مستشار السبسي لـ «الشرق الأوسط»: نتعامل مع ترمب مثل أسلافه

قلل من المخاوف تجاه تصويت العسكريين والأمنيين... وتوقع حل خلافات «نداء تونس» قريبًا

بن تيشة («الشرق الأوسط»)
بن تيشة («الشرق الأوسط»)
TT

مستشار السبسي لـ «الشرق الأوسط»: نتعامل مع ترمب مثل أسلافه

بن تيشة («الشرق الأوسط»)
بن تيشة («الشرق الأوسط»)

أكد المستشار السياسي للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، الوزير نور الدين بن تيشة، أن بلاده ستتعامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مثلما تعاملت مع أسلافه، معتبرًا الخلافات في شأن سياساته «شأنًا داخليًا» أميركيًا.
وشدد بن تيشة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، على تماسك حكومة رئيس الوزراء يوسف الشاهد. وتوقع حل خلافات «نداء تونس» قبل الانتخابات المحلية المقررة قبل نهاية العام. وقلل من المخاوف من قرار السماح للعسكريين والأمنيين بالتصويت في الانتخابات المقبلة.
وقال إن زيارة السبسي المقررة لروما اليوم ستركز على إقناع صناع القرار الاقتصادي والسياسي في إيطاليا، بحثّ السياح والمستثمرين على العودة إلى تونس بقوة «بعد أن تحسن فيها مناخ الأعمال وتحقق فيها الاستقرار الأمني». وفيما يلي نص الحوار:

* هل يمكن أن تسهم زيارة الرئيس في إقناع الإيطاليين والأوروبيين بحثّ مستثمريهم وسياحهم على التوجه إلى تونس بعد أعوام من التردد، بسبب حادثة الهجوم الإرهابي على فندق سياحي في عام 2015؟
- رئيس الدولة هو المسؤول الأول عن ملف العلاقات الخارجية والقطاعين الأمني والعسكري. وبعد التحركات المكثفة التي تقوم بها وزيرة السياحة سلمى اللومي ووزير الخارجية خميس الجهيناوي وعدد من وزراء الشؤون الاقتصادية، من الطبيعي أن يتابع رئيس الجمهورية لقاءاته في عدد من العواصم الدولية، ومع وفودها التي تزور تونس لتشجيع شركائنا على العودة بقوة إلى عالمي الاستثمار والسياحة.
والجميع يشهد أن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في تونس تحسنت بقوة، وأن مناخ الأعمال أصبح جذابًا، وهو ما يبرر التعهدات الكبيرة التي صدرت عن قادة العالم في «المؤتمر الدولي للاستثمار 2020»، الذي استضافته تونس العام الماضي. أنا متفائل بعودة السياح الأوروبيين والأجانب بكثافة. وقد شهدنا في الصيف الماضي إقبالاً كبيرًا من السياح الروس والعرب. وكان الموسم ناجحًا أمنيًا.

التعامل مع ترمب
* تأتي زيارة الرئيس السبسي إلى إيطاليا بعد أيام قليلة من قمة الاتحاد الأوروبي في مالطة، التي ناقشت ملفي الهجرة ومستجدات ملف ليبيا والمخاطر التي تهدد العالم بعد وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. ما موقف تونس من هذه الملفات؟
- تونس تجمعها علاقات تقاطع مصالح وتشاور دائم مع إيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ما يتعلق بملف الهجرة القانونية وغير القانونية، ومشكلات طلبات لجوء عشرات آلاف الفارين من الحروب والنزاعات في سوريا والعراق وليبيا واليمن. ومواقف الرئيس واضحة من مختلف المستجدات الدولية، تحكمها قاعدتا البراغماتية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وبصرف النظر عن ملاحظات عدد من ساسة العالم، خصوصًا في أوروبا، على سياسات ترمب، فإن تونس تعلن بوضوح أنها ستتعامل مع السلطات الشرعية في الولايات المتحدة برئاسة ترمب مثلما تعاملت مع بقية الرؤساء والإدارات الأميركية. الخلافات بين الأميركيين شأن داخلي، وخلافات بعض حلفاء واشنطن الأوروبيين مع إدارة ترمب لن تؤثر جوهريًا في توجهات سياسة تونس الخارجية.

مبادرة التسوية في ليبيا
* وماذا عن المبادرة الجديدة للرئيس التونسي لتسوية الحرب في ليبيا؟
- المبادرة جاءت بعد سنوات من الاقتتال والصراعات المسلحة بين الأشقاء الليبيين. وتستقبل تونس منذ سنوات مئات الآلاف من الضيوف الليبيين، بعد أن قُدر العدد في مرحلة أولى بمليوني لاجئ. كما تتميز تونس بلجوء قياديين ليبيين من كل التيارات والأحزاب والأطراف السياسية والعسكرية إليها، ولقاءاتهم المتعاقبة مع كبار المسؤولين في الدولة، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ووزير الخارجية.
وكان بين من زاروا تونس مؤخرًا من الأشقاء الليبيين رئيس برلمان شرق ليبيا عقيلة صالح. كما يزور تونس بانتظام مسؤولون من الصف الأول من مختلف الأطراف الليبية الليبرالية والإسلامية والقبلية والحقوقية. ونحن نتابع الحوار مع مختلف الأطراف الليبية التي شجعتنا على بلورة مبادرة سياسية لقيت دعم الجزائر ومصر وغالبية الأطراف في ليبيا.
وإجمالاً فإن المبادرة مفتوحة للتفاعل والتطوير مع الأشقاء الليبيين والعرب والأمم المتحدة، شرط احترام أبرز مكوناتها، وهي رفض إقصاء أي طرف سياسي ليبي، والصبغة السلمية للتسوية لأن الحسم العسكري غير وارد، كما أن الحل النهائي يجب أن يكون ليبيًا – ليبيًا، وليس حلاً خارجيًا يُفرض على الشعب الليبي.
* وهل من المؤمل عقد مؤتمر وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس وليبيا قريبًا في تونس، ثم قمة مصرية - تونسية - جزائرية عن ليبيا في الجزائر، لإعلان تسوية سياسية شاملة للملف الليبي؟
- المشاورات متواصلة مع الأشقاء في مصر والجزائر ومع كل ممثلي الأطراف الليبية في شأن المبادرة. ونحن نؤكد كون الحسم بأيدي الأشقاء الليبيين، ولا بد من أن يكون أساسًا ليبيًا - ليبيًا. ودورنا مساعدتهم واستضافتهم وتسهيل فرص تنظيم الحوارات بينهم.

