا بشخص يدعى كانط يظهر بين ظهرانيهم وينفجر بالحل والخلاص من خلال كتاب هائل يدعى «نقد العقل الخالص». ثم «الدين ضمن حدود العقل فقط». وبعده بقليل انفجر هيغل برائعته الكبرى «فينومينولوجيا الروح»... إلخ، إلخ.
وعلى ذكر التنوير كلنا يعرف أن الفرنسيين لم يخرجوا من المحنة إلا بفضل جهود شخصين؛ هما ديدرو ودلامبير اللذين أسسا مشروع الموسوعة الكبرى (الأنسيكلوبيديا). وفي البداية كانا يفكران فقط بترجمة الموسوعة الإنجليزية كحل للانسداد الفرنسي والخروج من الظلامية المسيحية الكاثوليكية. وذلك لأن إنجلترا سبقت فرنسا إلى الانبعاث والتسامح والاستنارة كما هو معلوم. والمتأخر يقلد المتقدم ولا عيب في ذلك. ولكنهما تراجعا في آخر لحظة وألفا موسوعة فرنسية خالصة أسهمت فيها خيرة أقلام المفكرين آنذاك، ومن بينهم فولتير وجان جاك روسو. ويمكن القول بشكل من الأشكال إن مشروع رابطة العقلانيين العرب يشبه المشروع الفرنسي إلى حد ما، من حيث إنه يهدف إلى إخراج العرب من الظلاميات اللاهوتية التي أوصلتنا إلى تحفة العصر الدواعشية أخيراً. بل وجعلتنا في قفص الاتهام أمام العالم كله، نحن الذين كنا مركز الحضارة والنزعة الإنسانية والإشعاع الفكري... ولكنه مشروع من جملة مشاريع أخرى كما ذكرنا في بداية هذا الحديث. وككل مشروع ريادي له إيجابياته وسلبياته، له ميزاته ونواقصه. ورحم الله امرأًً أهدى إلى عيوبي. وعلى كل حال، فمراكز البحوث والترجمات أصبحت كثيرة والحمد لله في عالمنا العربي؛ من السعودية، إلى الإمارات، إلى البحرين ومختلف الأقطار، بل وحتى إلى أرض التفرق والشتات... فالمشكلة ضخمة والطامة عظمى، ولن نخرج منها إلا بتضافر جميع الجهود.
هل من مشروع فكري يدشن تاريخنا؟
ندوة في تونس بمناسبة تأسيس موقع «رابطة العقلانيين العرب»
العفيف الأخضر
هل من مشروع فكري يدشن تاريخنا؟
العفيف الأخضر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


