الفلبين... لؤلؤة البحار الشرقية

طبيعة تجذب 5 ملايين سائح و«الخطوط السعودية» تقرب المسافات إليها

من معالم الفلبين السياحية - جانب من العاصمة الفلبينية مانيلا
من معالم الفلبين السياحية - جانب من العاصمة الفلبينية مانيلا
TT

الفلبين... لؤلؤة البحار الشرقية

من معالم الفلبين السياحية - جانب من العاصمة الفلبينية مانيلا
من معالم الفلبين السياحية - جانب من العاصمة الفلبينية مانيلا

في عام 2015 استقبلت الفلبين 5.4 مليون سائح من جميع أنحاء العالم، حضروا إليها للاستمتاع بطبيعتها الخلابة من شواطئ وجزر وغابات استوائية ومواقع غوص، بالإضافة إلى تراث حضاري تاريخي ومتنوع. وتطير الخطوط السعودية في رحلات من الرياض إلى مانيلا، مما يجعل اختيار الفلبين للسياحة من الأمور سهلة التحقيق.
وتعد السياحة من موارد الدخل الحيوية في الفلبين، حيث تساهم بنسبة 10.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وفقا لإحصاءات عام 2015. كما أنها مصدر رئيسي لتشغيل الأيدي العاملة في البلاد. وهي بلاد تشتهر بالتنوع الطبيعي بين شواطئ وغابات استوائية وجبال تجذب إليها السياح من جميع أنحاء العالم. وتتكون الفلبين من مجموعة جزر يصل عددها إلى 7641 جزيرة، مقسمة إلى 18 منطقة إدارية.
وكان النمو السياحي في الفلبين تدريجيا من نحو 2.2 مليون سائح في عام 2000 إلى 2.8 مليون في عام 2003، بزيادة 29 في المائة. وبلغ عدد السياح في عام 2011 نحو 3.9 مليون سائح بزيادة 11.2 في المائة عن عدد السياح في عام 2010. ويعمل الآن في مجال السياحة نحو 10 في المائة من إجمالي القوى العاملة في البلاد، بعدد يصل إلى خمسة ملايين عامل وموظف.
وتاريخيا كان العرب ضمن الزوار الأوائل لجزر الفلبين بغرض التجارة. ووقعت الفلبين تحت الاحتلال الإسباني لمدة 350 عاما بداية من عام 1521، عندما اكتشفها البحار ماغيلان، مما أدى إلى هجرة بعض الإسبان إليها، وإن كان ذلك بنسبة أقل من الهجرة إلى أميركا الجنوبية. وتأثرت الفلبين من هذا الاحتلال ببعض العادات والاحتفالات الإسبانية. وتتحدث الفلبين الآن بعدة لغات ويتعامل الأهالي مع السياح باللغة الإنجليزية.
وبدأت السياحة إلى الفلبين في أوائل القرن العشرين، مع زيادة نشاط الرحلات البحرية من أوروبا وأميركا. وكانت الفلبين تعد من «أفضل الدول الآسيوية في الزيارة، بعد هونغ كونغ واليابان». وكانت شركات السياحة تطلق عليها وصف «لؤلؤة البحار الشرقية». ولكن الحرب العالمية الثانية قلصت عدد المسافرين إلى أنحاء آسيا، ومنها الفلبين التي لم تستعد السياحة فيها عافيتها لسنوات بعد ذلك.
ومن مجموع 5 ملايين سائح إلى الفلبين يأتي 1.2 مليون سائح إليها من كوريا الجنوبية، وهي في المركز الأول سياحيا، تليها الولايات المتحدة بعدد 704 آلاف سائح، ثم اليابان بأقل قليلا من نصف مليون سائح سنويا. ثم تأتي الصين وأستراليا وسنغافورة في المراكز التالية. وبينما تقع بريطانيا في المركز العاشر بعدد 140 ألف سائح سنويا، لا توجد دول عربية من العشر دول الأكثر سياحة إلى الفلبين.
وتوفر الفلبين لسياحها بيئة طبيعية متنوعة، منها شطآن الرمال البيضاء في بوراكاي ومناطق التسوق في مانيلا، وسواحل التزلج على المياه في بحار سيانغاو، وجبال زراعة الأرز في إيفغاو. وهناك أيضا بركان مايون في منطقة الباي، ومناطق الغوص في بالاوان، وكثير من المواقع التراثية والتاريخية.
