اجتماعات الريحانية تنتهي بتشكيل لجنة لحل الخلافات بين الكتائب المقاتلة ورئاسة أركان «الحر»

أبو طلحة قائد «أحرار الشام» لـ {الشرق الأوسط} : هيئة الأركان لا ترقى إلى طموحاتنا

مقاتل يجهز سلاحه في حلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتل يجهز سلاحه في حلب أمس (أ.ف.ب)
TT

اجتماعات الريحانية تنتهي بتشكيل لجنة لحل الخلافات بين الكتائب المقاتلة ورئاسة أركان «الحر»

مقاتل يجهز سلاحه في حلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتل يجهز سلاحه في حلب أمس (أ.ف.ب)

بعد لقاءات استمرت يومين مع وزير الخارجية القطري خالد العطية، التقى قادة الفصائل الإسلامية السورية المسلحة قيادة هيئة أركان «الجيش الحر» التي يرأسها اللواء سليم إدريس في اجتماع مهم بالريحانية، أمس، على الحدود التركية - السورية، لإيجاد صيغة تفاهمات بين الطرفين بعد تهديد عدد من تلك الفصائل بسحب اعترافها بهيئة أركان «الجيش الحر» والهيئة السياسية المتمثلة بالائتلاف السوري.
وانتهى الاجتماع بلا نتائج حاسمة، إذ قرر الطرفان تشكيل لجنة للحوار تضم ممثلين عن كل طرف. وقال موسى حمدو، القيادي في كتائب «شهداء سوريا»، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة ستجتمع في الأيام القليلة المقبلة لحسم الخلافات. وأضاف: «تريد الكتائب الإسلامية فرض بعض الشروط أو الانسحاب من الأركان، هذا غير مقبول، نحن (الجيش الحر) أيضا لنا شروطنا».
وبحث اجتماع الريحانية مصير انضواء تلك الفصائل تحت مظلة هيئة الأركان أم انفصالهم عنها لتشكيل قيادة عسكرية جديدة تمثل نحو عشرين من الفصائل الإسلامية الأكثر نفوذا على الأرض.
‫في وقت أعلن فيه عبد الجبار العكيدي، رئيس المجلس العسكري التابع لهيئة الأركان في حلب، استقالته، بعد سقوط بلدة السفيرة في أيدي النظام السوري أخيرا، يعتقد أن علاقة الأخير المميزة بالكتائب الإسلامية، وخصوصا الحاج مارع (عبد القادر صالح)، ستدفعه إلى الانضمام للتشكيل الجديد المزمع في حال لم تحل الإشكالات بين الجانبين.
وتعتقد هذه الفصائل أنها تستحق دورا عسكريا وسياسيا أكبر في المرحلة المقبلة في سوريا استنادا إلى وزنها في الداخل، حسبما يقول قادتها. كما تدور الخلافات حول التمويل وتنسيق العمليات العسكرية على الأرض واتخاذ القرار السياسي والتمثيل الدولي، مما دفع تلك الكتائب إلى توحيد موقفها بالضد من هيئة الأركان وائتلاف المعارضة بقيادة الشيخ أحمد الجربا.
و‫يقود تحركات هذه الفصائل أربعة زعماء بارزين لكتائب الثوار في دمشق وحلب وإدلب والرقة، وهم: زهران علوش قائد «لواء الإسلام» في ريف دمشق، وحاج مارع (عبد القادر صالح) قائد «لواء التوحيد» في حلب، وعيسى الشيخ قائد «صقور الشام»، وأبو طلحة القائد العسكري لـ«أحرار الشام» كبرى فصائل الإسلاميين المسلحة، الذي التقته «الشرق الأوسط» قبل ساعات من الاجتماع الحاسم مع قيادة هيئة أركان «الجيش الحر» في الريحانية.
