العنصرية... أداة هيمنة ثقافيّة

عن الجذور التاريخيّة للظاهرة وارتباطها بتطور الرأسمالية

مشهد من فيلم «الجذور»
مشهد من فيلم «الجذور»
TT

العنصرية... أداة هيمنة ثقافيّة

مشهد من فيلم «الجذور»
مشهد من فيلم «الجذور»

عادت قضيّة «العرق» العنصريّة لتحتل عناوين الأخبار وتشغل فضاءات النقاش العام ذلك بعد انحياز الأغلبيّات في دول العالم الغربي لسياسيين شعبويين وسياسات انعزالية، فكان أن انتخب الأميركيون الرئيس دونالد ترمب، وصوت البريطانيون لمصلحة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وأصبح السياسيون اليمينيون قريبين أكثر من أي وقت مضى لتولي السلطات بعد أي انتخابات عامة قادمة في فرنسا وربما في ألمانيا. لم يكد الرئيس الأميركي الجديد يتولى مهام منصبه حتى أصدر قرارات مثيرة للجدل حظر فيها دخول البلاد على مواطني سبع دول إسلاميّة كبرى واستأنف العمل باستكمال بناء الجدار الأميركي العازل مع الجارة الجنوبيّة - المكسيك.
هذه الاستعادة لأجواء الفصل العرقي والتمييز العنصري التي ادعى الغرب في عصوره الليبراليّة والنيوليبراليّة أنه تجاوزها لمصلحة القرية المعولمة الواحدة التي تقبل الجميع ما داموا خاضعين جميعهم للمنظومة الرأسماليّة العابرة للحدود، إنما تؤكد على حقيقة أن الثقافة الغربيّة ما تزال عموما مسكونة بهواجسها العرقيّة القديمة وغير قادرة على تمثل فكرة وحدة العرق البشري رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على السقوط «العلمي» النهائي لكل نظريات الفصل العنصري مع نهاية الحرب العالميّة الثانيّة وانكسار الفاشيات الأوروبيّة الحديثة.
ظاهرة كراهيّة الأجانب - النابعة أساسًا من الجهل والخوف - وجدت لا شك منذ تشكل المجموعات الإثنيّة، لكن علم الأحياء المعاصر لا يعترف بأي تقسيم للبشر إلى أعراق مختلفة، ومنظوره أن البشريّة هي عرق إنساني واحد فقط وإن تعددت فئاتهم التاريخيّة والثقافيّة وحتى الشكليّة نظرًا لتنوع بيئاتهم الحضاريّة والمناخيّة والجغرافيّة. لا شك هذا أمر أساسي لفهم العنصريّة، «إذ ليس المهم الاختلاف بحد ذاته»، يقول جون ستوري مؤلف كتاب النظرية الثقافية والثقافة الشعبيّة، و«لكن في كيفيّة جعله ذا دلالة من حيث الهرميّة الاجتماعيّة والسياسيّة». فالاختلافات لا تصدر معاني، بل إن المعنى مضاف عليها من قبل صانعي الهيمنة الثقافيّة في المجتمع، وهي بالتالي ليست حتميّة من دون أدنى شك، بل نتاج تفاعلات السياسة والسلطة والثقافة في مناخ فكر محدد. العنصريّة كمنتج آيديولوجي هي ما يبقي مفهوم العرق حيًّا.
تاريخيًّا تبدو جذور العنصريّة المعاصرة مرتبطة على نحو وثيق للغاية بتطور الرأسماليّة والاتجاهات السياسيّة المحافظة في مدارسها المختلفة. يقول بول جيلروي: «يجب أن يشكّل العرق أو يبنى اجتماعيا وسياسيا، وأنه في الحقيقة قد بُذل جهد آيديولوجي موجه هائل لبناء العرقنة التي ميزت تطور الرأسماليّة والمحافظة». لكن خطورتها كمنت دائمًا، كما يضيف، «في النفوس الجبانة التي استسلمت للفكرة العنصريّة كمفهوم سهل مقارنة بالجهد الخلاق المطلوب لتخيّل عالم أكثر عدالة مطهّر من الهرميّة العنصريّة».
يشير ستيوارت هول في دراسته عن تمثيل الآخر إلى أنه كانت هنالك ثلاث لحظات فاصلة رئيسة مترابطة معًا في تاريخ العرق والعنصريّة بالغرب تمحورت أولها حول تجارة العبوديّة والرقيق، وثانيها حول مرحلة الإمبرياليّة والاستعمار وآخرها كان هجرة ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة إلى الغرب بعد سقوط الاستعمار الغربي التقليدي. ويبدو أننا نعيش اليوم أجواء مرحلة رابعة تستعيد تلك الأجواء المسمومة التي كلفت البشريّة ملايين الأرواح وأكوامًا من العذابات والآلام.