وتعد جزيرة لوزون المركز السياسي والاقتصادي للفلبين. وفيها تقع العاصمة مانيلا التي صنفها السياح الأميركيون في المركز 11 على مستوى آسيا في التسوق. وتنتشر في مانيلا مولات التسوق خصوصا في الحي المالي المعروف باسم ماكاتي. ولكن رغم انتشار المولات الحديثة فإن الأسواق الشعبية ما زالت منتشرة وعليها إقبال كبير من أهل البلاد والسياح على السواء.
وتسمى منطقة الجزر الوسطى في الفلبين باسم فيساياس، وأشهر شواطئها هو بوراكاي، وهو المفضل بين السياح الأجانب، ويشتهر برماله البيضاء ومياه البحر النظيفة. وفي عام 2012 حصلت بوراكاي على جائزة أفضل جزيرة من مطبوعات سياحية عالمية. وهي أيضا منطقة تشتهر بالاسترخاء والهدوء نهارا، مع حياة ليلية صاخبة.
وفي أقصى جنوب الفلبين تقع جزيرة مندناو التي تشتهر بسلسلة جبالها، وهي من أفضل وجهات تسلق الجبال في الفلبين. وهي منطقة تضم أعلى جبال الفلبين، وهو جبل آبو. ويستغرق الصعود إلى قمة هذا الجبل نحو يومين كاملين. وتحتوي بيئة الجبل المتنوعة على 272 نوعا من الطيور، منها 11 نوعا يقتصر على المنطقة، بما فيها النسر الذي هو شعار الفلبين. ويعتبر جبل آبو من أهم وجهات سياحة أندية تسلق الجبال حول العالم.
وفيما تعد معظم مناطق الفلبين آمنة للسياح، هناك وجهات خطرة ويجب تجنبها، خصوصا في جزر الجنوب التي يتهددها خطر الإرهاب. وتنشط جماعة أبو سياف وجبهة مورو للتحرير في مجموعة جزر سولو وزامبوانغا. وتخطف هذه الجماعات السياح الأجانب من أجل طلب الفدية من حكوماتهم، وتقوم بإعدام من لا تدفع فديته.
التنوع الطبيعي في الفلبين هو من أهم معالم هذا البلد، ففيها أكثر من 200 فصيلة حيوانات و600 نوع من الطيور و400 فصيلة أحياء بحرية. وفيها أيضا سلاسل جبال، وأكبر تركيز من البراكين في الكيلومتر المربع، وأكثر أنواع الأحياء في المستنقعات. ويتمتع السياح بمشاهد مبهرة حول الشعاب المرجانية، ويمارسون هوايات متعددة من تسلق الجبال إلى استكشاف الكهوف والشلالات والأنهار والبحيرات.
الشعب الفلبيني مزيج من الأجناس الآسيوية مع أقليات إسبانية وعربية وصينية. وهناك أكثر من مائة أقلية عرقية تعيش في البلاد. واللغات الرسمية في الفلبين تشمل اللغتين الفلبينية والإنجليزية، ولكن اللغات المحلية متعددة، ويصل عددها إلى سبع لغات رئيسية و176 لهجة محلية.
ويعد فصل الشتاء هو فصل الذروة في الموسم السياحي الفلبيني، ولذلك تنصح شركات السياحة بالحجز المبكر. وفي منطقة بوراكاي تقام عدة مهرجانات سياحية في بداية العام يعود تاريخ بعضها إلى القرن الثالث عشر، وبعضها يشبه الكرنفال البرازيلي السنوي.
ويذهب الأهالي في عطلات خلال شهر أبريل (نيسان)، وهو أفضل شهور العام في الغطس للسياح، وتنشط خلاله الأندية البحرية. وتبدأ درجات الحرارة في الارتفاع خلال شهر مايو (أيار) مع بداية الموسم الجاف، وهو شهر يتوجه فيه السياح إلى المناطق الجبلية حيث الطقس المعتدل بفضل الارتفاع.
وفي شهور الصيف تبدأ الرياح والأمطار الغزيرة، وهو فصل السياحة الرخيصة للشباب، ويحتاج السفر في ذلك الوقت إلى بعض البحث عن أفضل المناطق غير المتأثرة بالعواصف والرياح والأمطار. ويمكن تجنب السفر في شهر أغسطس (آب) حيث موسم الأمطار الغزيرة.
هذا ويطير كثير من شركات الطيران العالمية إلى مطار نينو أكينو الدولي في مانيلا، منها «الخطوط السعودية» و«الإمارات»، و«الخطوط الفلبينية»، و«كوناتس» الأسترالية، و«طيران بروناي». ويجب مراعاة أن الفلبين تفرض على المسافرين المغادرين ضريبة مغادرة من المطار، تصل إلى حدود 15 دولارا للفرد الواحد في الرحلات الدولية، وخمسة دولارات للرحلات المحلية.

