مؤتمر «الخارج» الفلسطيني يبدأ بالدعوة «للكنس» و«فتح أبواب المنظمة» وإلغاء «أوسلو»

عُقد في إسطنبول وأجج نار الخلافات... والسلطة ترد: تجمع شياطين

جانب من المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج  -  نحو 6 آلاف فلسطيني يشاركون في المؤتمر
جانب من المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج - نحو 6 آلاف فلسطيني يشاركون في المؤتمر
TT

مؤتمر «الخارج» الفلسطيني يبدأ بالدعوة «للكنس» و«فتح أبواب المنظمة» وإلغاء «أوسلو»

جانب من المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج  -  نحو 6 آلاف فلسطيني يشاركون في المؤتمر
جانب من المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج - نحو 6 آلاف فلسطيني يشاركون في المؤتمر

أجج مؤتمر الخارج الفلسطيني، الذي انطلق أمس في إسطنبول، نار الخلافات الفلسطينية الداخلية، بعد رفض السلطة انعقاد المؤتمر بصفته محاولة لخلق أجسام بديلة لمنظمة التحرير، ووصفه من قبل مستشار للرئيس الفلسطيني محمود عباس بمؤتمر الشياطين، وتأييده من قبل حماس، التي وصفته بمكمل لمنظمة التحرير وليس بديلا عنها، في حين طالب منظموه «بكنس» المسؤولين الحاليين في المنظمة، وفتح أبوابها لآخرين.
وحظي المؤتمر بمشاركة شعبية واسعة شملت مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني تحت شعار «المشروع الوطني.. طريق عودتنا». ووصل عدد المشاركين في المؤتمر، الذي يختتم أعماله اليوم (الأحد)، إلى نحو 6 آلاف فلسطيني يعيشون في نحو 50 دولة من مختلف قارات العالم، من بينهم مجموعة من الشخصيات الوطنية الفلسطينية، مثل رئيس هيئة أرض فلسطين سليمان أبو ستة، والرئيس السابق لمركز التخطيط في منظمة التحرير منير شفيق، والنائب السابق لرئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير ربحي حلوم، ورئيس مركز الزيتونة للأبحاث محسن صالح، ورئيس جمعية نساء من أجل القدس نائلة الوعري. وأجمع المشاركون على رفض معاهدة «أوسلو» وما ترتب عليها من تبعات أدت إلى تعطيل طاقات الشعب الفلسطيني، وتهميش صوت وصورة فلسطينيي الخارج من المشهد الوطني، كما طالبوا بفتح باب منظمة التحرير الموصدة أمام ملايين الفلسطينيين، وانتخاب مجلس وطني شامل في إطار عملية تنظيف ديمقراطي للبيت من الداخل.
واتهمت منظمة التحرير وحركة فتح الإخوان المسلمين وحماس في الخارج بتنظيم المؤتمر الذي رعته تركيا، لكن حماس نفت أي علاقة لها بالأمر واكتفت بالقول: إنها تؤيده. والمؤتمر الذي دعت له 70 شخصية فلسطينية من الخارج، انطلق بدعوة رئيسية لرئيس هيئته العامة سلمان أبو ستة بفتح باب المنظمة أمام ملايين الفلسطينيين في الخارج، وتنظيف البيت الفلسطيني بما وصفه «مكنسة ديمقراطية». وقال أبو ستة خلال كلمة افتتاحية: «ندعو إلى انتخاب مجلس وطني جديد نظيف يمثل كل الفلسطينيين في العالم». وهاجم أبو ستة منظمة التحرير، ووصف قادتها بعواجيز عليهم التقاعد. وطالب أبو ستة بالاستمرار في دق باب المنظمة من قبل كل الفلسطينيين. وجدد أبو ستة التأكيد على ضرورة دق باب المنظمة الموصد بأيدي 13 مليون فلسطيني ليمارسوا دورهم، مبينًا أن لدينا اليوم 2 مليون فلسطيني في أعلى درجات الكفاءة يستطيعون إدارة دول عدة.
وقال رئيس المؤتمر العضو السابق في المجلس الوطني الفلسطيني، الدكتور أنيس قاسم: «لقد مرت علينا مآسٍ كثيرة، لكن أكثر المصائب هي (أوسلو)، ويجب العمل على تدميرها؛ فهي من وضعت الشعب الفلسطيني في الخارج على قارعة الطريق». وأضاف: «اتفاق أوسلو حول أعظم ثورة بالتاريخ إلى خادم للاحتلال، وعلى الشعب انتزاع حقه من براثن السلطة التي باعت حقوقنا للحاكم العسكري الإسرائيلي». وتابع: «نطالب باسترداد حقوقنا في منظمة التحرير الفلسطينية، هذه المنظمة التي عبقت بدماء الشهداء؛ جميعهم ضحّوا من أجل بناء الوطن، ولا تمتلك القيادة أن تستثني فلسطينيا واحدا من تحت الخيمة الفلسطينية، ويجب أن تفتح المنظمة أبوابها للجميع».
وقال رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر هشام أبو محفوظ، إن انعقاد المؤتمر «تعبير صادق على عزم شعبنا خارج الوطن المحتل بتطوير الجهود». وطالب أبو محفوظ بضرورة التنسيق بين مختلف المؤسسات العاملة للقضية الفلسطينية وإطلاق مشروعات فعالة وبرامج عملية في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة، مضيفا: «خلال ربع قرن كان هناك تغييب لدور شعبنا في الخارج، حتى بزغ جيل جديد».
وأردف «لا وصاية لأحد على الشعب الفلسطيني». وأطلق «المؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج» حملة «فلسطين تجمعنا» الإلكترونية، ودعا نشطاء مواقع التواصل إلى المشاركة في حملته الإلكترونية بالتغريد على الوسم الذي يحمل اسم #فلسطين_تجمعنا. ويقول القائمون على الحملة الإلكترونية، إنها تهدف الدعوة لبناء وتعزيز وحدة الموقف السياسي للشعب الفلسطيني في الشتات. ولم تعجب هذه اللغة السلطة الفلسطينية، التي وصفت المؤتمر بالفاشل. وهاجم مسؤولون في السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، المؤتمر وقالوا إنه سيفشل في خلق جسم بديل لمنظمة التحرير، واتهموا حماس بالوقوف وراءه. وجاء الهجوم الأعنف على المؤتمر من قبل، قاضي القضاة محمود الهباش، وهو مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس للشؤون الدينية، واصفا المؤتمر بأنه «تجمع الشياطين» لبث «الفرقة».
ورفض الهباش خلق عناوين بديلة للمنظمة. وقال: «العنوان هنا. كله هنا (رام الله)، ومن أراد أن يتكلم باسم فلسطين والقدس فالعنوان معروف». وهذه ليست أول معركة من نوعها على التمثيل الفلسطيني؛ فقد اندلعت معارك أخرى في وقت سابق مع حماس ومع دول عربية كانت تتعامل مع حماس بصفتها جهة ممثلة للفلسطينيين، وهو ما اغضب منظمة التحرير التي طالما عرّفت نفسها بممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني منذ نشأتها عام 1964. وحصلت المنظمة في القمة العربية التي عقدت في الرباط عام 1974 على اعتراف عربي شامل بأن «منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني». وهو ما ساعدها لاحقا على أخذ مقعد «مراقب» في الأمم المتحدة، ومن ثم دولة غير عضو.
والمنظمة هي التي أنشأت السلطة الفلسطينية، التي بدورها تمثل الداخل، فيما تعد المنظمة «الأم» أعلى مرجعية للفلسطينيين جميعا في الداخل والخارج. وقال الناطق باسم حركة فتح، أسامة القواسمي، إن «للشعب الفلسطيني ممثلا شرعيا واحدا ووحيدا هو منظمة التحرير الفلسطينية». وأضاف: «إن انعقاد هذا المؤتمر، هو خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلي، ومحاولة فاشلة حتما لضرب منظمة التحرير الفلسطينية، وخطوة تدلل على استمرار حماس» في تعزيز الانقسام وتوسيعه في الساحة الفلسطينية. وحذر القواسمي، أن كل من يشارك في هذا المؤتمر إنما يضع نفسه في دائرة الشبهات وخانة المشاركين في تحقيق أهداف إسرائيل. وعد القواسمي أن المؤتمر فاشل سلفا. مضيفا: «سيلحق العار بكل من دعا إليه أو شارك أو دعم مثل هذه اللقاءات التي تتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية».
كما حذر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني، من خطورة المؤتمر ووصفه بالمشبوه.
وقال مجدلاني إنه «يسعى إلى ضرب وحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، ومحاولة لنقل الانقسام للخارج وزرع بذور الفتنة والانشقاق». ورأى مجدلاني أن المؤتمر الذي يهدف إلى خلق أطر بديلة عن المنظمة لتعبر عن الفلسطينيين في أوروبا هو حصيلة تجمعات سنوية تعقدها حركة الإخوان المسلمين وحركة حماس في أوروبا تحت شعار ما يسمى «حق العودة». لكن حماس نفت أنها تقف خلف المؤتمر، في الوقت الذي أيدته بقوة. وأصدرت الحركة ومسؤولون فيها بيانات تأييد للمؤتمر. وأشاد الناطق باسم حماس حسام بدران، بالمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الذي انطلقت فعالياته في مدينة إسطنبول التركية، ووصفه بأنه خطوة استراتيجية ستعيد الزخم للقضية الفلسطينية.
وقال بدران في تصريح مكتوب «إن مطلب المجتمعين في المؤتمر بتفعيل دور فلسطينيي الخارج في المشهد السياسي الفلسطيني، مطلب محق في ظل ما يعانيه فلسطينيو الشتات من التهميش، رغم حضورهم المتميز وطنيًا وتمسكهم بحقهم في العودة إلى ديارهم». وعد بدران المؤتمر «بمثابة بيعة جديدة من فلسطينيي الخارج بتمسكهم بحقهم في العودة إلى أرضهم، وإلى وحدتهم مع أبناء شعبهم في الداخل في مواجهة الاحتلال والعمل موحدين على تحرير الأرض والمقدسات والأسرى». وشكر الناطق باسم حماس القائمين على المؤتمر الشعبي؛ لما لهم من دور في التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني ولحمته في الداخل والشتات، في حين حيّا الجماهير الفلسطينية المشارِكة. ومن المفترض أن تتواصل فعاليات المؤتمر حتى مساء اليوم (الأحد)، ويتخلله كلمات وأفلام وثائقية، وندوات سياسية وثقافية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.