خيار العودة يتلاشى أمام اللاجئين السوريين

بينما ينصرف العالم عن سبب معاناتهم

لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)
لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)
TT

خيار العودة يتلاشى أمام اللاجئين السوريين

لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)
لاجئ سوري يحاول إصلاح «بيته» المؤقت في منطقة عنجر اللبنانية (نيويورك تايمز)

داخل الخيم المنتشرة عبر أرجاء الحقول والقرى في سهل البقاع في شرق لبنان، يعكف لاجئون سوريون على حفر آبار مياه وصب أعمدة خراسانية وتركيب مواسير للصرف الصحي وأسلاك كهرباء تحت الأرض، في الوقت الذي يشرعون فيه في بناء شركات وتكوين أسر جديدة.
أما الأمر الوحيد الذي لا يقدمون عليه، فهو اتخاذ استعدادات للرحيل الجماعي، رغم مناشدات مسؤولين سوريين ولبنانيين لهم للعودة إلى وطنهم، ويدعي المسؤولون أن ثمة تحسنا ملحوظا على صعيدي الأمن والسلامة داخل سوريا وأن الوقت قد حان قد يعود اللاجئون لوطنهم.
ومع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات في جنيف، الخميس، طرح عدد من اللاجئين السوريين وقع الاختيار عليهم بصورة عشوائية، أجرينا معهم لقاءات داخل منطقة البقاع هذا الأسبوع، وجهات نظرهم حيال الواضع الراهن. وأشار هؤلاء إلى أن ديارهم إما تعرضت للدمار أو ما تزال غير آمنة، وأعربوا عن مخاوفهم من إلقاء قوات الأمن القبض عليهم حال عودتهم إلى الوطن. كما أشاروا إلى أنهم مدركون أنه رغم التقدم الميداني الأخير الذي حققته القوات الموالية للنظام، فإن أعمال القصف والقتال ما تزال مستمرة. وعليه فإنهم قرروا البقاء في لبنان.
جدير بالذكر أن ما يقدر بنحو 1.5 مليون سوري لجأوا إلى لبنان، ليشكلوا بذلك قرابة ربع إجمالي سكان البلاد، تبعًا لما أفاده مسؤولون ومنظمات إغاثة. والملاحظ أن ثمة اعتقادًا واسع النطاق داخل لبنان بأن اللاجئين يشكلون عبئًا على اقتصاد البلاد وبنيتها الاجتماعية.
واللافت أنه بعد مرور قرابة ست سنوات على اشتعال حرب بدأت بشن حملة إجراءات أمنية قاسية ضد مظاهرات مناهضة للرئيس بشار الأسد، بدأت الآن بعض الدول التي كانت حريصة من قبل على رحيله في تركيز اهتمامها على احتواء أزمة اللاجئين وإنزال الهزيمة بتنظيم داعش، بجانب استعدادها للنظر في تسوية تسمح للأسد بالبقاء في السلطة.
والمعروف أن الكثير من الدول الغربية استثمرت في الآمال المبهمة المرتبطة بإمكانية التوصل إلى مثل هذه التسوية، بغض النظر عن مدى هشاشتها أو سطحيتها، سعيًا للحيلولة دون تفاقم الأزمة السورية على نحو خطير والتخفيف من حدة المخاوف إزاء إرهاب تنظيم داعش، الأمر الذي أسهم نهاية الأمر في صعود تيار اليمين السياسي.
علاوة على ذلك، فإن مثل هذا الوضع يجعل لكثرة من الدول مصلحة قوية وراء إعلان سوريا آمنة للعودة، حتى دون تسوية القضايا السياسية التي أشعلت الصراع من البداية، بما في ذلك انتهاكات حقوق الإنسان من قبل سلطات النظام السوري.
والمؤكد أن الأسد ومسؤولين سوريين وحلفاءهم في لبنان يرصدون هذا المزاج العام. ويذكر أن أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله، دعا لعودة المهاجرين، في الوقت الذي دعا حليفه فيه الرئيس اللبناني ميشال عون القوى العالمية لتيسير عودتهم.
ومع ذلك، فإنه داخل مستوطنة من الخيام في قرية الصويري، أوضح سوريون أنه لن يفلح اتفاق يعد بالنسبة لهم بمثابة ورقة توت، ولا نصر واضح وصريح لقوات النظام في دفع الكثيرين منهم للعودة إلى سوريا.
والملاحظ أن جميع الأسر التي التقيناها كان فيها فرد واحد على الأقل من أبنائها قد اختفى أو ألقي القبض عليه أو جرى تجنيده قسرا من قبل النظام. كما ذكر لاجئون أنهم لا يعبأون كثيرًا ببقاء أو رحيل الأسد بقدر ما يهتمون بإصلاح النظام الأمني، مشددين على أنه من دون وضع نهاية للتعذيب وأعمال الاختفاء والاعتقال العشوائي، سيبقى بداخلهم دومًا الخوف إزاء العودة. وأكد جميعهم تقريبًا على أن حلم العودة ما يزال يداعب خيالهم، لكنه يبدو على نحو متزايد حلمًا لن يتحقق إلا مع الجيل القادم. وعلى سبيل المثال، أكد خالد خضر(23 سنة) والذي أمضى أربعة أيام في أحد السجون اللبنانية لتسلله عبر الحدود، أنه: «إذا خيرني الرئيس اللبناني بين البقاء في السجن هنا إلى الأبد أو العودة إلى سوريا، سأختار السجن». واستطرد «إنهم لم يعذبوني أو يضربوني. وكان هذا أمرًا جيدًا. أما في سوريا، فإنه حال القبض عليك، تختفي إلى الأبد».
