كمال جنبلاط لحافظ الأسد: دخولك لبنان سيكون مبرراً لتدخل إسرائيل

توفيق سلطان القيادي السابق في الحركة الوطنية اللبنانية يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل اللقاء

توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
TT

كمال جنبلاط لحافظ الأسد: دخولك لبنان سيكون مبرراً لتدخل إسرائيل

توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)

يسند توفيق سلطان وجهه بيده، متذكراً وقائع لقاء الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط بحافظ الأسد، محاولاً استجماع سائر تفاصيل اللقاء. لا يغيب عن باله كيف تحدى جنبلاط الأسد، برفضه مشروع الكونفدرالية التي تجمع الأردن وسوريا ولبنان، ذلك أن المشروع «كان يهدف لإنهاء الثورة الفلسطينية»، وهو الموقف الذي أدى لاغتيال جنبلاط، في 16 مارس (آذار) 1977، واتهم النظام السوري باغتياله.
سلطان لم يتسلم أي منصب في الحزب التقدمي الاشتراكي منذ العام 1982، كان في بدايات حقبة الحرب اللبنانية نائباً لرئيس الحركة الوطنية التي ضمت «أحزابا وطنية لبنانية وفلسطينية» وكانت داعمة للثورة الفلسطينية. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط»، عشية الذكرى الـ40 لاغتيال جنبلاط، أن جنبلاط «استشهد من أجل سيادة لبنان والقرار الفلسطيني المستقل، وكان له هاجس دائم بأنه لا يساوم على سيادة لبنان لا استراتيجيا ولا تكتيكيا. كان زعيماً عربياً بوصفه رئيس الجبهة العربية المشاركة للثورة الفلسطينية، ومع ذلك لم يقبل أن تُمسّ السيادة اللبنانية».
وهنا نص الحوار...
* كيف تبلغتم نبأ اغتيال كمال جنبلاط؟
- بلغنا نعي كمال جنبلاط أثناء وجودنا في القاهرة. كنا نستعدّ لحضور اجتماع «المجلس الوطني الفلسطيني». حضر ياسر عرفات إلى مكان كنت موجودا فيه مع بعض الرفاق، وطلب النزول إلى الجامعة العربية، قائلا: إن جلسة «المجلس الوطني الفلسطيني» ستكون احتفالاً تأبينياً لكمال جنبلاط، وذلك بعد ساعتين أو ثلاث من مقتله.
* ماذا قلت حينها؟
- جرت محاولات للحيلولة دون أن أتحدث، خوفاً من ردود فعل. أصريت على الكلام، كوني كنت نائب رئيس الحركة الوطنية، وممثل الحزب التقدمي الاشتراكي في المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وفد الحركة الوطنية إلى الاجتماع. بادرت للكلام بالقول: «قتلوك لأنك فلسطيني». أنا على يقين أن أسباب اغتياله تعود لأنه فلسطيني.
* ما هو سبب اليقين لديك؟
- في العام 1970، بدأت محاولات ضرب الثورة الفلسطينية في الأردن. لم تنجح كلياً. وهجرت الثورة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان. تغيّر اللاعبون وتبدل السيناريو. صار المطلوب ضرب الثورة الفلسطينية في لبنان، مستغلين ظروف لبنان وصراعاته السياسية والطائفية والمناطقية والعشائرية، والهدف واحد، هو ضرب الثورة. هنا، أُنجز الترتيب الأكبر، أن هناك فريقاً جاهزاً ليتقبل ضرب الثورة الفلسطينية، (في إشارة إلى اليمين المسيحي الذي تكتل من عدة أحزاب يمينية في العام 1976 تحت اسم الجبهة اللبنانية). وحتى يكتمل المشروع، يحتاج إلى ثمن. والثمن هو إنشاء اتحاد كونفدرالي بين الأردن وسوريا ولبنان.
