مدينة عارية في فضاء مغلق على الخسارات

«جريمة في رام الله»... رواية لا تحتاج إلى مصادرة بل إلى «تنظيف»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

مدينة عارية في فضاء مغلق على الخسارات

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تنتهي رواية «جريمة في رام الله» للفلسطيني عباد يحيى (منشورات المتوسط، ميلانو 2017، 237 صفحة من القطع المتوسط)، بانتحار وسام، بطل ثالث حكاياتها، بعد مقتل صديقته بطريقة غامضة. فيما تنتهي الحكاية الأكبر، التي تشكل قلب الرواية وترفع حمولتها السردية، بوصول أحد بطليها الرئيسيين، نور، واسمه الحقيقي صهيب، إلى باريس، وارتمائه في أحضان صديقه الأجنبي آرنو بريير، الذي وعده بوضع كتاب يتناول سيرته الحياتية، أو عمل فيلم يروي الحكاية التي اضطرته إلى الهرب من رام الله في الضفة الغربية، لأن «إشاعات الناس في البلد وأقاويلهم واتهاماتهم، كذب صغار الصحافيين ونمائم الإذاعات المحلية، وبيانات الشرطة وتحقيقاتها، أفدح بكثير من الحقيقة». كما يرد في الصفحة 225 من الرواية.
تنقسم الرواية التي أثارت ضجة ولغطا كبيرين، وفوضى تقدير وتقييم، بعد قرار النائب العام الفلسطيني منعها ومصادرة ما وزع منها على المكتبات، واستدعاء مؤلفها وناشرها، إلى ثلاثة أجزاء:
الأول، ويحمل عنوان رؤوف (52 صفحة)، ويتضمن 12 مقطعًا:
يقدم هذا القسم، حكاية الطالب الجامعي رؤوف - أكثر شخصيات العمل إقناعا - الذي يتناول سيرة عائلته الفلاحية، وخلفيته الاجتماعية، وحكاية الفتاة دنيا التي تدخل عالمه، من لمسة يد لكتفه حين تعطيه أجرة سيارة تاكسي أقلتهما، ليناولها بدوره للسائق.
من بريق اليد الأنثوية وسخونة مشاعر مراهق، تنطلق مخيلة رؤوف لترسم علاقة وهمية في فضاء واسع، يقع بين السراب والأمل، الوهم والحقيقة، واختبار المشاعر الأولية للتجربة الأولى، التي تمهد لمرحلة من محاولات اكتشاف الجسد والميول الجنسية. وفيه يروي رؤوف بشيء من التفصيل، في مونولوج داخلي استرجاعي يشبه العزف المضطرب، علاقته بجسده في مراحل البلوغ والشباب، وتورطه لاحقا، في علاقة جنسية مع الشاب نور. يعاني رؤوف من ضياعه في ضياع دنيا «تختفي دنيا ليحل محلها اختفاؤها» (ص42)، و«كأنها صارت خيالا لأواجه الحياة» (ص66)، ومن يأس وإحباط وعزلة وابتعاد، وغرق في عبث تفقد فيه الأشياء قيمتها ومعانيها.
الثاني، وعنوانه نور (57 صفحة) 8 مقاطع:
في هذا القسم من العمل، نقرأ الوجه الآخر للعلاقة بين الشابين رؤوف ونور، بلغة بسيطة شفيفة وحميمة، ترفع سردا ذاتيا يضفي مصداقية على النص تقربه كثيرا من الحقيقة. في هذا الجزء، نتعرف على شخصية نور، التي تبرز كثاني أفضل شخصيات العمل، من حيث وضوح سماتها ودواخلها، وانسجام تصرفاتها مع طبيعة شاب مثلي في مجتمع محافظ.