* 10 أسباب لزيارة الفلبين
- تجول بين الجزر حتى تعثر على جزيرتك المفضلة: وهو نوع من السياحة لمن يفضلون العزلة لبعض الوقت في جزيرة استوائية. ويمكن استئجار زورق لزيارة كثير من الجزر الصغيرة، ومعظمها مهجور، واختيار الجزيرة المفضلة لقضاء بعض الوقت فيها.
- هناك كثير من مواقع الغطس المشهورة في الفلبين، ولكن أهمها على الإطلاق هو موقع «آبو»، وهي موقع مليء بكثير من الأحياء البحرية حول الشعاب المرجانية، ومن بينها أسماك القرش من نوع «هامر هيد» وأسماك الراي المسطحة.
- الصعود إلى قمة الجبل البركاني «ماونت آبو» وهو بركان خامل لم يثر أبدا في تاريخه. ويصل ارتفاعه إلى 295 قدما. وهو أعلى قمة في الفلبين. ويمر متسلق هذا الجبل على غابات مليئة بالحياة الطبيعية والزهور النادرة مثل الأوركيد. ويسكن جوانب الجبل كثير من أنواع الطيور، ومنها النسور.
- من المواقع غير المعروفة للسياح جزيرة سيانغاو الهادئة، التي يعرفها جيدا محترفو التزلج على المياه. وتوجد حول الجزيرة تيارات من المياه المثالية لرياضة التزلج. وتخصص مناطق للمحترفين ومناطق أخرى أكثر هدوءا للمبتدئين في هذه الرياضة.
- السباحة مع أسماك القرش: وهو نوع من أسماك القرش الأليفة التي تسمى «ويل شارك» وتظهر في مياه قريبة من الجزر خلال فصل الربيع. ويمكن السباحة معها من دون استخدام أدوات الغطس وباستعمال أدوات التنفس على سطح المياه، التي تسمى «سنوركل».
- هناك مئات من البراكين في الفلبين، وبعضها ما زال نشيطا ويقذف بالحمم في الهواء، ويمكن مشاهدة هذه البراكين من نوافذ طائرات سياحية تطوف المنطقة. كما يمكن الصعود إلى بعضها على الأقدام عبر ممرات صخرية خاصة.
- يوجد نهر جوفي يمر تحت محمية طبيعية في منطقة بويرتو برنسيسا. وينطلق هذا النهر تحت الأرض حتى يصب مباشرة في البحر، وهو يتأثر عند مصبه بالجذر والمد البحري. وتحتوي المحمية على بيئات طبيعية مختلفة، بداية من البيئة الجبلية حتى البيئة البحرية.
- منطقة جزر باكويت: وهي مجموعة من الجزر الاستوائية الخلابة التي تنتشر على شواطئها أشجار النخيل وتحيط بها الشعاب المرجانية. وهي جديرة بالزيارة والتجول بين جزرها.
- بوراكاي: هو شاطئ مشهور عالميا ومن أجمل الشواطئ الآسيوية. ووفقا لموقع «لونلي بلانيت» ما زال الشاطئ يعتبر من الشواطئ الآسيوية الهادئة. وهناك أركان منعزلة على هذا الشاطئ في القسم الجنوبي الذي يسمى «وايت بيتش».
- مدرجات الأرز الجبلية: وهي مدرجات نحتها الفلاحون قديمًا، من أجل إعدادها لزراعة الأرز على سفوح الجبال. وتعد هذه الجبال مصنفة كتراث إنساني من منظمة اليونيسكو؛ لأن المدرجات نحتت في الجبال منذ ألفي عام.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.