* ألم يكن مشروعاً متخيلاً؟
- هذا المشروع له وثائق، ولم يكن نظرياً. كان هناك توافق من أكثر من طرف دولي على تحقيقه. ففي اجتماع بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد، كنت أحضره، طرح الأسد على جنبلاط فكرة إنشاء اتحاد كونفدرالي، فأجابه جنبلاط بالرفض. وسأله لماذا؟ فقال له جنبلاط: أنت لا حريات لديك، وأنا لا يمكنني أن أعيش في بلد لا تتوفر فيه مناخات الحرية. وأكمل جنبلاط للأسد مؤكداً: «لن أدخل قفصك الذهبي الكبير».
* ماذا كان جواب الأسد؟
- قال لجنبلاط: الفريق الآخر وافق على هذا الطرح، (في إشارة إلى الجبهة اللبنانية). فردّ جنبلاط: يكذبون عليك ويخدعونك. عندها، أشار الأسد لعبد الحليم خدام بإطلاعي على المشروع. طلب خدام من مدير مكتبه آنذاك مصطفى الحاج علي إحضار الملف الخاص بلبنان، وعليه أوراق رسمية باسم كاظم الخليل، محام بالاستئناف، وكان آنذاك نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون. وفي الورقة كان مدوناً: «بعد التشاور الشفهي مع شمعون خلال رحلة صيد (كان خدام قد دعاه إليها) نعرض لكم تصورنا للاتحاد الكونفدرالي بين الأردن وسوريا ولبنان».
كمال جنبلاط وقف حجر عثرة أمام المشروع. عمل الأسد على الفريق الثاني على أساس أن موافقة الفريق الأول (الحركة الوطنية) كان مضموناً. فتبين أن الفريق الذي يمثله جنبلاط كان يعارض.
* ماذا تضمن اللقاء بين جنبلاط والأسد أيضا؟
- في الجلسة نفسها مع الأسد، حذره جنبلاط من دخول لبنان. قال له إن دخول دمشق إلى بيروت سيكون مبرراً لأن تدخل إسرائيل إلى لبنان. ودخول إسرائيل سيجلب ويلات كبيرة علينا. وقال للأسد: «خلافاتنا نستطيع أن نجد حلاً داخلياً لها، لكن دخول إسرائيل سيدخلنا في نفق مظلم». كان جنبلاط يدرك أن محور الدخول السوري إلى لبنان لم يكن لوضع اليد على لبنان، بل لإلغاء القرار الوطني الفلسطيني المستقل وضرب الثورة الفلسطينية.
* هل صحّت مقولة جنبلاط بأن الجبهة اللبنانية كانت تخدعه؟
- بعد 13 عاماً على مقتل كمال جنبلاط، وإثر اجتماع أول حكومة لبنانية بعد الطائف مع الأسد في دمشق، قال الأسد إن بيار الجميل خدعه. فأشار محسن دلول إلى إيلي حبيقة وقال للأسد إن حبيقة تلميذ الجميّل، لكن حبيقة أنكر علاقته بالجميل. الجبهة اللبنانية كانت تناور مع السوريين. والسوريون اعتبروا تلك المرحلة فرصتهم الذهبية الكبيرة لوضع يدهم على لبنان.
ومن بقي يقاتل لأجل سيادة لبنان، كان كمال جنبلاط. وحين بدأ الدخول السوري، كان في بحمدون أمام الناس للوقوف أمام الدبابات السورية.
