مدينة عارية في فضاء مغلق على الخسارات

«جريمة في رام الله»... رواية لا تحتاج إلى مصادرة بل إلى «تنظيف»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

مدينة عارية في فضاء مغلق على الخسارات

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تنتهي رواية «جريمة في رام الله» للفلسطيني عباد يحيى (منشورات المتوسط، ميلانو 2017، 237 صفحة من القطع المتوسط)، بانتحار وسام، بطل ثالث حكاياتها، بعد مقتل صديقته بطريقة غامضة. فيما تنتهي الحكاية الأكبر، التي تشكل قلب الرواية وترفع حمولتها السردية، بوصول أحد بطليها الرئيسيين، نور، واسمه الحقيقي صهيب، إلى باريس، وارتمائه في أحضان صديقه الأجنبي آرنو بريير، الذي وعده بوضع كتاب يتناول سيرته الحياتية، أو عمل فيلم يروي الحكاية التي اضطرته إلى الهرب من رام الله في الضفة الغربية، لأن «إشاعات الناس في البلد وأقاويلهم واتهاماتهم، كذب صغار الصحافيين ونمائم الإذاعات المحلية، وبيانات الشرطة وتحقيقاتها، أفدح بكثير من الحقيقة». كما يرد في الصفحة 225 من الرواية.
تنقسم الرواية التي أثارت ضجة ولغطا كبيرين، وفوضى تقدير وتقييم، بعد قرار النائب العام الفلسطيني منعها ومصادرة ما وزع منها على المكتبات، واستدعاء مؤلفها وناشرها، إلى ثلاثة أجزاء:
الأول، ويحمل عنوان رؤوف (52 صفحة)، ويتضمن 12 مقطعًا:
يقدم هذا القسم، حكاية الطالب الجامعي رؤوف - أكثر شخصيات العمل إقناعا - الذي يتناول سيرة عائلته الفلاحية، وخلفيته الاجتماعية، وحكاية الفتاة دنيا التي تدخل عالمه، من لمسة يد لكتفه حين تعطيه أجرة سيارة تاكسي أقلتهما، ليناولها بدوره للسائق.
من بريق اليد الأنثوية وسخونة مشاعر مراهق، تنطلق مخيلة رؤوف لترسم علاقة وهمية في فضاء واسع، يقع بين السراب والأمل، الوهم والحقيقة، واختبار المشاعر الأولية للتجربة الأولى، التي تمهد لمرحلة من محاولات اكتشاف الجسد والميول الجنسية. وفيه يروي رؤوف بشيء من التفصيل، في مونولوج داخلي استرجاعي يشبه العزف المضطرب، علاقته بجسده في مراحل البلوغ والشباب، وتورطه لاحقا، في علاقة جنسية مع الشاب نور. يعاني رؤوف من ضياعه في ضياع دنيا «تختفي دنيا ليحل محلها اختفاؤها» (ص42)، و«كأنها صارت خيالا لأواجه الحياة» (ص66)، ومن يأس وإحباط وعزلة وابتعاد، وغرق في عبث تفقد فيه الأشياء قيمتها ومعانيها.
الثاني، وعنوانه نور (57 صفحة) 8 مقاطع:
في هذا القسم من العمل، نقرأ الوجه الآخر للعلاقة بين الشابين رؤوف ونور، بلغة بسيطة شفيفة وحميمة، ترفع سردا ذاتيا يضفي مصداقية على النص تقربه كثيرا من الحقيقة. في هذا الجزء، نتعرف على شخصية نور، التي تبرز كثاني أفضل شخصيات العمل، من حيث وضوح سماتها ودواخلها، وانسجام تصرفاتها مع طبيعة شاب مثلي في مجتمع محافظ.
الثالث، وهو بعنوان وسام (74) صفحة، 13 مقطعا:
يستخدم الكاتب في هذا القسم، الضمير الثالث، متناوبا الحديث عن وسام ونور، باستثناء مقطع صغير يظهر فيه رؤوف مجددا، وتعود دنيا في شخصية مذيعة تنقل خبر جريمة وقعت في رام الله، حين تُقتل فتاة طعنا بسكين، أثناء خروجها وصديقها وسام، من بار أبي وليم في المدينة. في هذا المقطع يقدم عباد سردا موجزا لكنه بديع لعلاقة جميلة، يبلغ ذروته في تصوير ما حل بوسام فور وقوع الجريمة، في مشاهد قصيرة، وعبارات مشحونة لاهثة تخطف أنفاس وسام وأنفاس القارئ.
يتصدر كثير من مقاطع الرواية، مفتتحات إخبارية قصيرة لا تُعلن وظيفتها الفنية صراحة. ومع تقدم القراءة، يتضح أنها ترسم بإيجاز، عالما واقعيا خارج الرواية، يقدم أبرز أحداث العالم المعاش، في موازاة ما يجري في المتخيل داخل الرواية في الضفة الغربية، وكم يبدو بعيدا منه، منشغلا عنه، انشغال عالم اليوم عن المسألة الفلسطينية نفسها.
يقترب الإخباري الحقيقي من المتخيل الروائي، قبيل وقوع الجريمة مباشرة، إذ يتصدر الحادث خبر عن سقوط أكثر من مائة «شهيد» في غزة، ونصبح أمام مشهدين للموت: مشهد يرسمه الاحتلال الإسرائيلي، وآخر يكشف مسؤولية المجتمع عنه، لأسباب لا تأتي عليها الرواية مباشرة، لكننا قد نعثر عليها موزعة في ثنايا السرد، حيث الجريمة الفعلية الأكبر. إنها هناك، في بطريركية الأب والأخ وسلطة العائلة، في الفساد، في النميمة الشعبية، في الكذب والادعاء، في الانتهازية، في مآل الفصائل الفلسطينية، في قتل البنات باسم شرف العائلة وغير هذا. ثم يتوالفان: الخبر والنص المتخيل، قبيل التحقيق في الجريمة، حين تعلن الشرطة عن مقتل المواطنة ر. س (29 سنة) في شارع فرعي في حي الماصيون في رام الله.
في مجمل المقاطع السابقة، وباستثناء انتحار وسام في نهاية الرواية، ووصول نور إلى باريس، لا تصل أي من الوقائع الدرامية إلى نهاياتها: لا المحاكمات، ولا تحقيقات الشرطة في الجريمة، ولا العلاقات بين الأبطال أنفسهم، ولا بقية مصائر الشخوص، كأنما لا شيء يصل إلى نهايات واضحة في رام الله، تماما كحال الاحتلال «الموجود وغير الموجود» ولا نهاية له، والوضع السياسي الذي لا أفق له، والفساد الذي لم تظهر نتيجة واحدة لأي تحقيق فيه، والانقسام، الذي يتوحد بالانقسام، والقرارات الوطنية المتتالية التي لا تطبق، والاستيطان المفتوح على ابتلاع الأرض. ربما لا تقول الرواية ذلك، لكنه تجعلنا نفكر على الأقل.
يطرح نص عباد يحيى، ثيمات الاضطهاد، واليأس، والازدراء، والعبث، والعزلة، والتمييز، وغياب الهدف، وانعدام الجوهر في حياة الشخصيات، التي تقدم حيواتها بسرد استرجاعي (تيار الوعي)، أحيانا، ومن خلال منولوجات داخلية، أحيانا أخرى، تكشف الكثير عن معاناة تفرز نقمة على الذات وعلى المحيط.
نص جريء وغني بالانتقادات السياسية والاجتماعية اللاذعة أحيانا، للأهل الذين تحولوا «إلى كومبارس يؤدون أدوارا ثانوية جدا في حياتي» (ص 35)، حيث «كنت أعيش بلا أب فعلي، أبي البيولوجي تقاعد، وأبي الوظيفي استقال حين رزق بأبناء، وأمي انحشرت في حدود القرية. الآن أنا بأبوين وأم يريدون وصاية كاملة» (ص 59)، وللأحزاب السياسة: «حين دخل أبي التنظيم توقف عن الفلاحة، كأن النضال للدفاع عن الأرض وانتزاع الحق فيها، في إحدى محصلاته، ابتعاد عن العلاقة اليومية معها، ومن ثمّ، تحويلها من مصدر حياة إلى رصيد مجمد» (ص60 - 61)، والتحولات الاجتماعية: «لم يبق لنا من الفلاحين إلا اسمهم» (ص 61)، وكثرة النميمة الاجتماعية والوصاية الظالمة: «يجعلك الناس موضوعا للرصد والمراقبة وإطلاق الأحكام قبل أن يروا فيك شيئا آخر» (ص 110)، ودور العبادة: «مدينة مليئة بمساجد ومؤذنين أصواتهم ناشزة، تستفز أي أذن كأنها أجهزة إنذار للكوارث» (صفحة 119)، وحركة حماس: «لم يكن يسعدها شيء (زوجة شقيقه) مثل تدبير الزيجات بين شباب الحركة (حماس) وبناتها، كأنها تشتري بذلك مستقبلا للحركة، وتضمن استمرارها» (ص 121). والعمل الكفاحي اليومي: «تحولت الانتفاضة من الشارع إلى التلفاز» (ص 124).
لكن هذه الومضات الانتقادية للحال الفلسطيني، لا تتناول، في مشاهد أخرى قليلة - لحسن الحظ، الديني والمقدس، وبعض الرموز الوطنية والمنظمات السياسية، بالحس الدرامي ومن خلال تطور الحدث، أو من خلال حوار يقع في سياقه، بل من خارج الفعل، في مشاهد أُقحمت على النص وزجت به وأفسدت سياقاته. ويبدو واضحا، من خلال النص نفسه، أن الكاتب سعى إلى معادلة انتقاده الحاد لحماس، بانتقاد مواز فتح وزعامتها التاريخية ورموزها الوطنية، فلم يوفق، وتجاوز منطق الاختلاف، إلى رسم مشاهد بذيئة، كما في مشهد خروج نور من المدرسة، ومشاهدته ملصقا لأبي عمار «ببدلته العسكرية يقف فوق رشاش رصاص ثقيل» (ص 94)، حيث يقدم المؤلف - من خلال شخصية نور - قراءة للملصق- المشهد، تشكل سقطة لا يمكن الدفاع عنها، تغطي المشهد وما يتبعه بإحالات لا تخدم وظيفته.
نص «جريمة في رام الله»، جيد ومتماسك، حافظ المؤلف على مستواه الذي ميز بقية الأقسام والمقاطع، بما فيها مشاهد تبدو غريبة للبعض، أو مستهجنة، أو غير محتملة. بينما هي في صلب عمله الدرامي وتظهر قوة نسيجه، وقد صيغت بلغة سردية مقبولة تماما. وقدم الكاتب، من خلالها، صورة واقعية، لمشاعر مراهق يكتشف ميوله الجنسية ويعاني منها: «ألا يمكن لهذا الجسد أن يهدأ قليلا ويتوقف عن العبث بي؟ ألا يمكنه أن يتركني دون هذه الحيرة والقلق؟ (...) ألا يمكنه أن يهدأ ويتركني أهدأ؟ ألا يمكنني أن أتصرف بشكل طبيعي؟ أن أكون على طبيعتي؟» (ص100).
لا يخلو نص عباد يحيى من استطالات وحشو وثرثرة، ومن «محاضرة» في الطب النفسي، لا لزوم لها ولا مبرر دراميا يستدعيها، تمتد على 13 صفحة (المقطع 9 في القسم الثالث)، وكان يمكن الاستغناء عنها بالكامل.
في مقابل هذا، يتميز العمل بلغته البسيطة، والرشيقة، وسرده المتدفق، واستخدامه للعامية بنجاح في حوار الشخصيات. كلاهما، الإيجابي في هذه الرواية، وهو كثير، والسلبي وهو قليل، كان في غنى عن قرار النائب العام الفلسطيني. كان بحاجة إلى تركه للقراء والنقاد يحكمون عليه، ويتصرفون به وفقا لذائقاتهم.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.