وينظر إلى «أحرار الشام» على أنه أكبر فصيل عسكري معارض عدة وعددا في سوريا، يشمل فصيلا عسكريا وهيئة إغاثة هي الأكبر. علاوة على وحدات هندسية، يطلق عليها «مؤسسة الأحرار». كما يتولى التنظيم تسليم الموظفين الحكوميين رواتبهم في مدينة الرقة، حسب قادته.
‫كما ينظر البعض إلى قادته السياسيين مثل حسان عبود، والعسكريين كابو طلحة، بأن لهم «مصداقية كبيرة» ‫في أوساط الحراك الثوري في الداخل منذ بدايته، إذ يحتفظون بتاريخ من المعارضة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.
ويقول أبو طلحة لـ«الشرق الأوسط» حول الخلافات مع هيئة الأركان إن «هيئة الأركان بنيت في ظروف غير طبيعية وغير صحية وأنتجت هيئة لا ترقى لطموحاتنا».
والخلافات مع الأركان ليست جديدة، لكن الجديد هو التوجه المعلن لهذه الفصائل بالانفصال عن هيئة الأركان بشكل كلي. وأمضى قادة الفصائل العشرين الأيام الأخيرة في تركيا للتجهيز لهذا الكيان العسكري الجديد إن لم تفلح محاولاتهم في تعديل بنية مجلس قيادة الأركان بقيادة اللواء سليم إدريس.
‫ولا يتوقف الأمر فقط عند الكيان العسكري المزمع، بل يتعداه لتشكيل كيان سياسي يراد له تمثيل الثورة السورية في الخارج، بحسب أبو طلحة الذي قال: «إن لم تحل خلافاتنا مع (الأركان) و(الائتلاف)، فإننا سنشكل جسما عسكريا جديدا وجسما سياسيا جديدا. وسيكون الجسم السياسي الممثل الحقيقي لأهلنا في الداخل».
و‫قد تبدو هذه التصريحات صادمة فيما يتعلق برفض الهيئة السياسية؛ أي الائتلاف السوري المعارض الذي يمثل الثورة السورية في الخارج، لكنها في الواقع تستند إلى قوة وتأثير هذه الفصائل، كما أنها تستفيد من أجواء الإحباط المتنامي في المناطق المحررة الناتج عن عجز السياسيين في الخارج عن تحقيق أي إنجازات للثورة السورية.
ويقول أبو طلحة: «(الائتلاف) لا يمثل إلا نفسه والدول الداعمة له. نحن نعتبر أنفسنا الممثل الحقيقي للثوار».
‫ ‫ومع أن «أحرار الشام» فصيل مقرب من الدول الداعمة كقطر وتركيا لنفوذه الكبير داخل المناطق المحررة، إلا أنه يرفض «أن يكون محسوبا على أي دولة»، كما يقول أبو طلحة.
‫كما أن فصيل «أحرار الشام» كغيره من الفصائل ذات التوجه السلفي ترفض حتى أن تعتبر ضمن تشكيلات الجيش السوري الحر.
وتشير الوقائع على الأرض إلى وجود ثلاثة تقسيمات للفصائل السورية المعارضة:
‫الأولى: ‫الموالية لقيادة الأركان في «الجيش الحر»، كلواء «أحرار سوريا» في حلب، و«كتائب شهداء سوريا» و«الفاروق» (الفصيل الثاني) ومعظم فصائل حمص وريفها ودرعا. وهي فصائل إسلامية في لونها العام، ولكنها أقل راديكالية ولا تطالب بالضرورة بإقامة دولة إسلامية.
‫الثانية: الفصائل الإسلامية التي يغلب عليها التوجه السلفي وتطالب بإقامة دولة إسلامية، وهي تمثل القوة الأكبر على الأرض؛ مثل: «أحرار الشام»، و«لواء التوحيد»، و«صقور الشام»، و«لواء الإسلام»، و«أحفاد الرسول».
