«جنيف 4»: سباق بين التصعيد والانطلاقة الفعلية للمفاوضات

على وقع تفجيرات المربع الأمني في حمص

المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ومعه معاونه السفير رمزي عز الدين رمزي خلال أحد لقاءاته مع الوفود السورية المشاركة في مباحثات «جنيف 4» بسويسرا (رويترز)
المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ومعه معاونه السفير رمزي عز الدين رمزي خلال أحد لقاءاته مع الوفود السورية المشاركة في مباحثات «جنيف 4» بسويسرا (رويترز)
TT

«جنيف 4»: سباق بين التصعيد والانطلاقة الفعلية للمفاوضات

المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ومعه معاونه السفير رمزي عز الدين رمزي خلال أحد لقاءاته مع الوفود السورية المشاركة في مباحثات «جنيف 4» بسويسرا (رويترز)
المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ومعه معاونه السفير رمزي عز الدين رمزي خلال أحد لقاءاته مع الوفود السورية المشاركة في مباحثات «جنيف 4» بسويسرا (رويترز)

لم تكن نهاية الأسبوع فترة راحة للمبعوث الدولي الخاص ستيفان دي ميستورا وفريقه أو للوفود السورية، أكانت وفد النظام أو وفود المعارضة الثلاثة المستقرة في ثلاثة فنادق متباعدة عن بعضها وفق توزيع أقرته الأمم المتحدة ولم تختره الوفود.
وجاءت التفجيرات الكبيرة التي استهدفت المربع الأمني في مدينة حمص ليرخي حالة من الحذر الإضافي سارع دي ميستورا إلى محاولة احتوائه في تصريح بعد ظهر أمس ندد فيه بالعملية التي وصفها بأنها محاولة لـ«تخريب» المفاوضات. كذلك أعرب المبعوث الدولي عن أمله في ألا ينعكس سلبا على مفاوضات جنيف التي لم تبدأ وما زالت في مراحلها التحضيرية.
وأسف دي ميستورا لحصول هذا الهجوم، مذكرا بأنه «كل مرة تبدأ المفاوضات يأتي تصعيد من هنا أو هناك ليضع العصي في الدواليب». أما رئيس وفد النظام السفير بشار الجعفري فقد اعتبر أن «الرسالة (من التفجير) قد وصلت وأن الجريمة لن تمر مرور الكرام». وحسب رأي الجعفري، فإن العملية «رسالة من رعاة الإرهاب إلى جنيف». ومن جانبه، اعتبر سالم المسلط، الناطق باسم الوفد المفاوض باسم المعارضة، أن التفجير من «تدبير النظام وأدواته». والآن، ثمة تخوف حقيقي وجدي من أن يطيح ما حدث بمجمل العملية التفاوضية التي يكافح دي ميستورا في دفعها إلى الأمام بحيث لا تكون «جنيف 4» شبيهة بسابقاتها من جولات المدينة السويسرية.
دي ميستورا ينتظر اليوم ردوداً على «الورقة» التي قدمها أول من أمس لوفدي النظام و«الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، التي تتشكل من قسمين: الأول، استفهام حول رؤية الجوانب الإجرائية كما ينظر إليها الوفدان والثاني خاص بالأجندة وحول كيفية تناول الفصول الثلاثة (تشكيل هيئة الحكم الشاملة وغير الطائفية وبدء البحث بمسودة الدستور والانتخابات) المندرجة تحت عنوان عملية الانتقال السياسي. ورغم إعلان المبعوث الدولي مساء أول من أمس عن قبول الطرفين الدخول في مفاوضات مباشرة، فإن الأمور لم تتّضح بعد وشروط إطلاقها ما زال يلفها الكثير من الغموض بانتظار التوصل إلى رؤية مشتركة استنادا لما سيأتي في الردود على الورقتين.