* ألم يكن الأسد من المؤيدين للثورة الفلسطينية حين نقل الثوار من الأردن إلى لبنان؟
- نقل وتحويل الأمور إلى لبنان كان نتيجة اتفاق أطراف دولية متعددة، وأوكلت المهمة للسوريين. حتى أن الدخول السوري إلى لبنان، لم يكن بمطلب من الجبهة اللبنانية أو الرئيس فرنجية، بل إن المهمة والدخول والعدد والتسليح جاء ضمن برنامج خاضع لاتفاقات دولية، قضت بعدم عبور جسر الأولي (شمال صيدا) ونوع السلاح الذي سيستخدم.
* ماذا كان دور كمال جنبلاط؟
- اضطلع بدور التصدي للمخطط. وكان كمال جنبلاط اسما كبيراً ليس محلياً فحسب، بل عربيا ودوليا وله علاقات ووجود سياسي كبير. هو نشط، وبقي يصارع المشروع حتى قبيل اغتياله بفترة وجيزة.
* ما هي تفاصيل هذا الحراك؟
- كنت آنذاك موكلا مسؤولية العمل الخارجي في الحركة الوطنية. توجه جنبلاط إلى القاهرة حيث كنت أقيم عبر قبرص بحراً، وقابل الرئيس أنور السادات.
* ماذا كان يريد السادات؟
- تجنيب كمال جنبلاط الأذية، لكنه كان متعاطفاً مع مشروع إلغاء الثورة الفلسطينية.
بدأ جنبلاط مشواره في مصر، وقدم له السادات طائرته وانتقلنا إلى السعودية حيث التقينا الملك خالد بن عبد العزيز في مدينة الطائف، وبعدها انتقلنا إلى العراق حيث لم نستطع لقاء صدام حسين لأنه كان خارج البلاد، فالتقينا طه ياسين رمضان.
* ماذا كان الهدف من زيارة العراق؟
- هدف الجولة العربية هو منع تحقيق تصفية الثورة الفلسطينية. العراق كان مهووساً بمقاتلة سوريا، لكن جنبلاط أكد لرمضان أنه ليس من مهامه قتال السوريين، بل منع الضرر الناتج عن تصفية الثورة الفلسطينية. بعدها انتقل إلى باريس، حيث أجرى اتصالات في فرنسا مع الإدارة الفرنسية وأحزاب، لكنها لم تكن ناجحة. ثم أرسل مبعوثاً إلى موسكو، علما بأن جنبلاط كان يحمل وسام لينين وهو أرفع وسام سوفياتي لم يحمله من العرب إلا جنبلاط وجمال عبد الناصر. فكان جواب الاتحاد السوفياتي لمبعوث جنبلاط الذي عاد خلال 24 ساعة: نعرف رأيه، ويعرف رأينا... لا لزوم لزيارته.
* حتى الاتحاد السوفياتي كان موافقاً على تصفية الثورة؟
- إنها حبكة دولية. بعدها زرنا الجزائر، ومنها إلى ليبيا ثم إلى مصر. هناك، قلت له: «إن عدت فسيقتلونك». قال: «أعرف». قلت له: «ألا يمكنك أن تبتعد قليلاً ريثما تأتي متغيرات ولا يعود هذا المطلب قائماً؟» لكن أبى إلا أن يعود إلى لبنان.
* ياسر عرفات ماذا كان رأيه؟
- كان مغلوباً على أمره. لا يملك أرضاً، وهو مطوق في لبنان بالحرب. أصلاً عانى مع بعض العرب، كما عانى مع الإسرائيليين.
* وكيف انتهى مشروع الكونفدرالية بين الأردن وسوريا ولبنان؟
- حين زار السادات القدس، عندها تغيرت المعادلة، واستعادت الثورة الفلسطينية روحاً جديدة، كونها بدأت تتنفس في سوريا التي أعطتها روحاً جديدة بسبب المناكفة بين مصر وسوريا على ضوء توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل.



رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
TT

رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

لقي افتتاح الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» سفارة في القدس رفضاً عربياً متواصلاً لمُخرجات ذلك التطبيع الذي بدأت أولى محطاته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ووصفته جامعة الدول العربية بأنه خطوة «باطلة وبلا أثر قانوني».

ووفق خبير في الشأن الصومالي، فإن ذلك الرفض العربي يحمل «خط دفاعٍ دبلوماسياً مهماً للصومال»، مشيراً إلى أن قوته الأساسية تكمن في عزل أي محاولة لتقديم الإقليم كدولة مُعترَف بها، وتأكيد أن العالم العربي يقف خلف وحدة الصومال.

وأعربت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، في بيان، الثلاثاء، عن «استنكارها الشديد وإدانتها، بأشدّ العبارات، إقدام إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية على فتح سفارة في مدينة القدس المحتلة».

كانت «أرض الصومال» قد افتتحت سفارة لها في القدس، الاثنين، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقال رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن عرو، عبر حساب ما يسمى «رئاسة أرض الصومال»، إن افتتاح السفارة في القدس سيكون مدخلاً لـ«عصر جديد من الشراكة والتعاون مع دولة إسرائيل».

وأكدت الجامعة العربية، في بيانها، أن «إقامة بعثات دبلوماسية في القدس المحتلة أو الاعتراف بها مقراً للبعثات الأجنبية تمثل تقويضاً للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل على أساس مبدأ حل الدولتين».

ووصفت هذه الخطوة بأنها «مرفوضة شكلاً ومضموناً»، وشددت على أنها تُعد «أحد أوجه ترسيخ الاحتلال غير الشرعي، وتُعد باطلة ومُلغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني»، داعية المجتمع الدولي لتحمُّل مسؤوليته ووقف تلك الإجراءات.

كما أدانت مصر، في بيان لـ«الخارجية»، الثلاثاء، بـ«أشدّ العبارات، افتتاح إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية، ما يسمى منطقة أرض الصومال، سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة»، وعدّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي». وشددت على أن أي خطوات تهدف إلى تغيير وضع القدس القانوني والتاريخي «تُعد باطلة وملغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني».

«دفاع عن وحدة الصومال»

ويلفت المحلل السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر إلى أن وصف «أرض الصومال» بـ«إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية» يعكس تمسك الجامعة العربية بالاعتراف بوحدة الصومال وسيادته ورفض أي اعتراف بانفصال الإقليم.

واستطرد قائلاً إن الرفض العربي «يُعد انتصاراً دبلوماسياً للحكومة الصومالية؛ لأنه يجدد التأكيد العربي بوحدة أراضي الصومال، ويرفض التعامل مع الإقليم كدولة مستقلة».

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال افتتاح سفارة بالقدس المحتلة (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

وفي 24 مايو (أيار) الماضي، أصدر وزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية والسلطة الوطنية الفلسطينية بياناً مشتركاً أدانوا فيه إقدام الإقليم الانفصالي على افتتاح «سفارة» بمدينة القدس.

وشملت الدول الرافضة تلك الخطوة كلاً من السعودية، ومصر، وقطر، والأردن، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وجيبوتي، والصومال، والسلطة الفلسطينية، وسلطنة عُمان، والسودان، واليمن، ولبنان، وموريتانيا.

وكانت إسرائيل قد عمَّقت وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر ديسمبر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً إلى الإعلان في مايو قرب تبادل افتتاح السفارات، وفق بيانات وتصريحات رسمية بالجانبين.

وعيّنت إسرائيل في أبريل مايكل لوتم أول سفير لها في «أرض الصومال»، وذلك بعدما أعلن الإقليم الانفصالي، في فبراير (شباط) تعيين محمد حاجي سفيراً له لدى إسرائيل.

«خط دفاع دبلوماسي»

وقال المحلل السياسي الصومالي أبشر إن ذلك الرفض العربي ليس مجرد تعبير عن التضامن، «بل هو ورقة دبلوماسية مهمة للصومال في صراع الشرعية الدولية»، لكنه أشار إلى أن قيمته الحقيقية «ستُقاس بما إذا تحوّل إلى تحرك دبلوماسي جماعي طويل الأمد داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والعلاقات الثنائية مع الدول المؤثرة».

وأضاف: «البيانات وحدها نادراً ما تحسم قضايا الانفصال، بينما التحالفات والضغوط المستمرة قد تؤثر، بشكل كبير، في مسارها».

وأكد أنه «عندما تتلاقى الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) والشرعية الإقليمية الأفريقية (الاتحاد الأفريقي) والدعم السياسي العربي (جامعة الدول العربية)، فإن ذلك يخلق جبهة دبلوماسية واسعة ترفع الكلفة السياسية لأي دولة قد تفكر في الاعتراف بـ(أرض الصومال) أو إقامة علاقات رسمية معها».

وخلص إلى أن الموقف العربي «يشكل خط دفاع دبلوماسياً مهماً للصومال، لكنه ليس نهاية المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ والممرات البحرية في المنطقة».


خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

أصبحت البطالة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية واحدة من أكثر الأزمات بين أوساط الشباب، خصوصاً خريجي الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية الذين يجدون أنفسهم بعد سنوات من الدراسة أمام واقع اقتصادي مأزوم وسوق عمل عاجز عن استيعابهم.

ومع تزايد أعداد الخريجين سنوياً، تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، في وقت يشهد فيه النشاط الاقتصادي انكماشاً مستمراً نتيجة تداعيات الصراع وتراجع الاستثمارات وإغلاق عدد من المؤسسات والمنشآت الاقتصادية؛ الأمر الذي جعل الحصول على وظيفة مستقرة هدفاً بعيد المنال بالنسبة لكثير من الشباب.

وحسب مصادر تعليمية يمنية، فإن الجامعات والمعاهد الحكومية والأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين تواصل تخريج آلاف الطلاب سنوياً في مختلف التخصصات، غير أن سوق العمل المحلية لا تمتلك القدرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة؛ ما يدفع أعداداً كبيرة من الخريجين إلى القبول بأعمال مؤقتة أو مهن لا ترتبط بتخصصاتهم العلمية، في حين يختار آخرون الهجرة إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية أو إلى خارج البلاد بحثاً عن فرص أفضل.

ويؤكد خريجون أن سنوات طويلة من البحث عن وظائف مناسبة لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة، في ظل محدودية الفرص المتاحة وتراجع التوظيف في المؤسسات العامة والخاصة، على حد سواء.

أطفال يمنيون يجلبون مياه الشرب في أحد أحياء صنعاء (الشرق الأوسط)

ويقول محمود (27 عاماً)، وهو خريج هندسة معمارية من صنعاء، إنه أمضى ما يقارب ثلاث سنوات في البحث عن وظيفة مستقرة دون أن ينجح في ذلك، رغم تقدمه بطلبات توظيف إلى جهات حكومية عدة.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الوظائف المتاحة في بعض المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين باتت تخضع منذ سنوات لمعايير وإجراءات يراها كثيرون بعيدة عن الكفاءة المهنية؛ وهو ما جعل فرص حصول الخريجين على وظائف تتراجع بصورة كبيرة.

ويضيف أن الحصول على فرصة عمل مناسبة أصبح بالنسبة لكثير من الشباب حلماً يصعب تحقيقه، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وتقلص النشاط العمراني والاستثماري الذي كان يوفر فرصاً لخريجي التخصصات الهندسية.

مهن اضطرارية

أما سليمان (25 عاماً)، وهو خريج أحد المعاهد الفنية في ضواحي صنعاء، فيقول إن البطالة أجبرته على العمل في مهن يومية متفرقة لا تمت بصلة إلى المجال الذي درسه لسنوات.

ويشير إلى أنه كان يأمل في توظيف المهارات التي اكتسبها خلال فترة دراسته في عمل مهني يحقق له الاستقرار، إلا أن غياب الفرص المناسبة دفعه إلى القبول بأي عمل يضمن له الحد الأدنى من الدخل لتغطية احتياجاته المعيشية.

وتروي إحدى خريجات المحاسبة، تجربة مشابهة، مؤكدة أن سنوات الانتظار الطويلة للحصول على وظيفة دفعتها إلى تأجيل كثير من مشاريعها الشخصية والمهنية.

وقالت إنها كانت تتطلع إلى بناء مسار وظيفي واضح بعد التخرج، غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص التوظيف جعلتها عاجزة عن تحقيق تلك الطموحات، مضيفة أن حالة الانتظار المستمرة أصبحت جزءاً من حياتها اليومية.

معلمة بصنعاء توجهت للعمل في مهنة أخرى لإطعام أطفالها (الشرق الأوسط)

وتعكس البيانات الدولية حجم الأزمة التي يواجهها الشباب اليمني في سوق العمل. فوفقاً لتقارير دولية حديثة، بلغ معدل بطالة الشباب في اليمن أكثر من 32 في المائة خلال عام 2024، في حين تجاوز معدل البطالة العام 17 في المائة؛ ما يشير إلى اتساع الفجوة بين أعداد الداخلين إلى سوق العمل والفرص المتاحة.

