التونسيون في صدارة الجماعات المتطرفة... لماذا؟

علماء دين يلومون «علمانية» بورقيبة وبن علي... وخصومهم يتهمون «التهميش»

التونسيون في صدارة الجماعات المتطرفة... لماذا؟
TT

التونسيون في صدارة الجماعات المتطرفة... لماذا؟

التونسيون في صدارة الجماعات المتطرفة... لماذا؟

تتابع وسائل الإعلام التونسية نشر مزيد من أسماء نجوم الرياضة والفن والمشاهير والأثرياء، من الجنسين، الذين غادروا تونس خلسة وانضموا إلى «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية أو الأصولية المتشددة في ليبيا وسوريا والعراق، إلى جانب مئات من العاطلين عن العمل وأبناء الأحياء الفقيرة في العاصمة والمدن الداخلية. وفي حين تتضارب الدراسات الأمنية والسياسية في تقديراتها لنسبة التونسيين بين مقاتلي «القاعدة» وتنظيم داعش الإرهابي المتطرف، تؤكد مصادر تونسية وأممية مختلفة أن حاملي الجواز التونسي أصبحوا في الصفوف الأولى للراديكاليين والمتشددين العرب، وبالذات، الجماعات المتورطة في أبشع أنواع الجريمة المنظمة والتهريب والإرهاب في دول الساحل والصحراء الأفريقية وأوروبا والمشرق العربي. فكيف تطوّرت سلوكيات قطاع عريض من شباب تونس، المعروف باعتداله وانفتاحه، نحو التشدد والتطرف والجريمة المنظمة والإرهاب؟ وهل تكفي الحلول الأمنية والعسكرية لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة، أم تحتاج إلى إجابات فكرية ودينية وثقافية واجتماعية اقتصادية؟ أم ستحتاج البلاد إلى استراتيجية شاملة جديدة في معالجتها للأسباب العميقة للإرهاب، وبينها الإخفاق التربوي والفراغ الديني وغياب سياسات تنموية ناجحة تفتح الآفاق للشباب والأجيال الصاعدة؟
بمعزل عن الحركات الإرهابية والمتطرفة، يفسّر رئيس وزراء تونس الأسبق الهادي البكوش، وكثرة من علماء الاجتماع والدراسات السياسية والفكرية في تونس بروز «ظاهرة الإسلام السياسي المعاصر» و«حركة الاتجاه الإسلامي» التونسية قبل 40 سنة بـ«السياسات العلمانية» التي اعتمدتها الدولة في عهدي رئيسي تونس، منذ استقلالها عن فرنسا حتى اندلاع الثورات العربية في 2011، الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.
* خطوات بورقيبة
ويسجل عمر التريكي، الباحث في العلوم السياسية، أن بورقيبة ومستشاريه أصدروا منذ صيف 1956 أول قانون للأحوال الشخصية في العالم العربي يمنع تعدد الزوجات، ويسمح للمرأة بطلب الطلاق، وهو ما اعتبره جانب من الرأي العام التونسي تمردًا على التشريع الإسلامي، واستفزازًا لمعتقدات الشعب. بينما يعتبر المؤرخ عبد الجليل التميمي، أن من بين ما استفز المتديّنين باكرًا في تونس إقدام بورقيبة بعد سنتين فقط من الاستقلال عن فرنسا على إغلاق جامع الزيتونة، وهو أحد أعرق جامعات العالم الإسلامي. واتخذ بورقيبة ورفاقه هذه الخطوة على الرغم من الدور الذي لعبه طلاب هذه الجامعة وأساتذتها في قيادة حركة التحرّر الوطني ضد فرنسا منذ مطلع القرن العشرين.
وفي 1961، دعا بورقيبة الشعب مرارًا عبر الإذاعات للإفطار في شهر رمضان. كما أزاح غطاء رأس ثلة من النساء التونسيات باللباس التقليدي الوطني في مواكب رسمية بثها التلفزيون الرسمي تحت مبرّر «مواكبة قوانين الحداثة والتقدم ومتطلبات التنمية». وكانت كل هذه الإجراءات سببا، حسب مفتي تونس السابق حمدة السعيد وعدد من الفقهاء «في إحداث فراغ في مجال المرجعيات العلمية والفقهية والثقافية الإسلامية وتشجيع التشدّد والتطرف». وبما أن «الطبيعة لا تحب الفراغ»، كما يقول وزير الشؤون الدينية السابق نور الدين الخادمي، سيطر على كثير من الجوامع والفضاءات الثقافية الإسلامية خطباء «من الدعاة البسطاء والأميين والوعاظ الذين يفتقرون إلى مؤهلات علمية، ولا يستوعبون الفكر الإسلامي المستنير والتفسير العقلاني الذي عرف به أعلام جامعة الزيتونة ومصلحوها ورواد التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر كالمشايخ سالم بوحاجب، ومحمد الخضر حسين، وعبد العزيز الثعالبي، والطاهر بن عاشور، والطاهر حداد، والفاضل بن عاشور، ومحمد المختار السلامي».
* علمانية أم إرهاب؟
ولا يتردّد بعض زعماء الجيل الأول من التيار الإسلامي الشبابي التونسي، مثل منصف بن سالم، وزير التعليم العالي بعد ثورة 2011، في تحميل حكومات بورقيبة وبن علي مسؤولية بروز ظواهر التطرف والتشدد والأصولية والإرهاب في تونس. بل إن راشد الغنوشي، زعيم حزب «حركة النهضة» وصف المتطرفين الإرهابيين بـ«أبناء بن علي»، واعتبر أنهم من «ضحايا الفراغ الديني والعلمي، وحملات القمع التي تعرّض لها رموز الفكر الإسلامي التونسي المعتدل طوال العقود الماضية. كذلك، يرجع رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية في تونس، انتشار الراديكالية باسم الدين إلى ما يصفه بـ«السياسات العلمانية المتأثرة بالمنهج الفرنسي الجاكوبي المتطرف»، الذي يختلف عن علمانية البلدان الأنجلو سكسونية «حيث لا تمارس الدولة إرهابًا على الأفراد والمجتمع من أجل إلزامها بالعداء للدين تحت يافطة التمرّد على الكنيسة ورجالاتها».
وفي الواقع، يطنب بعض رموز التيارات الإسلامية التونسية المتشددة، منذ سقوط حكم بن علي عام 2011، في التشهير بما يصفونه «ديكتاتورية النظام العلماني التونسي إبان عهدي بورقيبة وبن علي، رغم إعلان النظام التونسي منذ عام 1987 المصالحة مع الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي، وزيارات بن علي مرارًا للجوامع التونسية وللحرمين الشريفين لأداء مناسك العمرة. كما يتهكمون على صفة «حامي حمى الدين» التي كانت تطلق على بن علي، الذي يتهمونه بدوره بالترويج لقيم أوروبا الغربية المتعارضة في كثير من مسلّماتها مع مرجعيات الثقافة العربية الإسلامية.
* خلط التدين والإرهاب
من ناحية أخرى، يسجل محمد القوماني، نائب رئيس «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» سابقًا، أن من بين أسباب انتشار التطرّف والغلو بين الشباب التونسي في العقدين الماضيين «القمع الشديد الذي تعرض له عشرات الآلاف من نشطاء حركة الاتجاه الإسلامي المعتدلة التي غيّرت اسمها إلى (حركة النهضة) عام 1988 بعد تعهد كاذب من السلطات بمنحها تأشيرة حزب قانوني». بينما يعتبر المفكر والكاتب أيمن بن سالم، أن من بين «غلطات النظام التونسي خلال السنوات الـ55 من عهدي بورقيبة وبن علي، الخلط بين الحق في التديّن وممارسة الشعار في الجوامع والانتماء إلى أحزاب سياسية معارضة ذات ميول دينية». كما فسّر الكاتب علي اللافي بروز التشدّد الديني بـ«بعض القوانين والمناشير الزجرية خلال العقود الماضية»، وبينها قانون منع الحجاب المعروف بمنشوري 108 لعام 1981 و29 لعام 1987 اللذين حضرا ارتداء «الزي الطائفي» (أي تغطية شعر الرأس بالنسبة للفتيات والنساء) ومنشور غلق المساجد فور انتهاء الصلاة.
وحقًا، تداخلت الأبعاد العقائدية والسياسية في الصراعات بين قطاع من شباب تونس وسلطاتها، إبان عهدي بورقيبة وبن علي، عندما كشفت المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية جوانب من الاضطهاد والتعذيب الذي تعرض له متدينون من الشباب. وتعمّقت القطيعة بعدما شملت الإيقافات والمضايقات المراهقين وكهولاً من الجنسين عند خروجهم من الجوامع بتهمة «التعاطف» مع «حركة النهضة» أو مع جماعات كـ«جماعة الدعوة والتبليغ» التي تمنع عناصرها من الخوض في السياسة. ويعتبر المفكّر والمؤرخ محمد ضيف الله، أن هذا المناخ أفرز نواة «المجموعات المتطرفة التكفيرية» و«التنظيمات الدينية المسلحة» المتأثرة بأدبيات زعماء الجماعات الأصولية المتشددة في الجزائر ومصر وأفغانستان والعراق. وتزايد وزن أولئك الزعماء بسبب تمادي السلطات في مضايقة نشطاء المجتمع المدني والمعارضة العلمانية المعتدلة وقيادات «حركة النهضة» بمن فيهم من غادروا السجون وعادوا من المنافي واعتزلوا الحياة السياسية.
ومن ثم، تفاقمت عقدة الاضطهاد لدى نسبة من الشباب المتدين والمحافظ بنتيجة استفحال التهميش للمرجعيات والنخب الوطنية وللجامعيين والمثقفين الإسلاميين المستنيرين، مثل مجموعة «اليسار الإسلامي» أو «الإسلاميين التقدميين» و«الإسلاميين المستقلين»، التي تزعمها مثقفون معتدلون وكتاب حقوقيون بارزون مثل أحميدة النيفر، وصلاح الجورشي، وعبد العزيز التميمي. وكانت الحصيلة أن عوّض أميون متدينون الفقهاء والمفكرين والعلماء في وقت تابعت وزارتا الداخلية والشؤون الدينية سياسة عزل الأئمة، الذين عُرفوا بقدر من الجرأة في تناول القضايا الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وإن كانوا مقربين من الحزب الحاكم.
* الإسلام الاحتجاجي
وعلى الرغم من وقوف المنظمات الحقوقية وبعض الأحزاب الليبرالية واليسارية المعتدلة ضد قمع الإسلاميين ومحاكماتهم، تعمق العداء بين تيار من الشباب المتديّن والأطراف الماركسية والليبرالية؛ لأن السلطات تحالفت مع شخصيات من رموز المعارضة العلمانية ضمن استراتيجية «فرّق تسد». ولذلك؛ أدى سقوط حكم بن علي إلى انفجار صراعات إعلامية سياسية وعقائدية عنيفة بين قطاعات من اليساريين والليبراليين والإسلاميين العائدين من المنافي والسجون. وزاد الأزمة عمقا اتهام العلمانيين للإسلاميين بتحمل «المسؤولية السياسية» لاغتيال السياسيين المعارضين الكبيرين شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي.
وبرزت منذ الأسابيع الأولى بعد الثورة دعوات للثأر من النخب العلمانية التي اتهموها بالتحالف مع النظام السابق ضدهم في سنوات الجمر. وحملوهم مسؤولية المشاركة في شيطنة المعارضة ذات الميول الإسلامية طوال عقود من حكم بورقيبة وبن علي. وتسببت هذه الصراعات في توسيع الفجوة بين فئات واسعة من الشبان التونسيين المتأثرين بالمدارس اليسارية والليبرالية الغربية من جهة، وخصومهم المتأثرين بمن وصفهم عالم اجتماع ووزير سابق بزعماء «الإسلام الاحتجاجي».
* نصفهم خريجو جامعات
لكن إنفاق الدولة التونسية لنحو ثلث موازنتها للتربية والشؤون الاجتماعية جعل من تونس واحدة من الدول العربية القليلة التي فرضت إجبارية التعليم وحق الالتحاق بالجامعات بالنسبة لكل الفائزين بالبكالوريا. وقدّر الصادق شعبان، وزير التعليم العالي السابق، عدد طلبة الجامعات التونسية من الجنسين في آخر عهد بن علي بنحو نصف مليون في بلد يحوم عدد سكانه حول العشرة ملايين فقط. لذلك؛ كشفت دراسات جديدة عن فسيفساء المتشددين والإرهابيين التونسيين أن نحو نصفهم لديهم مستوى جامعي. وأكدت هذه الحقيقة دراسة ميدانية اجتماعية سياسية أعدها مركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب، التابع لـ«المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» عن «ظاهرة الإرهاب في تونس». وأوضحت عضو هذه الهيئة العلمية لهذه الدراسة إيمان قزارة، أن المركز جمع 384 ملفا قضائيا خلال الفترة المتراوحة بين سنتي 2011 و2015 جرى خلالها تتبّع أكثر من 2224 متهما بالإرهاب، واختيرت عينة تتكوّن من 1000 متهم. الدراسة بينت، أن ثلاثة أرباع المتهمين من بين أصحاب الـ2224 ملفا شباب دون الثلاثين، وأن 40 في المائة من العينة التي تم اعتمادها في الدراسة لهم مستوى جامعي، بينما درس أكثر من 95 في المائة منهم في المعاهد الثانوية. وكان الاستنتاج الكبير من قبل هؤلاء الباحثين الاجتماعيين والنفسانيين وغيرهم توجيه اتهامات للمنظومة التربوية التي أصبحت تعطي أولوية للكم على حساب الكيف.
في السياق نفسه، أبرز فتحي التوزري، عالم النفس الاجتماعي ومساعد وزير الشباب التونسي السابق بعد ثورة 2011، العلاقة بين انتشار الأفكار الراديكالية في صفوف خريجي المعاهد والجامعات وحالة الإحباط التي يعيشها الشباب التونسي جراء انسداد الآفاق المهنية وأزمة سوق الشغل.
* جذور التنظيمات المسلحة
ويشاطر بعض الأكاديميين والباحثين الجامعيين بعض الجهات التي تفسر تزايد عدد الأصوليين التكفيريين التونسيين ببروز المجموعات المسلحة في تونس والجزائر قبل الثورات العربية في 2011، وكان من بين تلك التنظيمات المسلحة ما عرف في تونس بـ«مجموعة سليمان» التي رفعت السلاح ضد الدولة في نهاية 2005 ومطلع 2006. وكان من بين زعماء تلك المجموعة سيف الله بن عمر بن حسين، المعروف بتسمية «أبو عياض» الذي يعتبر منذ سنوات من بين أخطر قيادات الإرهابيين في تونس وليبيا. وكان من بين تلك المجموعات المسلحة خلية «القاعدة» في مدينة جرجيس على الحدود التونسية الليبية في 2005، التي تبين أنها وظفت شبكة الإنترنت مبكرًا للتواصل مع تنظيم القاعدة في أفغانستان ومسلحين من تنظيمات قريبة من «القاعدة في المغرب الإسلامي» وغيرها من الجماعات المسلحة المنتشرة في جبال الجزائر وصحاريها منذ مربع قرن. ولقد تعاقبت في تونس أواخر عهد بن علي عمليات الكشف عن جماعات مسلحة متشددة دينيًا ذات امتداد مغاربي، بينها «تنظيم أسد بن الفرات» و«تنظيم عقبة بن نافع» و«الجماعة الإسلامية المقاتلة».. وغيرها.
وكانت تلك المجموعات من بين نواة بروز تنظيم «أنصار الشريعة» في تونس وليبيا وغيره من الحركات الأصولية الراديكالية بعد سقوط بن علي والقذافي في 2011. ومن المفارقات أن بعض زعماء تلك المجموعات المتشددة والمسلحة كان قد أُخلي سبيلهم في عهد بن علي، أو مباشرة بعد اندلاع الثورات العربية ضمن إجراءات «العفو العام» التي صدرت لفائدة الغالبية الساحقة من المساجين والموقوفين.
* التهميش... وانسداد الآفاق
لكن محمد التومي، الخبير في دراسة أدبيات الجماعات المتطرفة والتنظيمات التكفيرية المسلحة، يرفض أن يفسر التحاق آلاف الشباب التونسيين والمغاربيين ببؤر التوتر في ليبيا وسوريا بالإرث عن مرحلة ما قبل الثورات العربية فقط. ويورد أن «الدراسات السوسيولوجية والفكرية التي أجراها مع فريق من باحثي الجامعة التونسية، أكدت العلاقة بين تعاظم تأثير التأويلات المتشددة للقرآن والسنة والمفاهيم الخاطئة عن الجهاد وإحساس الشباب بالتهميش والإخفاق والإحباط». وفي السياق ذاته، اعتبر سامي براهم، الباحث في المركز التونسي للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية ـ سيريس ـ، أن من بين أبرز دوافع التحاق الشباب التونسي بالمجموعات المتشددة «استفحال معاناته بسبب التهميش الاجتماعي والثقافي، وفشل سياسات الدولة في مجالات التحصين الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي والأخلاقي والمهني والمادي».
* لماذا يغادرون تونس؟
لكن، حتى إذا سلمنا جدلاً بالأسباب الكثيرة لنزوع قطاع من الشباب التونسي نحو التشدد، لماذا اختارت نسبة منهم الهجرة من تونس إلى بلدان أوروبية وعربية وإسلامية كثيرة... وأصبح بعضهم يتزعم الجماعات المسلحة فيها؟ سامي براهم اعتبر أن السبب هو عجز المجموعات المتشددة عن أن توطن لمشروعها وأفكارها داخل تونس، حيث توسع هامش الحريات بعد «ثورة يناير»2011، وأن المجتمع التونسي المنفتح والمتسامح ليس لديه قابلية ليكون حاضنا للأفكار المتشددة ولهذه الجماعات التكفيرية؛ فاضطرت إلى مغادرة تونس التي يعتبرها بعضهم «بلاد كفر» يجب الهجرة منها إلى «بلاد الإسلام»، أي مناطق نفوذ «داعش».
في سياق متصل، تتوقف فتحية السعيدي، أستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية، عند سلوكيات فئة الشباب في هذه المرحلة العمرية. وتعتبر أن من بين تلك السلوكيات «المعاناة من اضطرابات نفسية واجتماعية كثيرة منها أزمة الهوية وتحقيق الذات». وتربط السعيدي بين هجرة الشباب التونسي إلى أوروبا وليبيا وسوريا وغيرها من بؤر التوتر بنية ما يعتبرونه «جهادًا»؛ لأن «التعليم لم يعد يضمن الوظيفة وفتح الأفاق... وعندما تستفحل ظاهرة انسداد أحلام الشباب الذي يعاني أصلا هشاشة نفسية وعاطفية وتربوية، يفكر في الهرب من واقعه مهما كان الثمن، وإن كان البديل مجهولاً وأكثر قتامة».
* الاستقطاب عن بعد
على صعيد آخر، بعدما تعاقبت حالات هجرة آلاف الشباب رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها السلطات التونسية في الحدود البرية والمطارات والموانئ، تأكد أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد مسارات تسفير محدودة للشباب من قبل مجموعات محلية، بل بشبكات استقطاب إقليمية ودولية نجحت في توظيف شبكات التواصل الاجتماعي في اصطياد ضحاياها وتسهيل رحلاتهم. وكشفت التحقيقات الاجتماعية التي شملت بعض المدن المهمشة في الجهات الغربية والجنوبية للعاصمة والمدن الداخلية، عن أن انسداد الآفاق الاجتماعية والسياسية والثقافية زاد هشاشة المجتمع التونسي وأضعفت سلطة الأبوين والأسرة. وبات مزيد من المراهقين والشباب يحلم بالهجرة القانونية والسرية إلى أوروبا أو سوريا وليبيا، عرضة لخطر الاستقطاب من تنظيمات منحرفة أو إرهابية، حسب الجامعي رضا الشكندالي.
ومن بين ما عقد الأوضاع، وفق عدد من الباحثين، هيمنة القيم الغربية والسلوكيات التحررية التي لا تحكمها أي ضوابط في بعض الأوساط البورجوازية في وقت تشكو فيه الفئات الفقيرة والمؤسسات التربوية ووسائل الإعلام من تراجع تأثير برامج التوعية الدينية والأنشطة التربوية والثقافية والرياضية، التي تعيد الاعتبار إلى مرجعيات العائلة الناجحة والمجتمع المتضامن. كما يرى آخرون أن استقطاب «مافيات» تدعم الجريمة المنظمة والإرهاب لشباب تونسي يتحقق بسهولة «بسبب انسداد الأفق أمامهم عن واقع بلدهم الذي انخرط في الحداثة بنسق سريع منذ عشرات السنين». وهنا يحذر هؤلاء من مضاعفات غياب مشروع وطني يساهم في ملء الفراغ الفكري والروحي والثقافي، ويساهم في تحسين ظروف الشباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية؛ مما يبرر اندفاع جزء منهم نحو «الانتقام من الآخر البعيد، وهو الغرب، والآخر القريب بالداخل، وهو الدولة وحلفاؤها السياسيين».
في السياق نفسه، اعتبر عبد اللطيف الحناشي، الحقوقي والباحث في التاريخ المعاصر، أن رفض الشباب واقعه، وتطلعه إلى إحداث تغيير جذري يحقق ذاته سهّل من عملية تجنيد كثيرين تحت يافطات ثورية حينا، وأخرى دينية حينا آخر. وسجل، أن الشباب كان سهل الاستقطاب على مر التاريخ، وبخاصة في مراحل الأزمات والحروب. وتابع أن «التأويلات المتشددة للدين والقراءات المتطرفة للمستجدات السياسية جاءت نتيجة تزايد تأثير القنوات الفضائية التي تبث خطابا دينيا أصوليًا متطرفًا، فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي التي تجيد تلك التنظيمات استخدامها لاستقطاب الشباب».
ولعل من بين مبررات ارتفاع نسبة الواقعين في فخها بين التونسيين، تعميم شبكة الإنترنت، ومنظومات الاتصال الافتراض في بلدهم منذ عقدين بنسب تفوق أغلب الدول العربية.
* تشكيك بالمعطيات
أخيرًا، يشكك إعلاميون وجامعيون وسياسيون من تيارات مختلفة في صدقية الإحصائيات والتقديرات حول عدد الإرهابيين التونسيين داخل البلاد وخارجها. إذ يتساءل الخبير في الشؤون الاستراتيجية، فيصل الشريف، ما إذا كان التونسيون يحتلون حقًا المرتبة الأولى بين مسلحي «داعش» و«القاعدة»، أم أن هدف بعض الأوساط «تشويه الثورة السلمية التونسية ونموذج الاعتدال والتوافق السياسي في البلد العربي الوحيد الذي نجح فيه نسبيا الانتقال الديمقراطي بعد ثورات 2011»؟
أيضًا، فاضل موسى، البرلماني والعميد السابق لكلية الحقوق والعلوم السياسية، قال إنه أصبح يشكك في المعطيات التي تقدمها السلطات الأمنية التونسية والدولية حول الإرهابيين التونسيين في الخارج. وهو يرى أن «التضارب في الأرقام المقدمة يدل على نقص المعلومات لدى الأجهزة الأمنية ومجموعات البحث الاجتماعية عن ظاهرة... يتميز منخرطوها بسريتهم ومناورتهم وقدرتهم على مغالطة كل سلطات الرقابة، وبعدم كشف كل أهدافهم من رحلاتهم إلى الخارج في بلد مفتوح مثل تونس».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.