كان الإنجليز بالذات رواد صناعة العنصريّة، إذ ما إن بدأت تجارة الرقيق الإنجليزيّة لاستخدامهم في مزارع السكّر والصناعات التحويليّة المتعاظمة بشكلِ ربحي متشابك حتى بدأ العمل الثقافي المؤدلج الدؤوب للدفاع عن هذه المنظومة التي تدر ذهبًا على رأس المال. وتبدو النصوص الأولى المؤسسة للعنصريّة سافرة في استعلاء الأوروبي ضد الآخر المختلف، فكتب إدوارد لونغ عام 1774 تاريخه لجامايكا منطلقًا من تقسيم نهائي ومطلق بين السود والبيض، جاعلاً السود عرقًا أقرب للأورانج أوتان منه لذوي البشرة البيضاء. وكتب أيضًا تشارلز وايت عام 1792 متحدثًا عن تفوق فطري للعرق الأبيض على أشكال البشر الآخرين. وهناك نصوص أخرى بذات الفترة واضحة في تحذيرها من تسرّب الأعراق الأخرى إلى إنجلترا بغية «الحفاظ على عرق البريطانيين من الاتساخ والتلوث» وكي لا تصبح «الأمة كلها شبيهة بالبرتغاليين والموريسكيين الأندلسيين في لون البشرة وانحطاط العقل». وذهبت رسالة نشرت في صحيفة لندنيّة رئيسيّة عام 1764 إلى الدعوة لتطبيق «حظر على استيراد المزيد منهم - أي العبيد - كبعض العلاج الاقتصادي، لأنهم يأخذون مواقع الكثيرين من أبناء شعبنا فيحرمونهم كسب خبزهم، وبالتالي نقلل من نسبة السكان الأصليين لمصلحة عرق يعيبنا الاختلاط به».
هذه المرحلة التأسيسية للعنصريّة داخل الثقافة الغربيّة في موازاة نشأة النظام الاقتصادي الرأسمالي المعاصر جعلت من انطلاق النشاط الإمبريالي الأوروبي لاستعمار العالم لا أمرًا منطقيًّا فحسب، بل واجبا مقدسًا في خدمة الرب. فانتشار الأفكار العنصريّة «لم يكن وقتئذ مقصورًا على حفنة من المهووسين»، فعليًّا فقد «كان كل عالم ومفكر بريطاني في القرن التاسع عشر يعتبر أنه من المسلمات كون ذوي البشرة البيضاء وحدهم دون البشر لديهم ملكة التفكير والحكم» كما يقول جون ستوري، وهو أمر استمر في بدايات القرن العشرين. وعن ذلك كتب إدوارد سعيد في كتابه الثقافة والإمبريالية يقول: «إن إحدى الحقائق المؤلمة التي اكتشفتها جراء عملي على هذا الكتاب هي ندرة المثقفين والفنانين الفرنسيين والبريطانيين الذين اعترضوا على مفاهيم مثل الأعراق الخاضعة والأدنى مكانة التي طبقها وعمل بها موظفو الاستعمار في حكمهم للجزائر أو الهند باعتبارها حقائق بديهية». واعتبر سعيد أن نظرة الغرب الدونيّة إلى الشرق (الآخر والمختلف) - وهو ما أطلق عليه مصطلح الاستشراق - كانت جزءا هامًا لا يتجزأ في تكوين الشخصيّة الغربيّة ذاتها وذلك من خلال تناقض الصورة والفكر والشخصية والتجربة. وقد أفضت هذه الثقافة المتمحورة حول كراهية الآخر تجارب الفاشيّة الأوروبيّة التي لم تنقضِ إلا بعد أن أفنت أوروبا أرواح عشرات الملايين من شبانها في حروب عبثيّة.
الأميركيون تشربوا - وهم كانوا في غالبيتهم مهمشي أوروبا ومغامريها - منذ حروب الإبادة ما قبل حرب الاستقلال كل موبقات التفكير العنصري من جذورهم الأوروبيّة، وليس ثمة أميركي واحد - يقول سعيد - يتمتع بالمناعة من هذه المشاعر: نحن الأولون، نحن رمز الحرّية والنظام، ومن المحتم علينا أن نتولى قيادة العالم!
أخذت عنصريّة الغرب ضد الآخر داخل الحدود بالتراجع تدريجيًّا منذ الخمسينات - على الأقل من حيث الشكل -، إذ غن نضالات السود والأقليات بدأت تثمر إنجازات في مجالات قانونيّة وإجرائية تعيد الاعتبار لأحفاد الأجيال المضطهدة، بينما وجدت المشاعر العنصريّة ضد الآخرين ملعبها في جمهور المهاجرين الجدد الذين تدفقوا على الغرب بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية أساسًا من العالم الثالث ولاحقًا من العالم الثاني بعد تفكك المنظومة السوفياتيّة وحلف وارسو لأسباب اقتصادية غالبًا.
وفي ظل العولمة المتزايدة وانتصار النيوليبرالية في الّربع الأخير من القرن العشرين فإن العنصريّة تحولت إلى نموذج عزل اقتصادي لقطاعات واسعة من المهمشين والفقراء والأقل حظًا كان أكثرهم بحكم بنية المجتمعات من الأقليات والمهاجرين والسود، لكن قطاعًا كبيرًا أيضًا من ذوي البشرة البيضاء وقعوا في ذات العزلة، وهؤلاء هم الكتلة التي كان هدفا سهلاً للسياسيين الشعبويين على جانبي الأطلسي استنفارهم ضد الفقراء الآخرين، ودائمًا لخدمة الرأسماليين، باستخدام الرّصيد التاريخي الذي لم ينته يومًا من العنصريّة البغيضة.
وعنصريّة اليوم نتاج تراكمي لتجربة تاريخيّة من قبل النخبة هناك في بناء مشاعر الكراهيّة ضد الآخر كجزء من منظومة العمل الآيديولوجي المتكامل والموجه لضمان استمرار الهيمنة السياسيّة والاقتصادية على الطبقات الأخرى وبقيّة العالم. لذلك ربما من السذاجة بمكان أن نتفاجأ بما يحدث في الأجواء السياسيّة الآن. المفاجأة ستكون لو يمتلك الغرب الشجاعة الأدبيّة فعلاً لتجاوز كل هذا التراث البغيض.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».