وتؤكد تقارير أممية أن الشباب يمثلون قرابة ثلث سكان اليمن؛ الأمر الذي يجعل قضية التوظيف واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على مستقبل البلاد واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

آثار تتجاوز الجانب المعيشي

ولا تتوقف آثار البطالة في اليمن عند الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية متزايدة التأثير.

ويقول مختصون اجتماعيون إن فترات الانتظار الطويلة بعد التخرج، وعدم القدرة على تحقيق الاستقلال المالي، تولد لدى كثير من الشباب مشاعر الإحباط والقلق وفقدان الثقة بالمستقبل.

كما تسهم البطالة المزمنة في زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى الخريجين الذين يشعرون بأن سنوات الدراسة والجهد لم تنعكس على واقعهم المعيشي أو المهني.

ويشير المختصون إلى أن الضغوط الاقتصادية المتواصلة تدفع كثيراً من الشباب إلى الشعور بالعجز أمام متطلبات الحياة الأساسية؛ وهو ما ينعكس سلباً على علاقاتهم الأسرية والاجتماعية ويزيد من حدة التوتر داخل المجتمع.

خريج جامعي يعمل في بيع الملابس بإحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

ومن أبرز النتائج الاجتماعية المترتبة على البطالة، وفق مراقبين، ارتفاع معدلات تأخر الزواج بين الشباب.

ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على دخل ثابت، يجد كثير من الخريجين أنفسهم غير قادرين على الإقدام على خطوة الزواج أو تحمّل المسؤوليات المالية المرتبطة بتأسيس أسرة.

وفي المقابل، تتزايد رغبة الشباب في الهجرة إلى مناطق أخرى داخل اليمن أو إلى الخارج؛ بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً، وهو ما يفاقم من ظاهرة نزيف الكفاءات البشرية التي تحتاج إليها البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية المستقبلية.


اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
TT

اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)

تواجه الجماعة الحوثية اتهامات بتوزيع مساعدات غذائية غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو قاربت صلاحيتها الانتهاء على آلاف الأسر الفقيرة والنازحة في مناطق سيطرتها، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن سلامة المستفيدين من المعونات الإنسانية في بلد يعاني إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

وتقول مصادر مطلعة إن الجماعة وزعت خلال الأسابيع الأخيرة، عبر ما تُسمى «هيئة الزكاة»، كميات من المواد الغذائية شملت القمح وزيت الطهو ومنتجات أخرى على أسر محتاجة في صنعاء وذمار وإب ومناطق أخرى، قبل أن تتكشف شكاوى متصاعدة بشأن جودة تلك المواد وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

ووفق المصادر، فقد اكتشف عدد من المستفيدين وجود علامات تلف في جزء من كميات القمح التي تسلموها، في حين تحدث آخرون عن تعرض أطفال ونساء لأعراض صحية بعد استهلاك منتجات غذائية يشتبه في فسادها أو عدم مطابقتها معايير السلامة.

طفلة يمنية قرب إحدى الجمعيات الخيرية التي توزع الغذاء في صنعاء (الشرق الأوسط)

ويؤكد عامل في المجال الإغاثي بصنعاء أن الشكاوى المتعلقة بجودة بعض المساعدات الغذائية تكررت خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الأمر «يتطلب رقابة أشد صرامة على عمليات التخزين والنقل والتوزيع، بما يضمن وصول المساعدات للمستحقين وفق المعايير الإنسانية المعتمدة».

وتتزامن هذه الاتهامات مع انتقادات متكررة وجهها ناشطون حقوقيون للجماعة الحوثية بشأن إدارة المساعدات الإنسانية، متهمين إياها بحرمان آلاف المحتاجين من الإغاثة عبر الاحتفاظ بكميات كبيرة من المعونات في مخازن تابعة لها لفترات طويلة؛ مما يؤدي إلى تلفها أو تراجع جودتها قبل توزيعها.

