الرواية بين نزع الأساطير والإبحار في عالم صوفي

الفعالية الثقافية الأولى لمعرض الرياض الدولي للكتاب

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
TT

الرواية بين نزع الأساطير والإبحار في عالم صوفي

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب

في الفعالية الثقافية الأولى لمعرض الرياض الدولي للكتاب، شارك الروائي الإريتري حجي جابر، الذي قدم من قبل ثلاثة أعمال روائية هي: «سمراويت» - 2012. و«مرسى فاطمة» - 2013 (طُبعت أربع مرات ويجري ترجمتها للغة الإيطالية)، و«لعبة المغزل» - 2015، التي وصلت القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، كما شاركت الدكتورة هيفاء الفريح، التي تعمل كأستاذ مساعد في قسم الأدب، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، في الندوة بورقة عنوانها: «الشخصية الصوفية في نماذج من الخطاب الروائي المعاصر»، وهي كاتبة وقاصة نشرت الكثير من قصصها القصيرة والقصيرة جداً في بعض الصحف المحلية وبعض المجلات الأدبية. صدر لها عن المركز الثقافي العربي كتاب بعنوان: (تقنيات الوصف في القصة القصيرة السعودية)، ولها قيد الطبع مجموعة قصصية بعنوان: (قدر)، وقصة للناشئة بعنوان: (حكاية قارئ).
وتغيب (لظرف صحي) الروائي السعودي عبده خال.
أدارت الندوة الروائية والكاتبة السعودية رحاب أبو زيد، التي قالت في مقدمتها للندوة، إن «المعرض يمتلأ بالروايات والقصص والإصدارات العتيقة والحديثة، وقد قيل إن الألم مبراة للقلم الحر الجاد في الكتابة، ففسد الكثيرون مع قليل من الاستثناءات والكثير من التحديات أمام من بقوا صامدين بوجه التحولات الخطيرة التي مرت بها الآيديولوجيات والمفاهيم والقيمة خلف القضبان... بتهمة الشفافية، القيمة في عمل ما هي المجد للروائي الجاد والظفر للقارئ الحصيف»...
وتساءلت: في البدء لماذا كانت الرواية ولماذا هي الفن المستمر والدائم في كل الأزمان والأماكن، لعشق الناس للحكايات علاقة بقصص الجدّات منذ عبق سني الطفولة الأولي، إلاّ أن هذا العشق لا يفتأ يكبر مع ثرثرات المارة ونميمة الأشجار عن بعضها البعض، بل وتكبر معنا في أحاديثنا السرية كلما أطلنا البحلقة في الجدران والمرايا...
* ‏أساطير حول الرواية
في ورقته بعنوان «‏أساطير حول الرواية»، يقول حجي جابر: برأيي أن ثمة أساطير، وليكن عددها عشراً، تحيط بالرواية كتابة ونشراً وتلقياً من قبل القراء قد يفاجأ بها من يخوض مجال الكتابة للمرة الأولى. وهو ربما أكثر من يحتاج للتفكير فيها واستحضارها قبل أي شيء.
سأقوم بإيراد هذه الأساطير بشكل متتال. ولكني قبل ذلك بحاجة للتأكيد على صعوبة التعميم هنا بطبيعة الحال، فالاستثناء حاضر ووجهات النظر المخالفة مرحب بها بكل تأكيد.
أولى هذه الأساطير هي «الوقت المناسب للكتابة»، وهنا أقصد أن يتأخر الواحد في كتابة روايته انتظاراً للحظة غير معلومة على وجه الدقة يعتقد أنه يكون فيها قد بلغ الجاهزية الكاملة. هذه اللحظة المناسبة قد لا تأتي إلى الأبد، فالوقت المناسب دائماً هو الآن. ولعل أحد أسباب هذا الانتظار هو الحرص على الاقتراب من الأعمال العظيمة التي يقرأها الشخص في حياته ويستصعب أن يأتي بنصوص دونها في الجودة. لكن يفوته هنا أنّ غالب أصحاب هذه الأعمال لم يبدأوا من القمة إذ لا قمة في الكتابة إنما هي مشوار طويل يبدأ ويتدرج في التطور.
الأسطورة الثانية هي «الإلهام»، وهي حيلة أخرى لتجنّب الكتابة ورهقها برهنها للمزاج وتقلباته، بينما يجدر بالكاتب أن يملك مشروعاً ويلتزم ويتفانى في إنجازه بعيداً عن تلك التقلبات. وهنا من المهم أن نورد مقولة ماركيز الذي يعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه إلهام، وأن الأمر يقتصر على مجرد الجلوس والكتابة. نعم هكذا بكل بساطة يقول ماركيز أجلس واكتب دون الالتفات لفكرة واهمة هي ضرورة انتظار الإلهام والبقاء تحت رحمته.
الأسطورة الثالثة تقول: «إن الموهبة وحدها تكفي». الموهبة قد تصنع رواية أولى، لكنها لا تضمن بناء مشروع. لا تضمن الاستمرار. رحلة الكتابة بحاجة إلى حفر واشتغال وتعلّم وتمرين. هي نجارة كما يقول ماركيز. على الكاتب أن يسابق قارئه، وألا يتخلى عن فكرة إدهاشه... وهذه أمور لا تضمنها الموهبة وحدها.
الأسطورة الرابعة التي تحيط بعالم الرواية وكتابتها هي «بلوغ ذروة التجويد»، وهنا ينبغي أن يعرف كل مقبل على الكتابة أن عملية مراجعة النص وتجويده لن تصل إلى نهاية أبداً، وأننا سندفع بالكتاب إلى المطبعة دون بلوغه تلك الذروة.
الأسطورة الخامسة هي أن «الكتاب يشقّ طريقه وحيداً» هناك من يتشبث بالفعل بهذه الفكرة. تنتهي علاقته بكتابه بمجرد صدوره، لا يأتي على ذكره، لا يتحمّس للنقاشات حوله. هو يتمنى نجاح العمل... هذا صحيح، لكنه في المقابل يرفض فكرة السوق، وأن الكتاب سلعة خاضعة لتلك الفكرة.
الأسطورة السادسة هي أن «الناشر سيوصل كتابك لكل قارئ». لنتخيّل هنا السيناريو التالي: سيقرأ الناشر الكتاب وهو بالضرورة على تماس حقيقي بالأدب، سيعيده إليك في زمن معقول مع عدد من الملاحظات الجوهرية ليأخذ موافقتك قبل أن يدفع به إلى محرر الدار الذي سيغربل الكتاب ليخرجه في صورة مثالية. بعد ذلك ستجد حملة ترويج كبيرة، سيقام لك حفل تدشين، وستجد اسمك في وسائل إعلام مختلفة. والأهم أنه لن تجد مكتبة ليس فيها هذا الكتاب.
الأسطورة السابعة وهي أن «الناقد سينتشلك من العَتمة» سيخرج الناقد من بيته إلى جنوب المدينة، وهناك وفي شارع فرعي سيوقف سيارته ليمشي في شارع أصغر لا يسع السيارة. سيجد مكتبة صغيرة بالكاد ينتبه لها المارة. لن يتضايق من الكتب المبعثرة، ولا من الغبار. سيتجه من فوره إلى آخر الممر وكأنه يتبع خريطة الكنز... سيجثو على ركبتيه ليلتقط كتابك المدفون في الرف الأخير. سيزيل عنه الغبار ويقرأه ثم يقدمك إلى العالم كاكتشاف أصيل.
الأسطورة الثامنة هي أن «الاعتراف يحدث بمجرد صدور عملك» وأقصد بالاعتراف هنا أن تجد نفسك تلقائياً قد انخرطت في عالم الروائيين فتدعى إلى المؤتمرات ومعارض الكتب ويصبح الاسم متداولا... الاعتراف غالباً لن يحدث مع كتابك الأول... ولا العاشر بالمناسبة. هو يحدث حين تحصل على جائزة.
الأسطورة التاسعة... تتعلّق بالقارئ، ففي غياب الاعتراف الذي غاب بدوره لأن الناقد الذي تعرفون لم يخرج من بيته إلى جنوب المدينة... ربما تعتقد أن القارئ وحده سيجسر الهوة ويصل إليك. هذا لا يحدث في الغالب.
الأسطورة العاشرة أنك «ستغتني من عوائد كتابك». هذا لن يحدث غالباً. الأمر هنا لا علاقة له بطبيعة عقدك مع الناشر، ولا بضعف القدرة الشرائية في بلدك، ولا بانصراف القراء إلى أمور أخرى ولا بقرصنة الكتب. الأمر يتعلق بالدرجة الأولى في أنك ستكون قادراً على معرفة شيفرة المفاعلات النووية في كوريا الشمالية، وفي فك لغز وفاة الليدي ديانا، وفي فهم الطريقة التي ارتقى فيها ماجد عبد الله عاليا جدا جدا وأحرز هدفه الشهير بالرأس في الهلال. لكنك في المقابل، لن تكون قادراً على معرفة كم طبع الناشر من كتابك بالفعل!
* الشخصية الصوفية
