«سجن صيدنايا»: إبادة بـ«قرار رئاسي» وتوقيع مفتي الجمهورية

منظمة العفو تؤكد تصفية 13 ألفًا خلال 4 سنوات وتصفها بجرائم ضد الإنسانية

صورتان لعمر الشقر (21 سنة) معتقل سابق في سجن صيدنايا، اليسرى التقطت في يناير الماضي حيث يعيش في السويد الآن، واليمنى في أنطاكيا جنوب تركيا يوليو 2015 بعد شهر من خروجه من المعتقل (أ.ف.ب)
صورتان لعمر الشقر (21 سنة) معتقل سابق في سجن صيدنايا، اليسرى التقطت في يناير الماضي حيث يعيش في السويد الآن، واليمنى في أنطاكيا جنوب تركيا يوليو 2015 بعد شهر من خروجه من المعتقل (أ.ف.ب)
TT

«سجن صيدنايا»: إبادة بـ«قرار رئاسي» وتوقيع مفتي الجمهورية

صورتان لعمر الشقر (21 سنة) معتقل سابق في سجن صيدنايا، اليسرى التقطت في يناير الماضي حيث يعيش في السويد الآن، واليمنى في أنطاكيا جنوب تركيا يوليو 2015 بعد شهر من خروجه من المعتقل (أ.ف.ب)
صورتان لعمر الشقر (21 سنة) معتقل سابق في سجن صيدنايا، اليسرى التقطت في يناير الماضي حيث يعيش في السويد الآن، واليمنى في أنطاكيا جنوب تركيا يوليو 2015 بعد شهر من خروجه من المعتقل (أ.ف.ب)

