اعتقال العقل المدبر لهجوم رأس السنة في إسطنبول

منفذ العملية مشاريبوف يقول إنه لم يعرف من بالداخل وإنه استهدف المسيحيين

إجراءات أمنية تركية مكثفة قبل بدء حملات الدعاية للاستفتاء على الدستور («الشرق الأوسط»)
إجراءات أمنية تركية مكثفة قبل بدء حملات الدعاية للاستفتاء على الدستور («الشرق الأوسط»)
TT

اعتقال العقل المدبر لهجوم رأس السنة في إسطنبول

إجراءات أمنية تركية مكثفة قبل بدء حملات الدعاية للاستفتاء على الدستور («الشرق الأوسط»)
إجراءات أمنية تركية مكثفة قبل بدء حملات الدعاية للاستفتاء على الدستور («الشرق الأوسط»)

أعلنت السلطات التركية القبض على فرنسي من أصل تركي، قالت إنه أحد العقول المدبرة التي خططت للهجوم الإرهابي على نادي «رينا» في منطقة أورتاكوي في إسطنبول ليلة رأس السنة الذي أوقع 39 قتيلا و65 مصابا غالبيتهم من العرب والأجانب ونفذه الداعشي الأوزبكي عبد القادر ماشاريبوف، وكنيته «أبو محمد الخراساني».
وأعلنت النيابة العامة بمحافظة بوردور جنوب غربي تركيا أمس الثلاثاء القبض على (أ.س) وهو مواطن فرنسي من أصل تركي قبل يومين، وتم العثور بحوزته على عقد إيجار المنزل الذي قبض فيه على الإرهابي مشاريبوف في منطقة أسنيورت في إسطنبول في 16 يناير (كانون الثاني) الماضي.
وذكر بيان النيابة العامة أن الموقوف كان يقيم في فرنسا منذ عام 2009 وصدر قرار بالقبض عليه في العاشر من يناير الماضي للاشتباه بمشاركته في التخطيط للهجوم الإرهابي على نادي رينا في إسطنبول وأصدرت محكمة الصلح والجزاء قرارًا بحبسه على ذمة التحقيق. وكانت محكمة الصلح والجزاء في إسطنبول أصدرت السبت الماضي قرارا بإدانة مشاريبوف بتنفيذ الهجوم على نادي «رينا» ليلة رأس السنة بعد أن وجهت إليه تهمة القتل العمد لـ39 شخصا والانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي وحيازة سلاح بصورة غير شرعية والإضرار بالنظام النظام الدستوري للبلاد.
وعرض مشاريبوف، الذي نقل إلى سجن سيليفري شديد الحراسة في غرب إسطنبول على المحكمة مجددا، أول من أمس، حيث أدلى بإفادته أمامها مطالبا بأن تنزل بحقه عقوبة الإعدام غير المطبقة في تركيا.
وقال «سفاح رينا» أمام قاضي المحكمة، في إطار القضية التي يشرف عليها مدعي عام مكتب الجرائم المنظمة والإرهاب في إسطنبول جوك ألب كوتشوك، إنه عضو في تنظيم داعش، وإنه لم يشارك في أي عمل قبل الهجوم الذي نفذه في نادي «رينا»، وإنه أراد من خلال ذلك الهجوم «الانتقام من المسيحيين الذين يعملون القتل في العالم في يوم عيدهم».
ولفت مشاريبوف إلى أنه تلقى تعليمات الهجوم من منسق عمليات تنظيم داعش في تركيا، الموجود في سوريا، والملقب بـ«أبو جهاد»، وأن الهجوم «كان سينفذ ضد المسيحيين خلال احتفالات رأس السنة الميلادية في ميدان تقسيم وسط إسطنبول».
ولفت إلى أنه تلقى تدريبات على استخدام السلاح في أفغانستان، من قبل تنظيم «الجماعة المتشددة»، التابعة لحركة طالبان. وتوجه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2014 مع زوجته وأطفاله إلى مدينة سروان الإيرانية، ومكث فيها نحو عام واحد بغية التوجه إلى مناطق الصراع في سوريا، ثم دخل إلى ولاية فان الحدودية مع إيران في شرق تركيا مطلع عام 2016 بصورة غير شرعية، ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة إسطنبول، بهدف الانتقال إلى سوريا، لكنه لم يتمكن من ذلك، إلا أنه استمر في التواصل مع عناصر التنظيم في سوريا عن طريق برنامج «تليغرام»، دون أن يتواصل مع أي شخص داخل تركيا.
وتابع مشاريبوف أنه قبل أسبوع واحد من تنفيذ هجومه الإرهابي تلقى اتصالاً من «أبو جهاد» شرح له فيه ما يتعين عليه القيام به، وأن شخصًا ملثمًا أتى لمكان إقامته في كايا شهير بإسطنبول، وسلمه حقيبة فيها بندقية كلاشنيكوف وست خزن وثلاث قنابل يدوية وذخيرة.
وأضاف: «بعد تسلم الأسلحة طلب مني أبو جهاد أن أستكشف منطقة ميدان تقسيم لأنه سيكون المكان الذي ينفذ فيه الهجوم. وفي ليلة الهجوم؛ رأيت أن تنفيذ الهجوم في تقسيم ليس ممكنًا فالإجراءات الأمنية كانت مكثفة والشرطة منتشرة في كل ركن وزاوية، أخبرت أبو جهاد بذلك، وأضفت أني لن أنفذ أي هجوم إذا ما انقضت ليلة 31 ديسمبر 2016، وعلى إثر ذلك أرسل أبو جهاد عنوان رينا، و5 أو6 صور للمكان، ولم يقدم لي معلومات عن رواد المكان وجنسياتهم».