سوء تخزين وفساد إداري

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن بعض المسؤولين في «هيئة الزكاة» الحوثية أقدموا على شراء شحنة من القمح من أحد التجار المقربين من الجماعة رغم وجود مؤشرات مسبقة على تضرر أجزاء منها نتيجة الرطوبة وسوء التخزين خلال النقل البحري، مما انعكس على جودة الكميات الموزعة لاحقاً.

ويرى هؤلاء أن توزيع أغذية منتهية الصلاحية أو متضررة يشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق المدنيين، لا سيما الفئات الأشد ضعفاً التي تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها اليومية.

كما دعوا إلى فتح تحقيقات مستقلة في ملابسات توزيع تلك المواد، ومحاسبة المتورطين في حال ثبوت المخالفات، مع وضع آليات تضمن عدم تكرار هذه الممارسات مستقبلاً.

وأثارت هذه الاتهامات حالة من القلق والاستياء بين أوساط المستفيدين الذين أكدوا أنهم يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب مصادر دخل مستقرة.

الحوثيون يسخرون غالبية المساعدات الإنسانية لأتباعهم (الشرق الأوسط)

ويقول خالد، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إنه فوجئ بعد تسلمه سلة غذائية من فرع «هيئة الزكاة» الحوثية في مديرية معين بوجود مواد غذائية تحمل تواريخ صلاحية منتهية منذ أشهر عدة.

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار آخر، فأنا أعتمد على هذه المساعدات لإطعام أسرتي، لكنني اكتشفت أن بعضها لم يعد صالحاً للاستهلاك».

وفي محافظة إب، أكدت أم محمد، وهي أم لـ5 أطفال، أن أسرتها اضطرت إلى التخلص من جزء من المواد الغذائية التي تسلمتها بعد ملاحظة تغيرات واضحة في اللون والرائحة، مشيرة إلى أن انتظار المساعدات يتحول صدمةً عندما يكتشف المستفيدون أن بعض محتوياتها تالفة.

أما في محافظة ذمار، فأفاد أحد المستفيدين بأن عدداً من الأسر اشتكى من رداءة بعض المواد الموزعة، موضحاً أن البلاغات التي قُدمت للجهات التابعة للجماعة لم تلقَ استجابة واضحة أو معالجة فورية للمشكلة.

نمط متكرر

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه الحوادث تعكس اختلالات أوسع في منظومة إدارة المساعدات الإنسانية بمناطق سيطرة الحوثيين، حيث سبق أن أثيرت اتهامات باحتجاز شحنات إغاثية فترات طويلة أو التلاعب بعمليات التوزيع؛ الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى تلف المواد الغذائية قبل وصولها إلى مستحقيها.

وكانت الجماعة قد أعدمت خلال سنوات سابقة كميات كبيرة من المساعدات الغذائية، خصوصاً القمح المقدم من منظمات دولية، بعد تعرضها للتلف نتيجة سوء التخزين وتأخر توزيعها، وفق ما وثقته تقارير وشهادات محلية.

إتلاف أغذية في صنعاء انتهت صلاحيتها نتيجة سوء التخزين (الشرق الأوسط)

ويحذر خبراء في الشأن الإنساني بأن أي تلاعب في المساعدات أو سوء إدارتها يضاعفان من معاناة ملايين اليمنيين الذين يواجهون أوضاعاً اقتصادية متدهورة ومستويات متصاعدة من انعدام الأمن الغذائي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه التحذيرات الدولية من استمرار تدهور الوضع الإنساني في اليمن، مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإغاثية بصفتها المصدر الرئيسي لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

ويؤكد خبراء أن الحفاظ على سلامة المساعدات الإنسانية وجودتها يمثل ضرورة ملحة لا تحتمل الإهمال أو التسييس، «خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر والنزوح وتراجع القدرة الشرائية لمعظم الأسر اليمنية؛ الأمر الذي يجعل أي خلل في إدارة المعونات تهديداً مباشراً لحياة الفئات الأعلى هشاشة».