في ورقتها بعنوان: «الشخصية الصوفية في نماذج من الخطاب الروائي المعاصر»، تقول الدكتورة الفريح: أحاول من خلال هذه الورقة أن أفهم سرّ هذا التهافت عبر بضاعتي (السرد)، لا سيما أن الروائيين التفتوا إلى تلك الشخصيات ببعثها من مرقدها وجعلها الشخصية الرئيسية في رواياتهم؛ الأمر الذي زاد من شغفي في السعي لمعرفة سر إحياء تلك الشخصيات في الأدب خاصة، وترديد مقولاتها في مواقع التواصل الاجتماعي عامة.
وهذا الأمر ليس خاصاً بعالمنا العربي، فجلال الدين الرومي وصفته الـ«بي بي سي» سنة 2007 بأكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وإعادة ترجمة المثنوي إلى لغات عدة يثبت ذلك الاهتمام. ومع شهرة إليف شافاق الروائية التركية، وتأليفها لروايات عدة؛ فإن أكثر رواياتها مبيعاً رواية «قواعد العشق الأربعون».
وتضيف: لا يفوتني التنويه على أني لا أتحدث عن الخطاب الصوفي في الرواية؛ فذلك الخطاب عرف منذ زمن عند الفرنسي جيلبرت سيونيه في «اللوح الأزرق»، وعند نجيب محفوظ في بعض رواياته كـ«رحلة ابن فطومة» 1983. والطاهر وطار في «الحوات والقصر» وجمال الغيطاني في «كتاب التجليات». واستمر في الأدب المعاصر كـ«عرس الزين» للطيب صالح، «سيدي وحدانة» و«مسرى يارقيب» لرجاء عالم. و«مجنون الحكم» لسالم بن حميش، و«منافي الرب» لأشرف الخمايسي، و«ممالك تحت الأرض» لعبد الواحد الأنصاري، و«شوق الدرويش» لحمور زيادة، و«سيدي براني» لمحمد صلاح العزب، و«الظل الأبيض» لعادل خزام.
وتشير إلى أن ورقتها لا تبحث في الخطاب الصوفي الذي طُرق مرارا. إنما تركز على الشخصية الصوفية بوصفها الشخصية الرئيسة التي تقوم الرواية عليها. ولأن وقت الورقة قصير فقد حصرت المدونة على ثلاثة نماذج لروائيين متنوعي الأقطار وعن شخصيات صوفية مختلفة:
الرواية الأولى عالمية: «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية «إليف شافاق»، وعن شخصيتين صوفيتين هما: جلال الدين الرومي وشمس التبريزي،
الرواية الثانية عربية: «الجنيد: ألم المعرفة» للكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة، وهي عن شخصية الجنيد البغدادي.
الرواية الثالثة: محلية «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، وهي عن شخصية ابن عربي.
هذا التوجه المحموم من قبل العالم نحو الصوفية برموزها نحاول فهمه ومن ثم نرى إلى أي مدى أسهمت الرواية في تعزيز ذلك التوجه.
وتلخصت محاور ورقتها في ثلاثة محاور: الشخصية الصوفية بين الخطابين التاريخي والتخيلي. والرموز الصوفية في ملامح الشخصية. وخصائص خطاب التصوف.
وفي ختام الورقة تتساءل: لماذا بعثت الشخصيات الصوفية من مرقدها؟ لتجيب بأن الأدب لا يعود إلى الماضي إلا لكي يطرح أسئلة الحاضر.
وتشرح ذلك قائلة: لقد شهد القرن الثالث الهجري فتنا عدة منها السياسي: كفتنة القرامطة، ومنها الثقافي كفتنة خلق القرآن، ومثله القرن السابع الهجري حيث النزاعات السياسية بالدويلات الإسلامية المتفرقة ففي بغداد الخلافة العباسية، وفي الأندلس الموحدون والمرابطون، والدولة الأيوبية في مصر والشام، والسلاجقة في تركيا. وفي الغرب احتل الصليبيون القسطنطينية وهم في طريقهم لاحتلال القدس، وفي الشرق انتشرت جيوش المغول. والمسيحيون كانوا يقاتلون المسيحيين والمسلمون يقاتلون المسيحيين ويتقاتلون فيما بينهم. ومثل القرنين السابقين قرننا هذا الذي يشهد حروبا سياسية طاحنة، كم مضى على الحرب في سوريا؟! متى تهدأ الصراعات بين السنة والشيعة في العراق وغيرها؟! أي دين أتاح لـ«داعش» حثهم قتل الابن لأبيه والجار لجاره؟...
لتختم بالقول: أليس في العودة تلك الشخصيات (الصوفية) الداعية إلى الحب، وإلى السلام دعوة مبطنة من الأدباء إلى أن نحيي معها الإنسان المحب للسلام في دواخلنا؟



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.