وأشار إلى أنه يعتقد أن أبو جهاد قوقازي وأنه فهم ذلك من لكنته الروسية، وهو من أعطاه تعليمات بمهاجمة ذلك الموقع (نادي رينا)، وزوده بالمال والسلاح عن طريق شخص ملثم لم ير وجهه. وتابع: «وصلت إلى باب رينا في تلك الليلة، لم يكن هناك أي من رجال الشرطة أو الأمن الخاص. عندما هممت بالدخول إلى المكان رآني أحد رجال الشرطة وفتح النار علي». وأشار إلى أنه كان ذاهبا للموت ولم يكن يفكر بالخروج حيًا، وأضاف: «بعد أن أطلقت النار على الشرطة، تطورت الأحداث بطريقة مختلفة. دخلت إلى المكان وبدأت أطلق النار عشوائيًا على الموجودين. كنت أريد قتل نفسي حتى لا يتم اعتقالي لكني لم أنجح. أود لو يصدر بحقي حكم بالإعدام». وعن كيفية خروجه من مكان الجريمة قال مشاريبوف: «غادرت المكان وحاولت أكثر من مرة أن أستقل سيارة أجرة لكن أحدًا لم يقبل أن أصعد إلى سيارته فوجهي كان متسخًا، إلى أن صعدت إلى إحدى سيارات الأجرة لكني لم أخبره عن وجهتي واكتفيت بالقول له أن يسير نحو الأمام». وتابع: «اشتبه سائق سيارة الأجرة بي، فنزلت منها... ذهبت وغسلت وجهي أولاً، وأوقفت سيارة أجرة أخرى بالطريقة نفسها وبدلت أربع سيارات أجرة حتى وصلت إلى منطقة زيتين بورنو، لم يتبق معي نقود، فرأيت شخصًا من أصل أويغوري لا أعرفه شخصيًا لكن أعرف أنه يعمل في أحد المطاعم؛ طلبت منه نقودًا لأدفع لسائق السيارة الأجرة فأعطاني».
وواصل مشاريبوف: «اتصلت بأبو جهاد عبر (تليغرام) فأرسل شخصا اصطحبني إلى إحدى الشقق ثم طلبت منه تبديل الشقة فبدلها لي. كانت الشرطة في كل مكان. أما الباقي فقد أخبرته للمدعي العام».
وكانت لائحة الاتهام أشارت إلى أن مشاريبوف، تم توقيفه بعد الهجوم مباشرة من قبل الشرطة وتظاهر حينها بأنه أحد ضحايا الهجوم على النادي، ووجه عناصر الشرطة له سؤالاً عما جرى داخل النادي، فأجاب بأن انفجارًا وقع في الداخل، ثم تُرك بعدها يذهب إلى حال سبيله، وعلى بعد مسافة قصيرة غادر المكان بواسطة سيارة أجرة.
وبحسب اللائحة تواصل مشاريبوف في 3 يناير مع «أبو جهاد» عبر «تليغرام»، من أجل تغيير سكنه في منطقة «صفا كوي» بإسطنبول، وأثناء عملية الانتقال إلى عنوان آخر في الشطر الآسيوي من المدينة، توقفت السيارة التي كانت تقل مشاريبوف في نقطة تفتيش للشرطة. وعلى إثر تعرف الشرطي على المهاجم الذي كان يجلس في المقعد الخلفي، قاموا بالفرار بسيارتهم، وبعد مطاردتهم، فتح الإرهابيون النار على سيارة الشرطة من النافذة الخلفية للسيارة التي يستقلونها، وتمكنوا من الفرار.
وبعد جمع فوارغ الرصاصات التي أطلقها ماشاريبوف في هجوم رأس السنة، والتدقيق بها، تبين أنها مصنوعة من الفولاذ، أي أنها رصاصات خارقة للستر الواقية والعربات غير المصفحة، ما يؤدي عند استخدامها إلى إصابة أكثر من شخص برصاصة واحدة.
في سياق آخر، واصلت قوات الأمن التركية حملاتها في أنحاء البلاد، التي تنفذها كإجراء استباقي لانطلاق حملات الدعاية للاستفتاء على تعديل الدستور التي تنطلق في 25 فبراير (شباط) الحالي استعدادا للاستفتاء الذي سيجري في 16 أبريل (نيسان) المقبل. وأعلنت الشرطة التركية أمس أنها اعتقلت أكثر من 600 شخص للاشتباه في صلتهم بحزب العمال الكردستاني ومنظمة صقور حرية كردستان. وقالت مصادر أمنية إن شرطة مكافحة الشغب احتجزت أمس 86 شخصا للاشتباه في صلتهم بحزب العمال الكردستاني، في مداهمات تمت عند الفجر في عدد من المحافظات في أنحاء تركيا إضافة إلى 544 آخرين ألقي القبض عليهم أول من أمس. واعتبر بيان صادر عن اللجنة التنفيذية لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد أن الهدف الأساسي لهذه العمليات هو إجراء الاستفتاء من دون حزب الشعوب الديمقراطي. وتتهم الحكومة التركية حزب الشعوب الديمقراطي، ثاني أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان، بأنه امتداد سياسي لحزب العمال الكردستاني، وينفي الحزب صلته المباشرة بحزب العمال الكردستاني، ويقول إنه يريد تسوية سلمية في جنوب شرقي تركيا ذي الأغلبية الكردية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...