وحسب البرنامج المعد، من المقرر بعد ظهر اليوم، أن يجتمع المبعوث الدولي في مقر الأمم المتحدة في جنيف تباعا بممثلي منصتي القاهرة وموسكو بعدما كان اجتمع مجددا عصر أمس مع وفد النظام. وما زال دي ميستورا يبذل محاولات للنظر في إمكانية تشكيل وفد سوري معارض موحد يعمل من أجله، كذلك وفدا الهيئة العليا ومنصة القاهرة. وفي هذا السياق حصل اجتماع مطول في فندق «الهيئة العليا» بين الطرفين كما يجد مساعدو دي ميستورا لاستكشاف إمكانية وشروط التوصل إلى وفد موحد.
وقالت مصادر متطابقة دبلوماسية أوروبية ترافق «جنيف 4» وأخرى من المعارضة السورية أن دي ميستورا «يدفع ويضغط» باتجاه تشكيل وفد واحد، وهو ما يريده الطرف الروسي كذلك. وتضيف هذه المصادر أن دي ميستورا «يعي» أن تعدد الوفود سيشتت المفاوضات وسيمنع الدخول في مفاوضات مباشرة، وسيمكّن وفد النظام من اللعب على حبل التناقضات الموجودة والمعروفة بين رؤى المجموعات الثلاث. بيد أن مصدرا غربيا قال لـ«الشرق الأوسط» أمس إن المفاوضات عندما ستبدأ حقيقة «ستكون بين وفد النظام ووفد الهيئة العليا»، بينما سيتعين على المبعوث الدولي أن يجد «طريقة دبلوماسية ما» لضم مجموعتي المعارضة الأخريين إلى المشاورات. وأردف أن وفدي منصتي القاهرة وموسكو ينظر إليهما كـ«وفدين مشاركين» بينما وفد «الهيئة العليا» يعتبر وفدا «مفاوضا». وفي هذا السياق كشف الوزير السابق قدري جميل، المشرف على منصة موسكو لكنه ليس عضوا في وفدها إلى جنيف، أن رسالة الدعوة الأولى لمنصتي القاهرة وموسكو لم تكن تتضمن كلمة «وفد»، وأن ضغوطا من موسكو على دي ميستورا ألزمته بأن يرسل «نصا جديدا واضحا» يتضمن توصيف البعثة بـ«الوفد».
هذا، وتابعت «الشرق الأوسط»، خلال اليومين الماضيين، الاتصالات والمشاورات التي أجريت خصوصا بين وفدي «الهيئة العليا» ومنصة القاهرة، وكذلك بينها وبين المندوبين الدوليين الذين يتابعون عن قرب ما يحصل في جنيف، ناهيك من دي ميستورا نفسه وفريقه. وبعد اجتماع مطول في فندق «الهيئة العليا» بين وفدها ووفد منصة القاهرة، حصلت مشاورات واتصالات مختلفة يوم أمس مع مساعدين لدي ميستورا ومع مندوبين غربيين وعرب. والخلاصة التي يمكن اعتبارها نهائية - إلا إذا حصل أمر غير منتظر، وهو مستبعد - أن الوفد الموحّد لن يرى النور، مع أن جهاد المقدسي، أحد مسؤولي منصة القاهرة وعضو وفدها إلى جنيف، قلل من درامية هذا الموضوع. إذ قال المقدسي لـ«الشرق الأوسط» إن وفده «ليس ضد الوفد الواحد لكن التقارب يجب أن يكون تقاربا بالرؤى السياسية وليس الأشخاص». وأضاف أن منصة القاهرة «لن تكون عقبة في وجه انطلاق ونجاح المفاوضات».
ويعيد المقدسي، الذي يذكر بأن الكثير من أعضاء «الهيئة العليا» حضروا اجتماعات القاهرة، «أن الفرق السياسي بيننا وبينهم أنهم يطرحون رحيل المنظومة السياسية (أي النظام) شرطا مسبقا، بينما نحن نرى أن تغيير المنظومة سيكون نتيجة للمسار السياسي بنهاية المطاف وعبر الانتقال السياسي المشترك». وبرأي المقدسي فإن منهجه يصدر عن «رؤية أكثر واقعية للوضع السوري»، فضلاً عن ذلك، يشكو المقدسي مما وصفه «الرؤية الحصرية» التي تسكن وفد «الهيئة»، بينما قال جورج صبرا، أحد أعضاء «الهيئة العليا» في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن الهيئة تضم 14 عضوا منتميا إلى منصة القاهرة. ويرى جمال سليمان (وهو العضو الآخر في وفد منصة القاهرة) أن «من الأسهل التقريب بين وفدي (الهيئة العليا) و(القاهرة)، بينما التقريب بين الأخير ووفد منصة موسكو سيكون بالغ الصعوبة» بالنظر لتباعد المواقف السياسية وللشكوك والاتهامات المتبادلة بين الطرفين.
