حديث الروس عن «الإرهاب» يربك «جنيف 4»

مصادر غربية نقلت عن دي ميستورا وصفه لاجتماعه مع الجعفري بأنه «صدامي»

طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)
طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)
TT

حديث الروس عن «الإرهاب» يربك «جنيف 4»

طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)
طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)

رمى نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف الذي كان أمس محور الاتصالات واللقاءات في اليوم السادس من محادثات جنيف، الكرة في ملعب الوسيط الأممي ستيفان دي ميستورا عندما شدد، في تصريحات أدلى بها أمس في «قصر الأمم»، على أن «الإرهاب ومحاربة الإرهاب أولوية يجب أن تكون على جدول الأعمال إلى جانب مواضيع أخرى تم اقتراحها ويتضمنها القرار 2254». وجاءت هذه التصريحات بعد لقائه وفد النظام السوري برئاسة السفير بشار الجعفري في مقر البعثة الروسية في المدينة السويسرية. وبذلك يكون الدبلوماسي الروسي الذي وصل إلى جنيف أول من أمس للمشاركة في دورة لجنة حقوق الإنسان، قد تبنى تماماً موقف الحكومة السورية الذي ما فتئ يطالب بجعل الإرهاب بنداً أول على أجندة المحادثات، خصوصاً بعد العمليات الهجومية التي استهدفت مراكز أمنية في مدينة حمص يوم الجمعة الماضي.
بيد أن للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا رأياً آخر، إذ يرى أن موضوع الإرهاب ووقف النار وإيصال المساعدات الإنسانية من «اختصاصات» اجتماعات آستانة العسكرية التي ترعاها روسيا وتركيا وإيران، بينما جنيف مخصصة للمسائل السياسية وللملفات، أو «السلال» الثلاث التي اقترحها في «الورقة» المقدمة إلى الوفود السورية، معارضة ونظاماً، وهي تخلو من ملف الإرهاب. وسارع المتحدث باسم وفد الهيئة العليا سالم المسلط إلى الرد على الموقف الروسي، بقوله، إن «موضوع الإرهاب لا يحتاج لمفاوضات»، وأن الوفد الحكومي يستغله لـ«المماطلة» وتأخير الوصول إلى جوهر المفاوضات.
ومنذ وصوله إلى جنيف، سرق الوفد الدبلوماسي الروسي الأضواء من المبعوث الأممي، إذ إنه فتح خطوط التواصل مع كل الأطراف السورية والدولية والإقليمية. وكانت باكورة اتصالاته اجتماعاً صباحياً مع وفد الحكومة السورية أتبعه بلقاء مع المبعوث الأممي، واجتماع تنسيقي مسائي مع مسؤول الملف السوري في الخارجية الإيرانية الأنصاري. أما مع وفد الهيئة العليا، فبعد اجتماع أول «تمهيدي» أمس حضره من الجانب الروسي سيرغي فيرشينين، مسؤول دائرة الشرق الأوسط في الخارجية الروسية، ومن جانب الهيئة العليا نصر الحريري، رئيس الوفد، سيعاود الطرفان الاجتماع اليوم وهذه المرة بحضور غاتيلوف. ويريد وفد الهيئة الاستفادة من الاجتماع للتعرف «في العمق» على ما تريده موسكو، وعلى تصورها لما يمكن أن تفضي إليه جولة جنيف الراهنة، حيث بدأ تلمس المخاوف من أن يكون مصير «جنيف4» كمصير الجولات السابقة، إذا ثبت لديها أن موسكو ما زالت تتبنى تماماً مواقف النظام.
وحتى أمس، كانت المعارضة تراهن، في ظل الغياب الأميركي الملحوظ حتى الآن، على «اعتدال» روسي يتظاهر بالضغط على وفد النظام للدخول، أخيراً، في التفاوض على عملية الانتقال السياسي التي جعلها دي ميستورا «عنوانا» رئيسيا للجولة الراهنة. وتندرج تحته البنود الثلاثة الخاصة بالحوكمة والدستور والانتخابات كما فصلها في «الورقة» المقدمة لكل الوفود السورية التي تتضمن كذلك «مدونة سلوك» يتعين الالتزام بها بين الأطراف. وتريد المعارضة كذلك، من موسكو تثبيت وقف النار الذي تهاوى أكثر فأكثر، وتنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها لوفد المعارضة العسكري الذي شارك في اجتماعي آستانة وإيصال المساعدات الإنسانية. لكن يبقى الملف السياسي الأهم بالنسبة إليها، أي مفاوضات جنيف، وما يمكن أن تسفر عنه.
وكانت تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف، قد تميزت ببعض الليونة، إذ أكدت موسكو أنها تبحث مع دمشق النظام «كل الملفات بما في ذلك الأفكار حول إنشاء مناطق آمنة». وذهب بوغدانوف إلى الحديث عن «ضرورة تشكيل هياكل حكم تضم ممثلي الحكومة السورية (حكومة النظام) والمعارضة الوطنية». وأضاف وفق ما نقلته عنه وكالات الأنباء الروسية، أن «النظام في سوريا يجب أن يكون علمانياً، وليس سنياً أو علوياً أو أي نظام آخر، ويتم اختياره في انتخابات وإجراءات ديمقراطية، تشمل السوريين داخل البلاد، واللاجئين المتمتعين بحق التصويت لاختيار قياداتهم».
ومن جانبه، أعلن غاتيلوف أن الغرض من الاجتماع مع وفد الهيئة العليا هو «التعرف» إلى مواقفها بالنسبة للمفاوضات وللملفات التي تتناولها، إذ إنه «لا يعرف» ما هي هذه المواقف. وهذا الاجتماع هو الأول من نوعه بين الطرفين، علماً بأن موسكو استضافت مسؤولين من الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة الذي يشكل عماد الهيئة العليا للمفاوضات. وقالت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة في بيان لها، أمس، إن غاتيلوف التقى رنده قسيس «من منصة آستانة» في جنيف التي تطالب موسكو بضمها إلى المفاوضات، كما تطالب بضم الأكراد أي الحزب الديمقراطي الكردي. كما ينوي غاتيلوف الالتقاء بممثلي منصتي القاهرة وموسكو؛ ما يعني رغبة في التواصل مع كل المكونات السورية نظاماً ومعارضة.
ونقلت مصادر غربية لـ«الشرق الأوسط» عن اجتماع وفد النظام بالمبعوث الأممي، قول الأخير في معرض توصيفه للاجتماع، بأنه كان «رياضياً» أي صدامي. وأعرب دي ميستورا عن أمله بـ«أن يمتنع الجعفري عن التحدث إلى الصحافة لأنه، في هذه الحالة، سيعمد إلى مناقضته». وبالفعل وبعد أن أعلن مكتب المبعوث الأممي عن لقاء صحافي للسفير الجعفري مع الصحافة المعتمدة في جنيف وبعد انتظار زاد على الأربعين دقيقة، عمد الجعفري إلى إلغاء المؤتمر، علماً بأنه دأب باستمرار على التوجه إلى الصحافة بعد كل لقاء مع دي ميستورا. وقالت موظفة في مكتب دي ميستورا، إن الجعفري «يعتذر شخصياً» عن التحدث للصحافة في هذا الوقت، تاركة المجال مفتوحا لحديثه في وقت لاحق. كذلك، فإن رئيس وفد المعارضة نصر الحريري ألغى مؤتمرا صحافيا كان قد تم الإعلان عنه لأسباب لم يوضحها وفده. وكان من المفترض أن يأتي السفير الجعفري برد على «الورقة» التي سلمها إياه دي ميستورا يوم الجمعة الماضي. ولقاء الأمس كان الثالث من نوعه بين المبعوث الأممي ووفد الحكومة السورية. وتجدر الإشارة إلى أن وفد المعارضة قدم رده أول من أمس لدي ميستورا، وهو يتضمن تصوره للمفاوضات وللملفات الثلاثة التي يتعين تناولها. وما زال وفد الهيئة العليا للمفاوضات غير متشجع لتناول الملفات الثلاثة دفعة واحدة. وفي هذا السياق، لخص نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري وعضو الهيئة العليا، عبد الحكيم بشار، المحادثات: «ليس هناك جدول أعمال للقاء»، مضيفاً: «سنطلب منهم الضغط على النظام من أجل تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، والالتزام بإدخال المساعدات الإنسانية إلى المدن والبلدات المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، إضافة إلى أن يكون النظام جاداً في العملية التفاوضية وفق الأجندات التي حددتها القرارات الأممية.
وفي سياق ذي صلة، وبعكس ما كان متوقعاً، لم يحصل أي اجتماع لمجموعة الدعم لسوريا («النواة الصلبة» لأصدقاء الشعب السوري). وجدير بالذكر أن اتصالات بعيدة عن الأضواء حصلت بين ممثلي الدول العشر التي تتشكل منها. وقالت المصادر الغربية لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لم تفاجأ» بالموقف الروسي . وحتى مساء أمس، كان الوفد الرسمي يشدد على مطالبة الوسيط الأممي بدفع المعارضة إلى تشكيل وفد موحد، ما فهم أنه «محاولة تعطيلية». وبحسب المصادر المشار إليها، فإنه «لا يمكن فصل ما حصل في نيويورك بشأن الملف الكيماوي السوري والتهديد الروسي بانعكاسات سلبية على محادثات جنيف، وبين ما شهدته الأمم المتحدة» من تصعيد أمس. وكان مشروع القرار الثلاثي «الفرنسي - البريطاني - الأميركي» قد وجه بفيتو مزدوج روسي - صيني. وأشارت مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن مشروع القرار المجهض كان «وسيلة للضغط على روسيا وعلى النظام، وإفهامهما بأن للغربيين أدوات ضغط يستطيعون استخدامها رغم التطورات الميدانية في سوريا».
وهكذا، فبعد اجتماعات متواصلة للمبعوث الأممي وفريقه مع وفد النظام ووفود المعارضة الثلاثة ما زالت المحادثات تدور حول المسائل الإجرائية والإطار الذي يتعين أن تدور ضمنه. وبعد التشدد الذي ظهر أمس، تبدو الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا إذا عمدت روسيا إلى ترطيب الأجواء بمواقف لا تكون نسخة طبق الأصل عما يتمسك به النظام.



مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.


مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

وقالت وزارة الداخلية المصرية في بيان مقتضب، الأحد، إنه «لا صحة لما تم تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول ما يتردد عن ملاحقة مخالفي شروط الإقامة بالبلاد.

وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أخبار ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن أجهزة الأمن المصرية تنفِّذ حملات مطاردة للسوريين الموجودين بمصر، وتضبطهم وترحلهم، فضلاً عن منع دخول السوريين للبلاد. وتسببت تلك الأنباء في حالة من الجدل الواسع.

إلا أن رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر»، تيسير النجار، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن أصدرت السلطات المصرية تنبيهات عدة للسوريين الموجودين بمصر بضرورة تقنين أوضاعهم، بدأت الشرطة في تنفيذ حملات تدقيق ضد غير الملتزمين. وهذا حق سيادي مصري باتخاذ اللازم ضد مخالفي القوانين؛ سواء أكانوا سوريين أم غيرهم، وترحيلهم من البلاد، بينما يتمتع الملتزمون بحقوقهم كاملة».

وأضاف النجار: «السلطات المصرية أيضاً أعطت تسهيلات تتمثل في إعفاء راغبي المغادرة من غرامات مخالفة الإقامة، وسافر فعلاً عدد ضخم من السوريين وعادوا إلى سوريا، وهناك آخرون يفكرون في السفر، ولكن بعضهم تهدمت منازلهم في سوريا خلال الحرب، ويعملون على إعادة بنائها»، موضحاً: «نبذل جهوداً مع السلطات المصرية للسماح لهم بالبقاء لحين ترتيب أوضاعهم في سوريا، ووقتها سيغادرون».

وقال رئيس الجالية السورية بمصر سابقاً، راسم الأتاسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن «حملة تدقيق بدأتها السلطات المصرية منذ أول العام الجاري»، ووقتها غادر إلى سوريا، وحالياً يتلقى اتصالات كثيرة من سوريين في مصر يطالبون بالتدخل لدى السلطات، للسماح لهم بالبقاء حتى ترتيب أوضاعهم.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

وقدَّر رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر»، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون شخص، يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى الاتحاد، باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال «الملتقى الاقتصادي السوري- المصري»، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعام 2024، وضعت السلطات المصرية اشتراطات لدخول السوريين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على موافقة أمنية مسبقة، إلى جانب تأشيرة الدخول، وغيرها من الاشتراطات، مثل ضرورة الحصول على الموافقة على فتح مطاعم أو شركات سورية في مصر.

من جانبه، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد: «نتابع ببالغ الاهتمام أوضاع المواطنين السوريين في مصر، ومنذ مطلع العام، أجرينا لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه أهلنا هناك».

وأضاف عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس»: «وجَّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدَّمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر. حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب ستبقى دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي».


مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمسّ هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، وقال في مؤتمر صحافي، الأحد، عقب مباحثات عقدها مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: «بحثنا تعزيز التعاون العسكري والأمني»، مؤكداً استعداد مصر لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب، مع الصومال.

وتوافقت مصر والصومال على «تكثيف التنسيق لمواجهة التحديات التي تعترض منطقة القرن الأفريقي». وشدد الرئيس السيسي ونظيره الصومالي على أن «مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن، تقع حصرياً على عاتق الدول المشاطئة لهما».

وأشار السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، إلى «الدور الخاص المنوط بمصر والصومال، على ضوء موقعهما الفريد، على المدخلين الجنوبي والشمالي للبحر الأحمر».

مؤتمر صحافي مشترك بين السيسي وحسن شيخ محمود الأحد في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وتأتي زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة بينما تتصاعد التوترات في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لا سيما مع اعتراف إسرائيل بـ«إقليم أرض الصومال» الانفصالي دولة مستقلة، والذي قوبل برفض مصري وعربي؛ ما يعكس بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إدراك البلدين خطورة التحديات التي تواجه القرن الأفريقي.

