حديث الروس عن «الإرهاب» يربك «جنيف 4»

مصادر غربية نقلت عن دي ميستورا وصفه لاجتماعه مع الجعفري بأنه «صدامي»

طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)
طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)
TT

حديث الروس عن «الإرهاب» يربك «جنيف 4»

طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)
طفل من مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق يبحث عن متعلقات عائلته بين الأبنية التي دمرها طيران النظام في قصف على المدينة المحاصرة أمس (إ.ب.أ)

رمى نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف الذي كان أمس محور الاتصالات واللقاءات في اليوم السادس من محادثات جنيف، الكرة في ملعب الوسيط الأممي ستيفان دي ميستورا عندما شدد، في تصريحات أدلى بها أمس في «قصر الأمم»، على أن «الإرهاب ومحاربة الإرهاب أولوية يجب أن تكون على جدول الأعمال إلى جانب مواضيع أخرى تم اقتراحها ويتضمنها القرار 2254». وجاءت هذه التصريحات بعد لقائه وفد النظام السوري برئاسة السفير بشار الجعفري في مقر البعثة الروسية في المدينة السويسرية. وبذلك يكون الدبلوماسي الروسي الذي وصل إلى جنيف أول من أمس للمشاركة في دورة لجنة حقوق الإنسان، قد تبنى تماماً موقف الحكومة السورية الذي ما فتئ يطالب بجعل الإرهاب بنداً أول على أجندة المحادثات، خصوصاً بعد العمليات الهجومية التي استهدفت مراكز أمنية في مدينة حمص يوم الجمعة الماضي.
بيد أن للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا رأياً آخر، إذ يرى أن موضوع الإرهاب ووقف النار وإيصال المساعدات الإنسانية من «اختصاصات» اجتماعات آستانة العسكرية التي ترعاها روسيا وتركيا وإيران، بينما جنيف مخصصة للمسائل السياسية وللملفات، أو «السلال» الثلاث التي اقترحها في «الورقة» المقدمة إلى الوفود السورية، معارضة ونظاماً، وهي تخلو من ملف الإرهاب. وسارع المتحدث باسم وفد الهيئة العليا سالم المسلط إلى الرد على الموقف الروسي، بقوله، إن «موضوع الإرهاب لا يحتاج لمفاوضات»، وأن الوفد الحكومي يستغله لـ«المماطلة» وتأخير الوصول إلى جوهر المفاوضات.
ومنذ وصوله إلى جنيف، سرق الوفد الدبلوماسي الروسي الأضواء من المبعوث الأممي، إذ إنه فتح خطوط التواصل مع كل الأطراف السورية والدولية والإقليمية. وكانت باكورة اتصالاته اجتماعاً صباحياً مع وفد الحكومة السورية أتبعه بلقاء مع المبعوث الأممي، واجتماع تنسيقي مسائي مع مسؤول الملف السوري في الخارجية الإيرانية الأنصاري. أما مع وفد الهيئة العليا، فبعد اجتماع أول «تمهيدي» أمس حضره من الجانب الروسي سيرغي فيرشينين، مسؤول دائرة الشرق الأوسط في الخارجية الروسية، ومن جانب الهيئة العليا نصر الحريري، رئيس الوفد، سيعاود الطرفان الاجتماع اليوم وهذه المرة بحضور غاتيلوف. ويريد وفد الهيئة الاستفادة من الاجتماع للتعرف «في العمق» على ما تريده موسكو، وعلى تصورها لما يمكن أن تفضي إليه جولة جنيف الراهنة، حيث بدأ تلمس المخاوف من أن يكون مصير «جنيف4» كمصير الجولات السابقة، إذا ثبت لديها أن موسكو ما زالت تتبنى تماماً مواقف النظام.
وحتى أمس، كانت المعارضة تراهن، في ظل الغياب الأميركي الملحوظ حتى الآن، على «اعتدال» روسي يتظاهر بالضغط على وفد النظام للدخول، أخيراً، في التفاوض على عملية الانتقال السياسي التي جعلها دي ميستورا «عنوانا» رئيسيا للجولة الراهنة. وتندرج تحته البنود الثلاثة الخاصة بالحوكمة والدستور والانتخابات كما فصلها في «الورقة» المقدمة لكل الوفود السورية التي تتضمن كذلك «مدونة سلوك» يتعين الالتزام بها بين الأطراف. وتريد المعارضة كذلك، من موسكو تثبيت وقف النار الذي تهاوى أكثر فأكثر، وتنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها لوفد المعارضة العسكري الذي شارك في اجتماعي آستانة وإيصال المساعدات الإنسانية. لكن يبقى الملف السياسي الأهم بالنسبة إليها، أي مفاوضات جنيف، وما يمكن أن تسفر عنه.
وكانت تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف، قد تميزت ببعض الليونة، إذ أكدت موسكو أنها تبحث مع دمشق النظام «كل الملفات بما في ذلك الأفكار حول إنشاء مناطق آمنة». وذهب بوغدانوف إلى الحديث عن «ضرورة تشكيل هياكل حكم تضم ممثلي الحكومة السورية (حكومة النظام) والمعارضة الوطنية». وأضاف وفق ما نقلته عنه وكالات الأنباء الروسية، أن «النظام في سوريا يجب أن يكون علمانياً، وليس سنياً أو علوياً أو أي نظام آخر، ويتم اختياره في انتخابات وإجراءات ديمقراطية، تشمل السوريين داخل البلاد، واللاجئين المتمتعين بحق التصويت لاختيار قياداتهم».