يذكر أن خضر مطلوب لدى السلطات السورية لهروبه من الجيش السوري عام 2012، ويطرح خضر سببين وراء إقدامه على ذلك: الفزع الذي تملكه حيال المشاركة في قصف ضاحية بابا عمرو الثائرة بمدينة حمص، بجانب تلقيه تهديدات من مسلحين ينتمون لمسقط رأسه.
من ناحيته، تعهد الأسد بالعفو عن الجنود الفارين من الجيش، لكن خضر قال إن ابن عم له صدق هذا العرض فتعرض للاعتقال داخل سوريا منذ خمسة شهور وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين.
وأكد خضر أن السبيل الوحيد لعودته توافر ضمانات دولية تضمن سلامته. ولدى سؤاله حول كيفية تنفيذ ذلك، ابتسم وأجاب: «لا أدري. ولهذا فقدت الأمل».
من ناحية أخرى، يعتبر هذا المعسكر الخاص باللاجئين والواقع قرب الحدود السورية أفضل من كثير من المعسكرات الأخرى، ذلك أنه يخلو من المصارف الصحية المفتوحة أو أكوام المخلفات التي تعج بها معسكرات أخرى. كانت قرابة 40 أسرة قد استأجرت قطعًا من الأرض من محمود حسين الطحان، الذي قال إن المال الذي حصل عليه يكافئ تقريبًا ما كان يجنيه من وراء زراعة الطماطم والباذنجان بالأرض ذاتها.
داخل المعسكر، تندر فرص العمل، وتعتبر غالبية الأسر مدينة للطحان. وحسب عامل إغاثة على اطلاع بالأوضاع داخل المخيم فإن نسبة قليلة فقط من الأطفال يرتادون المدارس، بينما دفع الآباء والأمهات البعض الآخر للعمل في الحقول.
داخل الخيمة التي يسكن فيها خضر ويشترك فيها مع ثمانية آخرين من أقاربه، بينهم زوجته وثلاثة أطفال، يوجد جهاز تلفزيون وموقد وأرضية إسمنتية. أما منزله في سوريا، فقد تعرض للدمار.
وعن ذلك، قال: «لا أهتم بأمر المنزل»، مضيفًا أنه لو كان يضمن سلامة أسرته «لقبلت العيش في خيمة كهذه في سوريا». إلا أنه بدلاً عن ذلك، ما يزال لاجئون جدد يفدون إلى لبنان.
من ناحيته، فر مصطفى سليم (19 سنة) من سوريا برفقة والدته وأشقائه فقط، الخريف الماضي، إذ كانت المعارك قد اندلعت قرب منزله، وألقي القبض على أحد أشقائه وأجبر على التجنيد في صفوف الجيش أثناء توجهه إلى الجامعة. والآن، لا يعلمون ما إذا كان حيًا. وقال سليم: «يكذب النظام عندما يقول إن الوضع آمن. كي تضمن البقاء على قيد الحياة في سوريا، يجب أن تكون جنديًا، لكن من المستحيل ضمان ذلك لو كنت مدنيًا. وإذا التحقت بالجيش فإنك في النهاية إما قاتل أو مقتول».
ومع ذلك، يعكف بعض اللاجئين على بناء حياة جديدة لهم، مثل نعمة قاسم (38 سنة) الذي يستأجر شاحنة ويقودها من معسكر لآخر لبيع الخضراوات واللبنة لغير القادرين على الوصول إلى الأسواق. وبالفعل، يجني ما يكفي من مال لاستئجار غرفة على مسافة قصيرة من إحدى المدارس.
لكنن ومع هذا، فإن نجله البالغ 9 سنوات لم يتعلم القراءة بعد. وأعرب قاسم عن اعتقاده بأن المدارس اللبنانية نقلت أسوأ مدرسيها إلى النوبات الليلية المكتظة بالسوريين.
من جانبه، أبدى الطحان، الذي حاول رسم صورته كرجل إحسان يعطف على اللاجئين، رفضه لفكرة أنهم يضرون باقتصاد البلاد ويشكلون عبئًا على الخدمات الاجتماعية، متهمًا الحكومة باختلاق هذه الفكرة للحصول على مزيد من المال من الأمم المتحدة.
وتابع الطحان إن اللاجئين يفيدون اللبنانيين من أصحاب المولدات الكهربائية التي يستعين بها اللاجئون في الحصول على الطاقة الكهربائية، وأصحاب المتاجر الذين ينفق اللاجئون لديهم كوبونات الغذاء التي يحصلون عليها من الأمم المتحدة، وملاك الأراضي الذين يجدون في اللاجئين عمالة زهيدة التكلفة. في الواقع، هذه هي الرؤية التي تطرحها منظمات دولية تؤكد أن العبء الناجم عن استضافة لاجئين يجري تعويضه في الجزء الأكبر منه في صورة الزخم الاقتصادي الذي يوفره اللاجئون، ناهيك عن مساعدات دولية بلغت 1.9 مليار دولار عام 2016 فقط، حسبما أعلنت الأمم المتحدة. من ناحيته، قال الطحان إنه بناءً على تجربته مع الحرب الأهلية اللبنانية، فإنه يعتقد أن السوريين سيبقون داخل لبنان لسنوات. وتابع «كان لدينا المئات من مؤتمرات جنيف قبل نهاية الحرب، وحتى بعد مرور سنوات على نهايتها ما تزال الأوضاع غير جيدة». داخل المعسكر، لم تثر أنباء عقد جولة جديدة من المفاوضات في جنيف أملا يذكر في صفوف اللاجئين، الذين قالوا إنه لا أحد من مفاوضي الحكومة أو المعارضة يمثلهم.
*خدمة: «نيويورك تايمز»



«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.