جاء تقرير منظمة العفو الدولية الذي حمل عنوان «مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا» ليلقي الضوء مرة جديدة على أوضاع المعتقلين في سجون النظام السوري، والتي «ترتقي إلى جرائم حرب»، وفق توصيف المنظمة التي أوردت إعدام 13 ألف شخص شنقًا غالبيتهم من المعارضين المدنيين.
واستندت المنظمة في تقريرها إلى تحقيق معمق أجرته على مدى سنة من ديسمبر (كانون الأول) 2015 لغاية الشهر نفسه من عام 2016، وتضمن مقابلات مع 84 شاهدًا، بينهم حراس سابقون في السجن ومسؤولون ومعتقلون وقضاة ومحامون، بالإضافة إلى خبراء دوليين ومحليين حول مسائل الاعتقال في سوريا.
هذا الواقع في سجن صيدنايا، ينطبق على كل السجون والمراكز الأمنية التابعة للنظام في سوريا، بحسب ما يؤكد فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي شاركت في إعداد التقرير، مشيرًا إلى أنه تم توثيق وفاة 375 شخصا بالاسم ماتوا تحت التعذيب في «صيدنايا»، في حين يرجّح علي أبو دهن، المعتقل السابق ورئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، أن يصل عدد القتلى في سجن صيدنايا ما بين 20 و22 ألفا، لافتا إلى أن داخل جدران هذا السجن ما لا يقل عن 300 معتقل لبناني من أصل 625 سبق للجمعية أن وثقت أسماءهم وسلّمتها للحكومة اللبنانية، معظمهم كانوا قد اعتقلوا من قبل النظام السوري خلال الحرب اللبنانية.
ويقول عبد الغني في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «المعلومات التي ذكرت بالتقرير يعود تاريخها لما قبل عام 2015، وبالتالي فإن التوقف عند هذا التاريخ كان بسبب عدم تمكننا من الحصول على معلومات إضافية نتيجة توقف النظام، تقريبا، عن إطلاق سراح المعتقلين، لكن بالتأكيد الممارسات عينها لا تزال مستمرة والإعدامات لم ولن تتوقف ما لم يتم اتخاذ إجراءات قانونية بحقه». ويوضح عبد الغني أن «قرار الإعدام في سوريا بحق أي شخص، يتّخذ بـ«قرار رئاسي»، أي أنه يجب أن يوقّع من جهات رسمية عدة، وهي: رئيس محكمة الميدان العسكرية والقاضي المسؤول والفرع الأمني الذي أحاله إلى المحكمة إضافة إلى مفتي الجمهورية ووزير الدفاع أو رئيس هيئة الأركان نيابة عن رئيس الجمهورية. ويضيف: «بعد تنفيذ الإعدام تنقل الجثث جميعها إلى مستشفى تشرين؛ حيث يتم توثيقها، وبالتالي، تتأكد سلطات النظام من تنفيذ الإعدام، مما يعني أن النظام السوري يستخدم مؤسسات الدولة لإبادة المجتمع». ويلفت عبد الغني إلى أن معظم المعتقلين الذين يموتون في السجون السورية لا يتم إبلاغ عائلاتهم بوفاتهم، إلا من تمكّن من الحصول على معلومات عن ابنه عن طريق وساطات تتم في معظمها عبر دفع المال، مشيرا إلى أنه ومنذ صدور التقرير بدأت التساؤلات والاتصالات من الأهالي الذين اعتقل أبناؤهم لمعرفة عما إذا كانت هناك أسماء موثقة».
بدوره، يقول أبو دهن الذي خرج عام 2000 من سجن صيدنايا بعد 13 عاما من الاعتقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن تخيل أو وصف وسائل التعذيب التي كنا نشهدها بأم العين وهي بالتأكيد لم ولن تشهدها أي دولة في العالم». ويشدد أبو دهن أن معظم المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية موجودون في سجن صيدنايا، لافتا إلى تسجيل خروج عدد قليل منهم في سنوات الحرب الأخيرة عبر طرق سرية ووصلوا إلى لبنان لكنهم يخشون الكلام أو التصريح خوفا على حياتهم، ويذكر في هذا الإطار، أنّ أحدهم وصل إلى لبنان عام 2012 وآخر عام 2013 كان قد اعتقل لمدة سنة تقريبا، موضحا: «هذا الأخير التقى أحد القضاة المعنيين بقضية المعتقلين بالسجون السورية وتم التحقيق معه، وأكّد وجود لبنانيين في السجن حيث كان معتقلا». ويقول أبو دهن إنه وقبل عام 2007 كانت الجمعية تحصل إلى حد ما على بعض المعلومات المتعلقة بالمعتقلين، لكن ومنذ عام 2007 أصبحت الأخبار شحيحة جدا.
وفي تقريرها، قالت منظمة العفو الدولية: «يتم اقتياد مجموعات تصل أحيانا إلى 50 شخصا خارج زنزاناتهم في السجن وشنقهم حتى الموت، مرتين أسبوعيا، في الغالب». وأوضحت أن «الإعدامات السرية» تمت «خارج نطاق القضاء»، و«أُدين الضحايا وحُكم عليهم بالإعدام عقب محاكمات أمام محكمة الميدان العسكرية الكائنة في حي القابون بدمشق، وتستغرق المحاكمة الواحدة بين دقيقة واحدة وثلاث دقائق كحد أقصى».
وأوضح التقرير أن السجناء يكونون «طوال العملية معصوبي الأعين، لا يعرفون متى أو أين سيموتون إلى أن يلف الحبل حول أعناقهم».
ونقل التقرير عن قاض سابق شهد هذه الإعدامات قوله: «كانوا يبقونهم (معلقين) هناك لمدة 10 إلى 15 دقيقة». وأضاف أن «صغار السن من بينهم كان وزنهم أخف من أن يقتلهم فكان مساعدو الضباط يشدونهم إلى الأسفل ويكسرون أعناقهم».
وأكدت المنظمة الحقوقية أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ولكنها مع ذلك مستمرة على الأرجح.
ويعتقل النظام السوري آلاف المساجين في سجن صيدنايا الذي يديره الجيش والذي يعتبر أحد أضخم سجون البلاد ويقع على بعد 30 كلم تقريبا شمال العاصمة. واتهمت المنظمة الحقوقية في تقريرها نظام الرئيس بشار الأسد بانتهاج «سياسة إبادة» في هذا السجن.
وجاء في التقرير «سجن صيدنايا العسكري هو المكان الذي تقوم الدولة السورية فيه بذبح شعبها بهدوء. ويشكل المدنيون، الذين تجرأوا على مجرد التفكير بمعارضة الحكومة، الغالبية الساحقة من الضحايا». وبالإضافة إلى الذين أعدموا شنقا، «قتل آخرون كثر من المحتجزين في سجن صيدنايا جراء تكرار تعرضهم للتعذيب والحرمان الممنهج من الطعام والشراب والدواء والرعاية الطبية».
وأكد أن السجناء يتعرضون للاغتصاب أو يتم إجبارهم على اغتصاب بعضهم البعض، بينما عملية إطعامهم تتم عبر إلقاء الحراس الطعام على أرض الزنزانة التي غالبا ما تكون متسخة ومغطاة بالدماء.
واعتبرت المنظمة أنه «لا يمكن لأحد أن يزعم أن مثل هذه الممارسات المنهجية والواسعة النطاق تُرتكب دون تفويض من الحكومة السورية على أعلى مستوياتها».
وبحسب إفادات الشهود التي جمعتها منظمة العفو، فإن «قواعد خاصة» كانت مطبقة في السجن، إذ لم يكن مسموحا للسجناء أن يتكلموا، وكان عليهم أن يتخذوا وضعيات محددة لدى دخول الحراس إلى زنزاناتهم.
ونقل التقرير عن سجين سابق في صيدنايا وقد عرف باسم مستعار (نادر) قوله: «كل يوم كان لدينا في عنبرنا ميتان أو ثلاثة أموات (...) أتذكر أن الحارس كان يسألنا يوميا كم ميت لدينا. كان يقول: غرفة رقم 1، كم؟ غرفة رقم 2، كم؟ وهكذا دواليك».
وأضاف نادر أن التعذيب في أحد الأيام كان عنيفا لدرجة أن عدد الموتى في عنبر واحد بلغ 13 سجينا.
ونقل التقرير عن عسكري سابق واسمه حامد، قوله إنه كان بإمكانه سماع أصوات «طقطقة» مصدرها غرفة الشنق الواقعة في الطابق الأسفل خلال حصول عمليات الشنق. وأضاف حامد الذي اعتقل في 2011 «كان بإمكانك إذا وضعت أذنك على الأرض أن تسمع صوتا يشبه الطقطقة. كنا ننام على أصوات سجناء يموتون اختناقا».
وأشار التقرير إلى أن الجثث «توضع عقب الإعدام في شاحنة، وتُنقل إلى مشفى تشرين لتسجيلها ودفنها في قبور جماعية، في أرض تابعة للجيش على مقربة من دمشق».
وكانت منظمة العفو قدرت في تقارير سابقة عدد السجناء الذين قضوا في معتقلات النظام منذ بدء النزاع في مارس (آذار) 2011 بنحو 17 ألفا و700 سجين، مما يعني أن مقتل 13 ألف معتقل في سجن واحد قد يعني أن العدد أكبر من ذلك بكثير.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.