‫وقادة هذه الفصائل الإسلامية، ومعظمهم من السلفية الجهادية، تربطهم أواصر مشتركة (من أيام سجن صيدنايا الشهير وباقي سجون ومعتقلات الأفرع الأمنية)، وباتوا فعليا يشكلون حالة مستقلة عن هيئة الأركان التي يرأسها اللواء سليم إدريس. ويقودون ‫أهم الفصائل العسكرية ذات التوجه الإسلامي التي تشكل ‫اللون الغالب لفصائل المعارضة المسلحة ‫في سوريا، ‫ولهم قياداتهم العسكرية التي تعمل على الأرض دون التنسيق بالضرورة مع المجالس العسكرية التابعة لهيئة الأركان المرتبطة بالائتلاف السوري المعارض (رغم أن عددا من هذه الفصائل لها ممثل في مجلس قيادة الأركان كـ«لواء التوحيد» و«أحرار الشام» و«صقور الشام»). ‫كما أن هذه الفصائل تتلقى التمويل الداخلي والخارجي في معظم الأحيان بمعزل عن هيئة الأركان.
‫ومحليا، تحكم تلك الفصائل الإسلامية سيطرتها على معظم المناطق المحررة في ريف دمشق وحلب وإدلب والرقة ‫وريف حماه. وتتولى إدارة تلك المناطق ضمن مجلس مشترك هو (الهيئة الشرعية). إذ تقوم تلك الهيئات بدور السلطة القضائية العليا التي تدير شؤون المدن المحررة، ‫ويمثل كل فصيل بقاض شرعي.
‫وترى تلك الفصائل أنها نجحت إلى درجة ما في تجربة الهيئات الشرعية في حلب وإدلب، إذ تكفلت بالسيطرة على تجاوزات بعض مجموعات المعارضة المسلحة غير المنضبطة التي ضاق بها الناس في المناطق المحررة وباتت تسيء إلى الثورة السورية جراء ارتكابها بعض الانتهاكات بحق المواطنين من اعتداءات وسرقة للمال العام.
‫الثالثة: الكتائب ‫الإسلامية المتطرفة كـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، و«جبهة النصرة». و(داعش) في خلاف كبير مع باقي الفصائل، وعلى رأسها السلفية الجهادية، ‫ووصلت الخلافات مع الفصائل الإسلامية وتنظيم «داعش»، وأغلب مقاتليه من الأجانب، إلى حد الاقتتال. إذ قتل تنظيم «داعش» أبو عبيدة المسؤول الإغاثي لـ«أحرار الشام» وما زالت الأزمة تتفاقم بين تلك الفصائل.
‫بل إن الخلافات بين السلفية الجهادية في سوريا وبعض القادة السوريين في «داعش» بدأت من أيام سجن صيدنايا في التمرد الشهير عندما عد التكفيريون كل من يسلم نفسه للنظام من عناصر السلفية الجهادية «كافرا».
‫ويعلق أبو طلحة على هذه الخلافات بين الفصائل بالقول: «المشكلة الأساسية ما زالت هي التقاتل على السيادة الذاتية للفصائل»، مشيرا إلى أن النزاعات أنهكت الثوار وسمحت للنظام بالتقدم على أكثر من جبهة، خصوصا في حلب.
‫ولكن أبو طلحة يبدو واثقا بقدرة الثوار على مواجهة التقدم الملحوظ لقوات النظام. ويقول: «مع أننا نقاتل ست دول على الأرض إلا أن النظام لا يستطيع الحسم، ولا يستطيع استرجاع ما فقده، فقط يحاول استرجاع طرق إمداد وتحقيق انتصارات رمزية. ‫النظام بحاجة لجيش آخر جديد لاستعادة ما فقده».
‫ويحاول قادة الفصائل تقديم خطاب أكثر اعتدالا فيما يتعلق بالعلاقة مع القوى الدولية. ففي اجتماعهم الأخير مع وزير الخارجية القطري العطية، تركوا الباب مفتوحا لإمكانية إجراء حوارات مع القوى الدولية، مع أنهم لم يتراجعوا عن قرارهم برفض مؤتمر جنيف وتخوين من يشارك فيه من الساسة. ويصر أبو طلحة على أنه «لا حل سياسيا سلميا إلا برحيل بشار الأسد».
‫ويضيف مبررا إصراره على رفض مؤتمر «جنيف 2» ما لم يتضمن رحيل الأسد قائلا: «نحن من يملك الأرض ونحن من يملك القرار السياسي».



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended