مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

استضاف كتّاباً من 30 دولة... وأبرز منجزاته جيل جديد يقرأ

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
TT

مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني

أنهى مهرجان الإمارات للآداب في دبي مساء السبت الماضي 11 مارس (آذار) الحالي، أعماله التي بدأت في الثالث من الشهر الحالي، بحفل ختامي على مستويين، حضره عدد كبير من المشاركين، الذين تجاوز عددهم 180، بين كاتب، وروائي، وفنان تشكيلي، ومذيع، ومقدم برامج، قدم عدد منهم «رسائل حب إلى الإمارات» في هذه المناسبة، فيما قدمت مديرة المهرجان إيزابيل أبو الهول، كلمة الاختتام التي كانت الأكثر أهمية، بتلخيصها الحماسي المؤثر لتجربة سنوات من العمل لرفع مستوى المهرجان على كل المستويات. وبالفعل حقق المهرجان السنوي في ختام أعماله، طموح الجهات القائمة عليه، في أن يكون الأضخم والأكثر تنظيما وفعالية، بين ما يقام من مهرجانات أدبية على امتداد الساحة العربية. وكانت لافتة مشاركة فريق عمل إداري كبير، اعتمد على جهود مئات المتطوعين الذين شكلوا القوة التنفيذية الأكثر نشاطا، وأظهروا مستوى من التنظيم بلغ درجة عالية من الدقة والرقي، بدءا من استقبال المدعوين، وتنظيم الندوات وورشات العمل، ومسابقات القراءة، وزيارات الأطفال وتلاميذ المدارس والجامعيين، والأجنحة الخاصة بعرض الكتب وبيعها، وحفلات التوقيع، والخدمات الإعلامية، وتأمين اللقاءات الصحافية، وإدارة البرامج وتأمين النشرات الخاصة بالمهرجان، والرحلات والزيارات الخارجية، انتهاء بالحفل الختامي وتأمين عودة الضيوف بانطباعات تليق بدورة المهرجان هذا العام، الذي زينه أيضا، وجود عدد كبير من مضيفات شركة طيران الإمارات، الراعي الرئيسي للمهرجان، بالشراكة مع «دبي للثقافة». يذكر أن المهرجان يقام سنويا تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء.
على المستوى الثاني للاحتفال، انتقل المدعوون إلى حفل عشاء ترفيهي امتد حتى العاشرة والنصف. قبيل مغادرتي قاعة الاحتفال، اقتربت من السيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، فيما كانت تنهي حوارا مع الشاعر الفلسطيني، مريد البرغوثي، صاحب «رأيت رام الله»، و«ولدت هنا ولدت هناك»، وقلت لها: «كنت ضيفا على المهرجان قبل خمس سنوات، بدا لي كل شيء مختلفا هذا العام».
ردت بكلام كنت سأضيفه: «تقصد حفلات توقيع الكتب».
نعم. قبل خمسة أعوام، ترددت في الجلوس إلى الطاولة المخصصة لي لتوقيع روايتي «السيدة من تل أبيب». في الواقع شعرت بكثير من الخجل والإحراج. لم يكن ينتظر توقيعي وقتها، سوى عدد محدود من القراء، وقعت لهم وابتعدت. كانت طوابير الشباب الذين يحملون مؤلفات كتابهم المفضلين من غير العرب، تمتد من طاولات التوقيع حتى المدخل الزجاجي البعيد للفندق. كانت أعدادهم بالمئات. في مهرجان هذا العام، تغير كل شيء».
علقت مجاملة: «وجود كتاب من أمثالكم هو ما أحدث هذا التغيير. نحن من جانبنا بذلنا كل الجهد خلال السنوات الخمس الماضية لتغيير هذا الواقع. لقد نجحنا في خلق عدد كبير من مجموعات القراءة بين شباب الإمارات، خصوصا الفتيات الجامعيات، وطلاب المدارس، الذين بات لهم كتابهم العرب أيضا».
كان ما قالته إيزابيل واقعيا تماما، إذ تحقق لي شخصيا، ما كان للكتاب الأجانب. امتد طابور من ينتظرون توقيع روايتي «مصائر» و«السيدة من تل أبيب»، إلى أبعد مما حلمت به قبل حضوري. بل كان الحضور يتجدد خلال أكثر من ساعة من الوقت. وتكرر ذلك في حفلات توقيع مريد البرغوثي، والروائية الكويتية بثينة العيسى، وعدد آخر من الروائيين العرب، بنسب متفاوتة.
وكانت أبو الهول قالت قبل بدء المهرجان إن «الكتب تسمح لنا بارتياد العالم، والذهاب أبعد من محيطنا (...) إنها هدية تجعلنا نفهم الثقافات والمجتمعات الأخرى، ما يساعدنا أن نصبح مجتمعا متناغما منسجما. هذه هي رؤية المؤسسة، الهيئة المسؤولة عن المهرجان، التي تستمد رؤيتها من تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة، وتسعى لترجمتها على أرض الواقع، من خلال الفعاليات على مدار العام، والمهرجان على وجه الخصوص (...) شعارنا هو السعادة والتسامح والتنوع والسلام - وكل هذه القيم تعززها الكتب وتنميها في نفوسنا، وتبذر بذور نفعها في عقولنا. لقد اخترنا مجموعة استثنائية من الكتّاب من أكثر من 30 جنسية، ممن يعلون من شأن القيم الإنسانية المنشودة، ويدافعون عنها، ونأمل أن يشجع المهرجان الرائع هذا العام الجماهير على قراءة الكتب، وأن يساعد على غرس محبة المطالعة في نفوسهم».
المهرجان أقيم، كما في كل عام، في شهر القراءة، وتميز بحضور أكثر من 180 كاتبا، بينهم 90 يشاركون للمرة الأولى، وبموضوعه الرئيسي «الرحلات»، (على سبيل المثال: رحلة المراسلة كريستينا لاوب، واللاجئة السورية نوجين مصطفى في رحلة 4 آلاف ميل من سوريا إلى المجر على كرسي متحرك، وتجارب عبد الله جمعة في دول أميركا الجنوبية).
من بين المشاركين العام الحالي، الباكستانية الأميركية سنا أمانات، التي أسهمت في ابتكار شخصية البطلة المسلمة كامالا خان، ضمن سلسلة السيدة مارفل، ونادية حسين، الفائزة ببرنامج المخبوزات البريطانية عام 2015. والبريطانية سارة ماكنتاير، صاحبة «فيرن والخس»، و«سمك القرش في الحمّام»، و«شرطة الديناصورات» وغيرها، ومبتكر مسلسل الرسوم المتحركة «فريج»، الإماراتي محمد سعيد حارب، وكاتبة أدب الجريمة كاثي ريشز، ومقدم برامج التلفزيون آلان تشيتشمارش، والكاتب البريطاني جيفري آرتشر، وفرانشيسكا سايمون.
حضور الروائيين والكتاب العرب، اقتصر على الفلسطينيين مريد البرغوثي وابنه الشاعر تميم، والدكتور عز الدين أبو العيش (الملقب بمارتن لوثر كينغ الشرق الأوسط)، صاحب كتاب «لن أكره أبدا» الذي قتلت بناته الثلاث في الحرب الإسرائيلية على غزة (عملية الرصاص المصبوب)، والكاتبة هدى الشوا صاحبة «كشف الأسرار»، و«رحلة الطيور إلى جبل قاف»، وغيرهما، التي أظهرت قدرات متميزة في إدارة الحوار كما في ندوة تناولت أدب الناشئة، شارك فيها الروائي المصري إبراهيم فرغلي، الذي تحدث عن «مصاصو الحبر»، والبريطانيان فرنسيس هاردينغ وفيليب ريف. ومن بين المشاركين العرب أيضا، المصريون منصورة عز الدين، ومحمد ربيع، وأحمد خالد توفيق، والسعوديان بدرية البشر ومنذر القباني، والسودانية الأصل، ليلى أبو العلا، وياسمينة خضرا (اسم مستعار للجزائري الأصل محمد مولسهول) الذي يكتب بالفرنسية، بالإضافة إلى كاتب هذه السطور.
لكن حضور هذا العدد المحدود انعكس بقوة خلال النشاطات التي شارك بها؛ إذ خصصت لكل من هؤلاء ندوة ومشاركة أو مشاركتين مع آخرين من جنسيات مختلفة، ما حقق قدرا من التآلف وأغنى الحوار بين كتاب ينتمنون إلى جنسيات وثقافات مختلفة، وحيث توفرت ترجمات مباشرة لكل النشاطات.
غير أن المشهد الأكثر تأثيرا في أنشطة المهرجان الأدبي كان «الغزو الثقافي» الجميل لطلاب المدارس، إذ حضر آلاف منهم إلى المهرجان، حاملين اختياراتهم من الكتب، وحصلوا على تواقيع كتابهم المفضلين. كان مشهد طوابير الأطفال ينتظمون في صفوف طويلة من أكثر مشاهد المهرجان إثارة للفرح، وكانت أصواتهم تشي بانفعالاتهم الجميلة.
على لوحة جانبية، على مقربة من طابور التوقيعات ألصق الكثير من الفتيات الصغار وطالبات الجامعة قصاصات تشرح، بالإنجليزية، تلك الانفعالات: «كان المهرجان مدهشا». و«شكرا لمن وفر لي لقاء سارة ماكنتري». و«سعيدة بأنني هنا». و«المهرجان أضاء قلبي».
سألت عددا من الطالبات الجامعيات: لماذا تكتبن ملاحظاتكن بالإنجليزية؟ تباينت الإجابات التي غلفها عتاب ذاتي خجول، خصوصا أن بعضهن كان يحمل روايات لبثينة العيسى ولمنصورة عز الدين. في النهاية، حصلت على إجابة متفق عليها: بالإنجليزية سيقرأ الجميع ملاحظاتنا، أما بالعربية فسيقتصر ذلك على القراء العرب في مدينة أغلب سكانها من الأجانب.
من الأمور اللافتة أيضا، وهي كثيرة، حضور الفنانة العمانية ابتهاج الحارثي، التي كانت تساعد الأطفال على سرد قصص يرسمونها ويلونونها ويخرجون بحكايات مصورة.
في يومه قبل الأخير، جرت مناقشة لكتاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «تأملات في السعادة والإيجابية».
مهرجان العام الحالي، كان «رحلة ثقافية أدبية لا تنسى، مع الكثير من محاور النقاش، والجلسات، والمناظرات القيّمة، والأمسيات الشعرية، وعروض الأداء، وورشات العمل وجلسات الخبراء».



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.