عودة الإرهابيين
* من بين القضايا الخلافية هذه الفترة في تونس، ملف عودة الإرهابيين من بؤر التوتر مثل سوريا وليبيا والعراق، فإلى أين وصل هذا الملف؟ وكيف ستتعامل تونس مع المستجدات في سوريا؟
- تونس تتابع ملف الشباب المتشدد الذي تورط في الهجرة إلى بؤر التوتر، وبينها سوريا، وتسعى إلى التعامل معه بحزم في سياق ما يضمنه القانون الدولي والدستور. كما سنتابع هذا الملف مع السلطات السورية بعد إعادة فتح سفارة تونس في دمشق، مثلما سبق أن أعلن رئيس الدولة ووزير الخارجية. وفي كل الحالات سيحال العائدون من بؤر التوتر إلى القضاء ليبت في وضعياتهم حالة بحالة، ويصدر في شأنهم الأحكام التي ينص عليها قانون مكافحة الإرهاب، وهي أحكام بالسجن لمدد طويلة.

خلافات «نداء تونس»
* صادق البرلمان مؤخرًا على قانون تنظيم الانتخابات البلدية المحلية والجهوية، وهي أهم انتخابات ينتظرها التونسيون منذ أكثر من 6 أعوام، فهل تتوقعون أن ينجح الحزب الحاكم في تجاوز خلافاته الداخلية ليكون مؤهلاً للفوز بها؟
- أعتقد أن اقتراب المواعيد الانتخابية والسياسية المقبلة، وعلى رأسها الانتخابات البلدية، سيكون حافزًا لقيادات حزب نداء تونس كي تتجاوز خلافاتها وتنجز مؤتمرها الانتخابي المؤجل. ولا شك في أن مصادقة غالبية مريحة من البرلمانيين على القانون الانتخابي تعني بدء مسار تحضير الانتخابات العامة في مناخ سليم.
* لكن انتقادات كثيرة صدرت عن جنرالات متقاعدين وسياسيين بارزين لقانون الانتخابات الجديد، الذي سمح للعسكريين والأمنيين بالمشاركة للمرة الأولى في التصويت؟ أليس هذا خطرًا على الصبغة المدنية للحياة السياسية التي دافع عنها بورقيبة وتلامذته قبل 60 عامًا؟
- لا أعتقد أن مشاركة العسكريين والأمنيين تمثل مشكلة بالنسبة إلى الانتخابات البلدية والمحلية؛ لأنها ليست انتخابات سياسية، بل عملية اقتراع جهوية ومحلية لن يجري التنافس خلالها على الشعارات السياسية والحزبية، بل على البرامج الخدماتية التي تهم عموم المواطنين في جهاتهم ومناطقهم السكنية.
كما يقدر عدد العسكريين والأمنيين بعشرات الآلاف، بينما يبلغ إجمالي الناخبين نحو 8 ملايين. فستوزع أصوات الأمنيين والعسكريين. كما ستنظم عملية الاقتراع قبل الانتخابات العامة بيوم أو أكثر، ثم تجرى عملية الفرز بعد إكمال الانتخاب بالنسبة إلى المدنيين في كل الجهات والدوائر الانتخابية. المهم أن المساواة تحققت اليوم بين كل المواطنين فيما يتعلق بالحق الانتخابي، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين. وبهذه الخطوة تكون تونس وفرت شرطًا جديدًا من شروط الاستقرار.

حكومة الوحدة الوطنية
* أخيرًا، ما رأيكم في الأصوات التي تعالت للمطالبة بإسقاط بعض الوزراء أو التنبؤ بإسقاط حكومة يوسف الشاهد، التي لم يمض على تنصيبها إلا بضعة أشهر؟
- أعتقد أن حكومة الشاهد قوية وصامدة، وستصمد لأسباب كثيرة، بينها أنها حكومة وحدة وطنية تدعمها 10 أطراف حزبية وسياسية واجتماعية فاعلة. ثم هي قوية لأن رئيس الدولة اختار على رأسها لأول مرة شابًا في الأربعين من عمره، وعيّن معه فريقًا من الوزراء وكتاب الدولة الشباب من الجنسين، ممن يتميزون بالكفاءة والخبرة. وبعضهم لديه خبرة مهمة جدًا في المؤسسات الوطنية والدولية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.