الثالث، وهو بعنوان وسام (74) صفحة، 13 مقطعا:
يستخدم الكاتب في هذا القسم، الضمير الثالث، متناوبا الحديث عن وسام ونور، باستثناء مقطع صغير يظهر فيه رؤوف مجددا، وتعود دنيا في شخصية مذيعة تنقل خبر جريمة وقعت في رام الله، حين تُقتل فتاة طعنا بسكين، أثناء خروجها وصديقها وسام، من بار أبي وليم في المدينة. في هذا المقطع يقدم عباد سردا موجزا لكنه بديع لعلاقة جميلة، يبلغ ذروته في تصوير ما حل بوسام فور وقوع الجريمة، في مشاهد قصيرة، وعبارات مشحونة لاهثة تخطف أنفاس وسام وأنفاس القارئ.
يتصدر كثير من مقاطع الرواية، مفتتحات إخبارية قصيرة لا تُعلن وظيفتها الفنية صراحة. ومع تقدم القراءة، يتضح أنها ترسم بإيجاز، عالما واقعيا خارج الرواية، يقدم أبرز أحداث العالم المعاش، في موازاة ما يجري في المتخيل داخل الرواية في الضفة الغربية، وكم يبدو بعيدا منه، منشغلا عنه، انشغال عالم اليوم عن المسألة الفلسطينية نفسها.
يقترب الإخباري الحقيقي من المتخيل الروائي، قبيل وقوع الجريمة مباشرة، إذ يتصدر الحادث خبر عن سقوط أكثر من مائة «شهيد» في غزة، ونصبح أمام مشهدين للموت: مشهد يرسمه الاحتلال الإسرائيلي، وآخر يكشف مسؤولية المجتمع عنه، لأسباب لا تأتي عليها الرواية مباشرة، لكننا قد نعثر عليها موزعة في ثنايا السرد، حيث الجريمة الفعلية الأكبر. إنها هناك، في بطريركية الأب والأخ وسلطة العائلة، في الفساد، في النميمة الشعبية، في الكذب والادعاء، في الانتهازية، في مآل الفصائل الفلسطينية، في قتل البنات باسم شرف العائلة وغير هذا. ثم يتوالفان: الخبر والنص المتخيل، قبيل التحقيق في الجريمة، حين تعلن الشرطة عن مقتل المواطنة ر. س (29 سنة) في شارع فرعي في حي الماصيون في رام الله.
في مجمل المقاطع السابقة، وباستثناء انتحار وسام في نهاية الرواية، ووصول نور إلى باريس، لا تصل أي من الوقائع الدرامية إلى نهاياتها: لا المحاكمات، ولا تحقيقات الشرطة في الجريمة، ولا العلاقات بين الأبطال أنفسهم، ولا بقية مصائر الشخوص، كأنما لا شيء يصل إلى نهايات واضحة في رام الله، تماما كحال الاحتلال «الموجود وغير الموجود» ولا نهاية له، والوضع السياسي الذي لا أفق له، والفساد الذي لم تظهر نتيجة واحدة لأي تحقيق فيه، والانقسام، الذي يتوحد بالانقسام، والقرارات الوطنية المتتالية التي لا تطبق، والاستيطان المفتوح على ابتلاع الأرض. ربما لا تقول الرواية ذلك، لكنه تجعلنا نفكر على الأقل.
يطرح نص عباد يحيى، ثيمات الاضطهاد، واليأس، والازدراء، والعبث، والعزلة، والتمييز، وغياب الهدف، وانعدام الجوهر في حياة الشخصيات، التي تقدم حيواتها بسرد استرجاعي (تيار الوعي)، أحيانا، ومن خلال منولوجات داخلية، أحيانا أخرى، تكشف الكثير عن معاناة تفرز نقمة على الذات وعلى المحيط.
نص جريء وغني بالانتقادات السياسية والاجتماعية اللاذعة أحيانا، للأهل الذين تحولوا «إلى كومبارس يؤدون أدوارا ثانوية جدا في حياتي» (ص 35)، حيث «كنت أعيش بلا أب فعلي، أبي البيولوجي تقاعد، وأبي الوظيفي استقال حين رزق بأبناء، وأمي انحشرت في حدود القرية. الآن أنا بأبوين وأم يريدون وصاية كاملة» (ص 59)، وللأحزاب السياسة: «حين دخل أبي التنظيم توقف عن الفلاحة، كأن النضال للدفاع عن الأرض وانتزاع الحق فيها، في إحدى محصلاته، ابتعاد عن العلاقة اليومية معها، ومن ثمّ، تحويلها من مصدر حياة إلى رصيد مجمد» (ص60 - 61)، والتحولات الاجتماعية: «لم يبق لنا من الفلاحين إلا اسمهم» (ص 61)، وكثرة النميمة الاجتماعية والوصاية الظالمة: «يجعلك الناس موضوعا للرصد والمراقبة وإطلاق الأحكام قبل أن يروا فيك شيئا آخر» (ص 110)، ودور العبادة: «مدينة مليئة بمساجد ومؤذنين أصواتهم ناشزة، تستفز أي أذن كأنها أجهزة إنذار للكوارث» (صفحة 119)، وحركة حماس: «لم يكن يسعدها شيء (زوجة شقيقه) مثل تدبير الزيجات بين شباب الحركة (حماس) وبناتها، كأنها تشتري بذلك مستقبلا للحركة، وتضمن استمرارها» (ص 121). والعمل الكفاحي اليومي: «تحولت الانتفاضة من الشارع إلى التلفاز» (ص 124).
لكن هذه الومضات الانتقادية للحال الفلسطيني، لا تتناول، في مشاهد أخرى قليلة - لحسن الحظ، الديني والمقدس، وبعض الرموز الوطنية والمنظمات السياسية، بالحس الدرامي ومن خلال تطور الحدث، أو من خلال حوار يقع في سياقه، بل من خارج الفعل، في مشاهد أُقحمت على النص وزجت به وأفسدت سياقاته. ويبدو واضحا، من خلال النص نفسه، أن الكاتب سعى إلى معادلة انتقاده الحاد لحماس، بانتقاد مواز فتح وزعامتها التاريخية ورموزها الوطنية، فلم يوفق، وتجاوز منطق الاختلاف، إلى رسم مشاهد بذيئة، كما في مشهد خروج نور من المدرسة، ومشاهدته ملصقا لأبي عمار «ببدلته العسكرية يقف فوق رشاش رصاص ثقيل» (ص 94)، حيث يقدم المؤلف - من خلال شخصية نور - قراءة للملصق- المشهد، تشكل سقطة لا يمكن الدفاع عنها، تغطي المشهد وما يتبعه بإحالات لا تخدم وظيفته.
نص «جريمة في رام الله»، جيد ومتماسك، حافظ المؤلف على مستواه الذي ميز بقية الأقسام والمقاطع، بما فيها مشاهد تبدو غريبة للبعض، أو مستهجنة، أو غير محتملة. بينما هي في صلب عمله الدرامي وتظهر قوة نسيجه، وقد صيغت بلغة سردية مقبولة تماما. وقدم الكاتب، من خلالها، صورة واقعية، لمشاعر مراهق يكتشف ميوله الجنسية ويعاني منها: «ألا يمكن لهذا الجسد أن يهدأ قليلا ويتوقف عن العبث بي؟ ألا يمكنه أن يتركني دون هذه الحيرة والقلق؟ (...) ألا يمكنه أن يهدأ ويتركني أهدأ؟ ألا يمكنني أن أتصرف بشكل طبيعي؟ أن أكون على طبيعتي؟» (ص100).
لا يخلو نص عباد يحيى من استطالات وحشو وثرثرة، ومن «محاضرة» في الطب النفسي، لا لزوم لها ولا مبرر دراميا يستدعيها، تمتد على 13 صفحة (المقطع 9 في القسم الثالث)، وكان يمكن الاستغناء عنها بالكامل.
في مقابل هذا، يتميز العمل بلغته البسيطة، والرشيقة، وسرده المتدفق، واستخدامه للعامية بنجاح في حوار الشخصيات. كلاهما، الإيجابي في هذه الرواية، وهو كثير، والسلبي وهو قليل، كان في غنى عن قرار النائب العام الفلسطيني. كان بحاجة إلى تركه للقراء والنقاد يحكمون عليه، ويتصرفون به وفقا لذائقاتهم.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended