ترمب يركز السياسة الخارجية في دائرته الداخلية

تشكيل فريقه يرجح مقاربات جديدة لصنع القرار بعيدًا عن القواعد التقليدية

ترمب وفريقه في المكتب البيضاوي (رويترز)
ترمب وفريقه في المكتب البيضاوي (رويترز)
TT

ترمب يركز السياسة الخارجية في دائرته الداخلية

ترمب وفريقه في المكتب البيضاوي (رويترز)
ترمب وفريقه في المكتب البيضاوي (رويترز)

بعد موافقة مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين ريكس تيلرسون وزيرا للخارجية، اكتمل بذلك فريق الرئيس دونالد ترمب للأمن القومي، وصار على استعداد تام للعمل.
ويختلف فريق الأمن القومي لدى ترمب عمن سبقوه من رؤساء في عدد من النقاط؛ فالرئيس الجديد قرر إحكام قبضته وسيطرته على مقاليد الأمور من خلال منح ستيف بانون، كبير المخططين الاستراتيجيين في إدارته، أو كما يصفه النقاد بشخصية «الساحر الشرير»، مقعدًا بارزًا في مجلس الأمن القومي الأميركي، كما اتخذ قرارًا بأن يتولى مستشار الأمن القومي في إدارته الجنرال السابق مايكل فلين، مهمة إصلاح أجندة مجلس الأمن القومي الأميركي بالتشاور مع بانون.
ومن شأن هذه القرارات أن تمنح الدائرة الداخلية المقربة للغاية من الرئيس القبضة المحكمة على قرارات القضايا ذات الأهمية التي ترغب الإدارة الجديدة في تركيز الاهتمام عليها.
ومن القرارات المهمة الأخرى المتخذة، حرمان هيئة الأركان العسكرية الأميركية المشتركة، وهي أعلى نسق عسكري معروف في المؤسسة العسكرية، من التواجد المستمر، كما هو الحال، في مجلس الأمن القومي. وفي عهد ترمب، سيُدعى أعضاء الهيئة العسكرية العليا إلى حضور اجتماعات المجلس فقط لمناقشة القضايا التي تتعلق بصورة مباشرة بمجالات الاختصاص والصلاحيات العسكرية.
لكن تخفيض المكانة العالية لكبار القادة العسكريين العاملين لا يمكن اعتباره من قبيل الأحداث الكبرى، ولا سيما إن علمنا أن النسق الأعلى من أنساق الإدارة الأميركية الحالية يضم بين جنباته اثنين من كبار جنرالات الجيش الأميركي المرموقين ذوي النجوم الأربع، هما وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي، إلى جانب فلين ذي النجوم الثلاث اللامعة.
تقلل التهيئة السياسية الراهنة للإدارة الجديدة، أيضًا، من الدور الذي تلعبه وزارة الخارجية، المحرك الرئيس للجهود الدبلوماسية الأميركية في الخارج. يرى الرئيس أن الخارجية تحولت إلى ما يشبه ناديا حصريًا خاصًا من الليبراليين ذوي النزعة العالمية والمعنيين بمشاعر وأحاسيس الخصوم الأجانب أكثر مما تقلقهم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وإثر ذلك، فستفقد الوزارة المقعد المحفوظ تقليديًا لنائب وزير الخارجية في الإدارة الجديدة، على رغم أن ذلك المنصب الرفيع قد يذهب في الوقت الحالي إلى أحد أشد المؤيدين لترمب وسياساته.
يشير اختيار تيلرسون على رأس الخارجية الأميركية إلى عزم ترمب الأكيد على إحداث زلزال قوي ومؤثر بين جنبات الوزارة. فالوزير الجديد رجل أعمال قوي صارم، يمتلك المقدرة على إيلاء نظرة اهتمام عاجلة ومتبصرة لجنبات السياسة الخارجية للولايات المتحدة كافة، متجاهلاً في ذلك أركان الحكمة التي أرساها الدبلوماسيون المخضرمون «المنهكون» الذين سيطروا طويلاً على أروقة الوزارة العريقة المهمة.
في هذا الإطار، سيكون مثيرًا للاهتمام بحق أن نرى مقدار المقاومة التي سيبديها تيلرسون في مواجهة موجات «التأقلم» وفرض أسلوب وخطاب المهنيين المحترفين في وزارة الخارجية الأميركية.
وتضم الدائرة الداخلية حول ترمب كذلك كاثرين ترويا ماكفارلاند، وهي من قدامي المحاربات في الإدارات الأميركية الجمهورية كافة منذ عهد الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، وتولت منصب نائب مستشار الأمن القومي في الإدارة الجديدة. وهناك أيضا دون ماكغاهان، وهو على دراية قانونية واسعة بما يجب ولا يجب فعله بالنسبة إلى الدائرة الداخلية المقربة من الرئيس، وسيتولى منصب مستشار البيت الأبيض.
ومن المتوقع أيضًا أن يضم فريق الدائرة الداخلية للرئيس نيكي هالي، التي عُينت سفيرة لدى الأمم المتحدة، مع مقعد محفوظ لها في مجلس الوزراء الأميركي الجديد، إلى جانب عضوين آخرين من أعضاء الإدارة الجديدة يرجح أن يكتسبا بعض الزخم والتأثير المهم، على الأقل في سياسة التجارة الدولية والأنماط المتغيرة في أسواق الطاقة العالمية، وهما وزير التجارة الجديد الملياردير ويلبور روس، ووزير الطاقة الجديد ريك بيري.
ويختلف الفريق الرئاسي لترمب عن مثيله في الإدارة الأميركية السابقة من جوانب عدة، فهو يتألف في غالبيته من أناس على درجة عالية من المهنية والاحتراف من الناجحين للغاية في مجالات اختصاصاتهم، وبالتالي فهم لا يدينون بمناصبهم ومكاناتهم المرموقة إلى المحسوبية السياسية المعروفة. وهذا يعني أننا يمكننا توقع وجود قدر معتبر من النقاش الحقيقي الفاعل، حتى وإن كان على مستوى الدائرة الداخلية المقربة من الرئيس.
ففي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، كانت الاستجابة الإكليشية المعيارية الدائمة من أعضاء الإدارة الأميركية كافة هي: «أجل سيدي». وفي عهد الرئيس الجديد ترمب قد يحصل المرء على صفقة جيدة من النقاش مع أولئك المحترفين، ولكن على غرار: «أجل، ولكن».
يفكر الموظف الأميركي العام من المستوى المتوسط، وفي كثير من الأحيان، بما سيحصل عليه أو يكسبه من منصبه أو وظيفته، مع نظرة فاحصة ومتسلقة للدرجة التالية من السلم الوظيفي التي يبغي الوصول إليها. وقد يكون فريق ترمب الرئاسي مختلفًا من حيث الشريحة العمرية لأعضائه. فهم أكبر بمقدار ست سنوات على الأقل من أعضاء الإدارات الأميركية الثلاث السابقة عليهم كافة، مع حقيقة مفادها أن معظم أعضاء الفريق الجديد لا تنقصهم المناصب السياسية المرموقة الحالية. إلى جانب عامل مهم آخر، وهو الثروات الشخصية الهائلة التي يتمتع بها أعضاء الفريق الجديد الذي يضم بين جنباته الكثير من أصحاب المليارات. (لم يكن هناك أحد من أصحاب المليارات في إدارة أوباما، بل كان معظمهم من أصحاب الملايين فحسب).
لكن ما الذي سيقوم به الفريق الرئاسي الجديد؟
على رغم عدم توافر إجابة واضحة وصريحة على هذا السؤال حتى الآن، فإن هناك مجموعة من المؤشرات التي تفيد بالاتجاهات التي ستتخذها السياسة الخارجية للولايات المتحدة على أدنى تقدير في بعض المجالات ذات الأهمية.
اعتبر بعض المحللين، خصوصًا في أوروبا، أن شعار «أميركا أولاً» الذي رفعه دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية الرئاسية، قد يشير إلى أن الإدارة الأميركية الجديدة قد تميل نحو انتهاج سبيل الإقصاء والانعزالية. وشعار «أميركا أولا» لدى ترمب ليس جديدًا، فلقد عرفه الشعب الأميركي من قبل في أواخر عقد الثلاثينات من القرن الماضي حين رفعه سياسيون وطنيون من أمثال هيوي بيرس، والأب تشارلز كافلين، والطيار تشارلز ليندبيرغ الذين كانت لديهم رؤية للمحافظة على الولايات المتحدة خارج آتون الحرب العالمية الثانية التي كانت تلوح في أفق السماء آنذاك. وفي هذه الأثناء، كان ذلك الشعار يعني سياسة فك الارتباط، أو حتى التجاهل الحميد، كلما أتيحت الظروف.
لكن في عهد ترمب، فإن هذا الشعار بات يعني التفاعل والانخراط الفاعل بهدف تأمين الصفقات المفيدة لصالح الولايات المتحدة. كان الشعار في عقد الثلاثينات يعني بالفعل بث مشاعر «أميركا البعيدة». غير أن ترمب جاء بقراءة جديدة ومغايرة له تمامًا تتعلق أول ما تتعلق بأهمية الولايات المتحدة وصدارتها في مجالات المنافسة المباشرة مع الأمم الأخرى حول العالم. وتتشارك الغالبية العظمى من الفريق الرئاسي الجديد هذه المشاعر، فهم رجال ونساء يملكون خبرات كبيرة وعميقة في كل ما يتعلق بالعالم الخارجي إلى جانب إتقان الكثير من اللغات الأجنبية المختلفة.
يأتي شعار «أميركا أولا» لدى ترمب مفعمًا بالكثير من مشاعر الاستياء الناشئة عن اعتقاد بأن الولايات المتحدة صارت محل «طمع» من الطامعين في الخارج من الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
يمكن للمواطن الأميركي العادي أن يكون بطل العالم في الصداقة والكرم، إلى درجة القتال والموت في ميادين الحروب البعيدة من أجل إنقاذ الأصدقاء والحلفاء. لكنه يصيبه الجنون بكل بساطة إن شعر بالاستغلال من الأصدقاء والحلفاء أنفسهم الذين اجتهد لإنقاذهم ومساعدتهم، وسيصب جام غضبه عليهم في الخفاء.
تعهد ترمب، ولا نقول فقط تهديده، تمزيق الاتفاقيات التجارية الحالية هو أمر ناتج من هذا الغضب وهذا الشعور. ورغم ذلك، بمجرد أن يكون الأمر واضحًا بأن أسوأ الاتفاقيات التجارية تصب في مصلحة الولايات المتحدة، فإن شعار «أميركا أولاً» سيحمله إلى جهة مختلفة تمامًا.
وما تبقى لنا أن ننتظره هو مقدرة الفريق الرئاسي الجديد على ترجمة الشعار البسيط، ولا نقول المبسط، ليكون العمود الفقري الراسخ لرؤية عالمية متماسكة وسياسة خارجية عملية وفعالة.
وعلى عكس أوباما الذي اعتقد، أو تظاهر بالاعتقاد، أن شخصيته الساحرة المصطنعة وحسه الفكاهي اللطيف يمكنهما تحريك أكبر العقبات من طريق الولايات المتحدة، يشعر ترمب بأنه فور الجلوس على مائدة المفاوضات ليس هناك إلا طرف واحد يملك القوة في أي علاقة من طرفين. وأوضح هذه النقطة بإسهاب في كتابه المعنون «فن إبرام الصفقات»، وفيه ينصح باستخدام البلطجة والتهديد والخداع باعتبارها من الأدوات الفاعلة في أي مفاوضات.
وفي رؤية ترمب للعالم، ليست هناك علامة مميزة لأي دولة، وحتى أقدم أصدقاء الولايات المتحدة ليس بإمكانهم انتظار التساهل التلقائي من الجانب الأميركي إن تصرفوا بطريقة غير ودية. ويمكن لأي دولة أن تكون حليفًا أو حتى صديقًا للولايات المتحدة، لكنها تتصرف بوصفها خصما أو حتى عدوا لأميركا في بعض المواقف المعينة وحيال بعض القضايا المعينة. وهناك مثالان واضحان في مخيلة ترمب. يتعلق الأول بحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي وصفه في وقت سابق بأنه حلف عفى عليه الزمن. ولا يعني ذلك أنه يريد أو يسعى إلى إلغاء الحلف برمته، بل إنه أوعز في الشهر الماضي إلى أنه يسعى فعليًا إلى تعزيز الحلف وتقويته. ولكنه سيصر بكل تأكيد على وفاء الحلفاء بالتزاماتهم من حيث المساهمات المالية وتخصيص الموارد اللازمة للحلف.
أما المثال الثاني، فهو إبلاغ ترمب حلفاء الولايات المتحدة في اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان والدول العربية الصديقة، بألا ينتظروا أو يتوقعوا استمرار واشنطن في توفير خدماتها الشرطية والأمنية الرامية لحمايتهم على أساس المعادلة الحالية. ولكن هنا أيضًا قد تكون النتيجة تعزيز التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها.
تفيد الحكمة التقليدية بأن ترمب سينتهج نهجًا «لينًا» حيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجهوده لإظهار قوته في مجال نفوذ الإمبراطورية السوفياتية الفقيدة. ومع ذلك، فإن استراتيجية بوتين تهدف في المقام الأول إلى تعزيز صورته الشخصية بوصفه زعيما قوميا قويا وقادرا يقف في مواجهة الاستبداد الغربي.
وقع أوباما في فخ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن طريق الكلام القوي والأفعال الرخوة حيال زيادة تكاليف التوسع الروسي. ومن المرجح أن يقوم ترمب بعكس ذلك: فيهدئ نبرة الخطابات الساخنة حول بوتين، لكن مع التأكد أنه يسدد أقصى ثمن ممكن سداده لاستخدام استراتيجيات الغش والخداع. وهذا هو السبب في أن المكالمة الهاتفية المطولة، لمدة 30 دقيقة، بين ترمب وبوتين لم تتضمن أي إشارة تذكر إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية على روسيا.
ومن شأن ترمب أن يعتمد هذا التكتيك أيضًا في تعامله مع طهران. فهناك، أيضًا، وصل الملالي إلى أقصى درجات الدعاية الممكنة من خلال الزعم بأنهم يقفون وحدهم في مواجهة «القوة العظمى الوحيدة في العالم»، بل ويحققون الانتصارات. وأغفلوا متعمدين حقيقة مفادها أن هذه «القوة العظمى الوحيدة في العالم» تجاوزت تحفظاتها المعتمدة من أجل نقل الأموال لسداد رواتب الأجهزة الأمنية الإيرانية، التي لا غنى عنها في تأمين أركان النظام هناك. في واقع الأمر، صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني علنا بأنه من دون مساعدة الرئيس أوباما في سياق الاتفاق النووي المبرم بين الجانبين كانت إيران ستواجه النزيف الاقتصادي نفسه الذي تعانيه اليوم فنزويلا.
وهناك الكثير من التكهنات في شأن نوايا ترمب لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وهي النقطة التي أشار إليها تيلرسون خلال جلسة الاستماع للموافقة على تنصيبه وزيرا للخارجية أمام مجلس الشيوخ الأميركي. ومع ذلك، قد لا يكون من الضروري اتخاذ مثل هذه الإجراءات القوية. بدلاً من ذلك، قد تتجه الإدارة الأميركية الجديدة إلى اتخاذ قرارين آخرين. أولهما، التوقف عن القيام بدور جماعة الضغط الخاصة بالملالي، كما كان يفعل أوباما ووزير خارجيته جون كيري. ومن شأن ذلك أن يبعث برسالة قوية إلى جميع أنحاء العالم بأن نظام الملالي في طهران لا يزال منبوذًا ومنعزلاً، وأمامه بالفعل طريق طويل قبل أن يتأهل للانضمام إلى المجتمع الدولي على النحو المقبول.
أما القرار الآخر، فأن يتناول ترمب بعض الوصفات الدوائية الخاصة بالملالي كأن ينتهج أسلوب العمليات منخفضة الكثافة مع ممارسة الضغوط المرتفعة. ففي حقيقة الأمر، أعلن الجنرال فلين، مستشار الأمر القومي الجديد، متبوعًا في ذلك بتصريح من ترمب نفسه، أن إيران صارت الآن قيد المراقبة الدقيقة من جانب الولايات المتحدة؛ بما يعني أن كل خطوة تصدر عن النظام في طهران ستستلزم رد الفعل الذي تستحقه من جانب الإدارة الأميركية الجديدة، وهو ما ظهر في العقوبات التي أعلنت أمس.
وهذا النهج هو على النقيض تمامًا من سياسة أوباما الذي تفاخر بإعلانه أن «الخيارات كافة مطروحة على الطاولة»، فيما كان يتعمد انتهاك القانون الدولي بمساعدة الملالي من أسفل الطاولة ذاتها.
أما منطقة الشرق الأوسط، مع أهمية خاصة نحو العراق وسوريا واليمن، إضافة إلى إيران، فمن المرجح أن تحتل مكانًا بارزا على أجندة ترمب الاستراتيجية العالمية. ولدى إدارة ترمب معرفة جيدة ومباشرة بتلك المنطقة أكثر مما كان متوافرا للإدارة السابقة. فلقد كان الجنرال ماتيس، وزير الدفاع الأميركي الجديد، قائدًا لقوات التحالف في العراق، ويمتلك شبكة واسعة من الاتصالات في المؤسسة السياسية والعسكرية العراقية، إلى جانب شيوخ وزعماء العشائر وكبار رجال الدين البارزين هناك. كما أنه يتحدث القليل من اللغة العربية، ويزعم المقربون للغاية منه أنه يريد للعراق بالفعل أن ينجح في بناء ذاته كدولة ديمقراطية مستقلة وذات سيادة.
ويمكن اعتبار الجنرالين كيلي وفلين من الخبراء المخضرمين في شؤون الشرق الأوسط، فهما زارا المنطقة مرارًا وتكرارًا، وخدما في مختلف المناصب العسكرية هناك منذ عقد التسعينات من القرن الماضي. وحقيقة أن ترمب استشهد بعبارة «التدمير الشامل» لتنظيم داعش الإرهابي، واعتبار ذلك من أهم الأولويات على أجندة سياسته الخارجية يضيف قدرًا كبيرًا من الأهمية إزاء مراجعة واشنطن لسياستها الخارجية نحو العراق. فالقضاء على «داعش» يستلزم اعتماد سياسة سورية تخالف التأملات المشوشة التي اعتمدها أوباما حيال القضية.
وهنا أيضًا، فإن الحكمة التقليدية التي تزعم بأن ترمب سيفسح المجال تمامًا أمام بوتين كي يضطلع وحده بمسؤولية الملف السوري هي حكمة جدًا مضللة. فمن الناحية البراغماتية المحضة، التي قد لا تكون من قبيل السياسات السيئة، قد يكون من الجيد إبقاء روسيا تائهة في المستنقع السوري واستنزاف مواردها المحدودة من أجل الحفاظ على بشار الأسد في رئاسته لما تبقى من زوايا دمشق القديمة.
ومع ذلك، فإن أهداف الإدارة الجديدة، وكما طرحها تيلرسون خلال جلسة استماع مجلس الشيوخ الأخيرة، تنطوي على هدفين رئيسيين، ولا تتسق على الدوام مع الرؤية الميكافيلية المذكورة. فهو حدد هدفين: خروج بشار الأسد من السلطة، وتدمير «داعش» تمامًا. والأهم من ذلك، ربما، هو إصرار تيلرسون على تزامن تحقيق الهدفين. وهذا يعني أن من غير المرجح أن تستمر واشنطن في اعتماد سياسة أوباما التي تقضي باستخدام الإمكانات العسكرية الأميركية فقط في سوريا لتعزيز قوات الأسد من خلال مهاجمة قوات المعارضة من غير تنظيم داعش.
فشلت سياسة أوباما بسبب أن قادة الجيش الأميركي، ووزارة الدفاع الأميركية ككل، عارضوا العمل والتعاون مع الجانب الروسي في تحقيق الأهداف العسكرية في بادئ الأمر. ومن شأن ترمب أن يطرح صفقة جديدة يمكن من خلالها لواشنطن وموسكو أن يجمعا مواردهما في المنطقة لتدمير «داعش» بالكلية، مع ضمان اختفاء الأسد ونظامه من المشهد تمامًا هناك. ومثل هذه الشراكة من شأنها الحيلولة دون وراثة روسيا لسوريا المدمرة عن آخرها، التي لن تتمكن بمفردها أبدا من إعادة إعمارها. ووفقًا للمصادر المطلعة في واشنطن، فإن الإدارة الأميركية الجديدة بدأت تستعد بالفعل في التخطيط لمساعدة القوى الديمقراطية المحلية في لبنان، حيث من المعروف عن الرئيس اللبناني الجديد العماد ميشال عون، على رغم موالاته طهران، مقدرته كذلك على تغيير مسار الأمور عندما يكون الأمر لازمًا.
ويرجع الفضل إلى الجنرال فلين، الخبير المخضرم في الشؤون التركية، في عودة العلاقات بين واشنطن وأنقرة. وهناك، فإن تطوير التوازن بين الدعم الأميركي التقليدي لحقوق المواطنين الأكراد إلى جانب الرغبة في تعزيز الموقف تركيا باعتبارها عضوًا بارزًا من أعضاء حلف شمال الأطلسي قد يكون من الأمور العصية على التحقيق، لكنه غير مستحيل بحال.
وحقيقة أن إيران باتت الخصم الأوحد للولايات المتحدة في المنطقة يعني أيضًا التواجد الأميركي الكبير في اليمن، حيث بدأت قوات المتمردين الحوثيين المدعومين من طهران في التشتت وانتهاج سبل الفوضى. وضخ الدعم الإيراني الكبير لا يزال يحول بين وقوع الهزيمة الكاملة للمتمردين الحوثيين وحلفائهم، خلال الوقت الراهن على أدنى تقدير. وهدف إدارة الرئيس ترمب هو أن تدرك طهران الكلفة الحقيقية لمثل هذه المغامرة في اليمن. ومع هذا الإدراك قد يقتنع المخططون الاستراتيجيون في طهران بمراجعة سياساتهم التي لا تقودهم إلى تحقيق أهداف واضحة ومعلومة.
ومن خلال هذا الأسلوب بصفته صانعا للصفقات، قد ينجح ترمب أيضًا في إدراج روسيا بوصفها لاعبا مشاركا في كبح جماح الطموحات الصينية المتنامية في الشرق الأقصى وسيبيريا.
يملك الفريق الرئاسي الجديد ميزة الارتباط المشترك من حيث مجموعة الأفكار المطروحة، والتي، رغم قابليتها للنقاش، يمكن أن توفر للولايات المتحدة اتجاه التحرك الواضح، وإنهاء ثماني سنوات من المسارات المتعرجة بلا دفة أو هدف في عهد الرئيس أوباما.
يعتقد الفريق الأميركي الجديد أن أعداء الولايات المتحدة يملكون القليل من القوة، لكنهم يستخدمونها بأسرها ضد الولايات المتحدة، في حين أن بلادهم تملك الكثير من القوة، لكنها كانت تخشى استخدام حتى الجانب الضئيل منها في مواجهة خصومها.
ويزعم الفريق الرئاسي الجديد أن هدفه الأول هو التأكد من أن يغير الخوف من موقعه، وأن يفر الجبن إلى خصوم الولايات المتحدة. كيف سيمكن للفريق الجديد، على نحو جيد أو سيئ، تحقيق هذا الهدف؟ ما زال علينا أن ننتظر لنرى.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».