وأكد السيسي «عزم بلاده استكمال نشر قواتها ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع ربوع الصومال»، وقال إن «مصر ستظل دوماً شريكاً صادقاً وداعماً للصومال... وستواصل جهودها لتعزيز أمن واستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وجدد السيسي التأكيد، على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة، بما في ذلك الاعتراف باستقلال أي جزء من إقليمه، الأمر الذى يعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي... وسابقة خطيرة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأسره».

بدوره، أعرب الرئيس الصومالي عن «تقديره لموقف مصر وجهودها في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي»، مؤكداً «حرص بلاده على تعزيز التنسيق مع مصر بما يخدم الأمن الإقليمي».

ووقَّعت مصر والصومال، في أغسطس (آب) 2024، بروتوكول تعاون عسكري، واتفق البلدان حينها على مشاركة مصر في البعثة الأفريقية لحفظ السلام خلال الفترة من 2025 إلى 2029، ودعمت القاهرة مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبحسب الباحث الصومالي الدكتور شافعي يوسف عمر، فإن زيارة الرئيس الصومالي للقاهرة «تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، في ظل توترات في القرن الأفريقي ومحاولات المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، خصوصاً فيما يتعلق بالبحر الأحمر وخليج عدن». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الزيارة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الصومال لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي وأمن الممرات البحرية الدولية».

وتابع: «هذه الزيارة تؤكد أن القاهرة ومقديشو تتحركان اليوم كجبهة سياسية واحدة لمنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع في عالم يشهد تحولات حادة في موازين القوة».

وعقد الزعيمان لقاءً ثنائياً، تلته جلسة مباحثات موسعة، تم خلالهما التأكيد على «موقف مصر الثابت الداعم لوحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، والتحذير من أي خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول، بوصفها انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية.

وأضاف البيان المصري: «الرئيسان توافقا على ضرورة تسوية مختلف النزاعات الإقليمية عبر الوسائل السلمية، فضلاً عن أهمية تثبيت السلم والاستقرار الإقليمي، لا سيما في منطقة القرن الأفريقي، من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعوب، إضافة إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة البحرية».

مصر جددت رفضها المساس بوحدة الصومال أو الاعتراف باستقلال أي إقليم منه (الرئاسة المصرية)

ويرى الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير علي الـحفني أن «الوضع الراهن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر يستدعي تكرار الزيارات واللقاءات على أعلى مستوى والتشاور والتنسيق بين الزعيمين». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تشهد تطورات مهمة تتعين متابعتها والتحسب لتداعياتها، والحيلولة دون أي محاولات لزعزعة الاستقرار».

وهذه هي الزيارة الخامسة للرئيس الصومالي إلى القاهرة منذ يناير (كانون الثاني) 2024. وأعرب السيسي عن «تقديره لتنامى وتيرة الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين بما يعكس عمق وخصوصية العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية، والتي تجسدت في الشراكة الاستراتيجية، التي أعلن عنها، خلال زيارة شيخ حسن محمود للقاهرة في يناير 2025».

وأشار إلى أن «هذا الزخم يعكس حرص البلدين على الارتقاء بالعلاقات الثنائية، وتعزيز التنسيق؛ من أجل دعم الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وعدم المساس بتخوم الأمن القومي المصري».

ولفت الباحث الصومالي إلى أن «تكرار اللقاءات بين الرئيسين هو انعكاس لانتقال العلاقات من إطار الدعم التقليدي إلى شراكة استراتيجية قائمة على التنسيق العميق» مشيراً إلى «إرساء القاهرة ومقديشو أساساً قانونياً وسياسياً للعلاقات عبر (إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة)، و(بروتوكول التعاون العسكري والأمني) وغيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها في السنوات الثلاث الماضية». وقال: «هذه الاتفاقيات ليست شكلية، بل تعبّر عن إرادة سياسية مشتركة لبناء محور استقرار في القرن الأفريقي». وأوضح أن «التحالف المصري - الصومالي ركيزة أساسية لمنع زعزعة هذا التوازن الاستراتيجي».

وتناولت المباحثات – وفق البيان الرئاسي المصري - عدداً من ملفات التعاون الثنائي، وسبل تعزيزه في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، وتعظيم الاستفادة من سهولة الربط الجوي والبحري بين البلدين. وأكد السيسي أن «مصر تولي أهمية كبيرة للتعاون مع الصومال في المجال الطبي»، مشيراً إلى أن القاهرة «تعتزم إرسال قافلة طبية إلى الصومال قريباً».

كما تطرقت المباحثات أيضاً إلى «تعزيز التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات، عبر برامج (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، إلى جانب التعاون العسكري والأمني»، وأعرب السيسي عن «استعداد بلاده لمشاركة خبراتها في مكافحة الإرهاب مع الصومال».