ومن جانبه، أعلن غاتيلوف أن الغرض من الاجتماع مع وفد الهيئة العليا هو «التعرف» إلى مواقفها بالنسبة للمفاوضات وللملفات التي تتناولها، إذ إنه «لا يعرف» ما هي هذه المواقف. وهذا الاجتماع هو الأول من نوعه بين الطرفين، علماً بأن موسكو استضافت مسؤولين من الائتلاف الوطني السوري لقوى المعارضة الذي يشكل عماد الهيئة العليا للمفاوضات. وقالت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة في بيان لها، أمس، إن غاتيلوف التقى رنده قسيس «من منصة آستانة» في جنيف التي تطالب موسكو بضمها إلى المفاوضات، كما تطالب بضم الأكراد أي الحزب الديمقراطي الكردي. كما ينوي غاتيلوف الالتقاء بممثلي منصتي القاهرة وموسكو؛ ما يعني رغبة في التواصل مع كل المكونات السورية نظاماً ومعارضة.
ونقلت مصادر غربية لـ«الشرق الأوسط» عن اجتماع وفد النظام بالمبعوث الأممي، قول الأخير في معرض توصيفه للاجتماع، بأنه كان «رياضياً» أي صدامي. وأعرب دي ميستورا عن أمله بـ«أن يمتنع الجعفري عن التحدث إلى الصحافة لأنه، في هذه الحالة، سيعمد إلى مناقضته». وبالفعل وبعد أن أعلن مكتب المبعوث الأممي عن لقاء صحافي للسفير الجعفري مع الصحافة المعتمدة في جنيف وبعد انتظار زاد على الأربعين دقيقة، عمد الجعفري إلى إلغاء المؤتمر، علماً بأنه دأب باستمرار على التوجه إلى الصحافة بعد كل لقاء مع دي ميستورا. وقالت موظفة في مكتب دي ميستورا، إن الجعفري «يعتذر شخصياً» عن التحدث للصحافة في هذا الوقت، تاركة المجال مفتوحا لحديثه في وقت لاحق. كذلك، فإن رئيس وفد المعارضة نصر الحريري ألغى مؤتمرا صحافيا كان قد تم الإعلان عنه لأسباب لم يوضحها وفده. وكان من المفترض أن يأتي السفير الجعفري برد على «الورقة» التي سلمها إياه دي ميستورا يوم الجمعة الماضي. ولقاء الأمس كان الثالث من نوعه بين المبعوث الأممي ووفد الحكومة السورية. وتجدر الإشارة إلى أن وفد المعارضة قدم رده أول من أمس لدي ميستورا، وهو يتضمن تصوره للمفاوضات وللملفات الثلاثة التي يتعين تناولها. وما زال وفد الهيئة العليا للمفاوضات غير متشجع لتناول الملفات الثلاثة دفعة واحدة. وفي هذا السياق، لخص نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري وعضو الهيئة العليا، عبد الحكيم بشار، المحادثات: «ليس هناك جدول أعمال للقاء»، مضيفاً: «سنطلب منهم الضغط على النظام من أجل تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، والالتزام بإدخال المساعدات الإنسانية إلى المدن والبلدات المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين، إضافة إلى أن يكون النظام جاداً في العملية التفاوضية وفق الأجندات التي حددتها القرارات الأممية.
وفي سياق ذي صلة، وبعكس ما كان متوقعاً، لم يحصل أي اجتماع لمجموعة الدعم لسوريا («النواة الصلبة» لأصدقاء الشعب السوري). وجدير بالذكر أن اتصالات بعيدة عن الأضواء حصلت بين ممثلي الدول العشر التي تتشكل منها. وقالت المصادر الغربية لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لم تفاجأ» بالموقف الروسي . وحتى مساء أمس، كان الوفد الرسمي يشدد على مطالبة الوسيط الأممي بدفع المعارضة إلى تشكيل وفد موحد، ما فهم أنه «محاولة تعطيلية». وبحسب المصادر المشار إليها، فإنه «لا يمكن فصل ما حصل في نيويورك بشأن الملف الكيماوي السوري والتهديد الروسي بانعكاسات سلبية على محادثات جنيف، وبين ما شهدته الأمم المتحدة» من تصعيد أمس. وكان مشروع القرار الثلاثي «الفرنسي - البريطاني - الأميركي» قد وجه بفيتو مزدوج روسي - صيني. وأشارت مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن مشروع القرار المجهض كان «وسيلة للضغط على روسيا وعلى النظام، وإفهامهما بأن للغربيين أدوات ضغط يستطيعون استخدامها رغم التطورات الميدانية في سوريا».
وهكذا، فبعد اجتماعات متواصلة للمبعوث الأممي وفريقه مع وفد النظام ووفود المعارضة الثلاثة ما زالت المحادثات تدور حول المسائل الإجرائية والإطار الذي يتعين أن تدور ضمنه. وبعد التشدد الذي ظهر أمس، تبدو الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا إذا عمدت روسيا إلى ترطيب الأجواء بمواقف لا تكون نسخة طبق الأصل عما يتمسك به النظام.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.