في هذه الأثناء، تقول المصادر الغربية التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن موضوع الوفد الموحّد أو الوفود المنفصلة «ليس الموضوع الأساسي رغم أهميته» لأنه يبقى «إجرائيا» وليس العامل الذي سيجعل «جنيف 4» ناجحا أو فاشلا. وتضيف هذه المصادر أن الموضوع طرح في «جنيف 3» ونجح المبعوث دي ميستورا في الالتفاف عليه عندما اعتبر أن التفاوض يتم بين وفدي «الهيئة العليا» والنظام وأن الآخرين ينظر إليهم كـ«مستشارين». وحسب رأيه أن «منهج العمل» رغم أنه مسألة إجرائية، فإن أهميته أكبر خصوصا فيما يتعلق بكيفية تناول المسائل الثلاث المنصوص عليها في القرار 2254.
وتكشف هذه المصادر أنها تسعى لـ«نزع الشكوك» لدى «الهيئة العليا» من التناول المتوازي للملفات الثلاثة دفعة واحدة مع الأخذ بمبدأ أساسي في علم الدبلوماسية وهو أنه «لا شيء يقر بشأن ملف ما قبل الاتفاق على كل الملفات». وتضيف هذه المصادر - في إشارة واضحة إلى الملف الأصعب ألا وهو إنشاء هيئة الحكم الانتقالية وطريقة تشكيلها وما يستتبعها من تحديد صلاحيات الرئاسة والهيئة والمسؤولية عن الأجهزة الأمنية وخلافها - أنه إذا اصطدمت المفاوضات، عندما تنطلق، بهذه العقد التي يصعب التغلب عليها في الوقت الحاضر، فإنها يمكن أن تستمر في الملفين الآخرين.
كذلك، ترى هذه المصادر التي ترافق منذ سنتين دقائق الملف السوري أن إحراز تقدم في موضوع الدستور «ليس بالضرورة شيئا سلبيا بالنسبة للمعارضة لأنه في جانب منه جزء من العملية الانتقالية». ولذا، فإنها تنصح وفد «الهيئة العليا» الذي يصر على أنه لا دور لبشار الأسد لا في المرحلة الانتقالية ولا في مستقبل سوريا «ألا تركز منذ اللحظة الأولى على مصير الأسد، لأنها بذلك ستغامر بأن يعمد الطرف الآخر، كما هو متوقع، إلى رفض البحث في هذا الموضوع وبالتالي يمكن للمفاوضات أن تنتهي سريعا».
من جهة أخرى، تعي الأطراف الموجودة في جنيف أن أوراق اللعبة ليست كلها في أيدي الأطراف الداخلية. وتضيف المصادر الغربية أن الطرف الروسي، الذي يصفه المقدسي بأنه «اللاعب الأساسي ولكنه ليس اللاعب الوحيد» سيكون له «دور محوري» أكبر بكثير مما كان له في الماضي لأنه يمسك بخيوط النشاطين العسكري والسياسي، وهو قادر على «إنقاذ جنيف 4 كما على تركها تغرق». لكن الواضح اليوم أن جنيف دخلت في سباق بين إطلاق المفاوضات والتصعيد الميداني، والخطر الكبير والآني الذي يتهددها هو أن ردود النظام العسكرية العنيفة ستدفع المعارضة المسلحة للرد أيضا، وعندها سينهار وقف النار الذي تحول إلى نظري أكثر مما هو عملي. ولا شيء يضمن أن هذه الجولة التي من المقرر لها أن تنتهي في الرابع من مارس (آذار) يمكن أن تستأنف في العشرين منه كما يخطط لذلك المبعوث الدولي.



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».