دراسة عن الفوضى: كيف يقيّم الخبراء إدارة البيت الأبيض في عهد ترمب؟

الرئيس الأميركي تسبب في تعكير صفو الأسواق بحديثه عن الحروب التجارية

الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)
الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)
TT

دراسة عن الفوضى: كيف يقيّم الخبراء إدارة البيت الأبيض في عهد ترمب؟

الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)
الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)

بعد نجاحه في الارتقاء بمهاراته الإدارية للدرجة التي جعلت منه «شخصية منظمة وعبقرية»، بحسب وصف أندرسون كوبر، مقدم الإخبار بقناة «سي إن إن» الإخبارية، جاء الظهور الأول لدونالد ترمب بالبيت الأبيض فظا، ناهيك عن كونه أول رئيس ينتقل مباشرة من الجناح التنفيذي إلى البيت الأبيض.
تبدو كلمة «الفوضى» الأقرب للذهن، وكثيرا ما يعقبها كلمة «اضطراب» عند وصف الحال في البيت الأبيض، لكن هناك تعبيرا آخر جاء استثناء استخدمه المتحدث الرسمي للبيت الأبيض، شأن سبايسر، الذي استخدم وصف «مفعم بالأحداث».
فخلال أقل من أسبوعين، تسبب ترمب فيما يشبه الثوران على الحدود الأميركية، وجعل الحلفاء الأبديين ينفرون من سياسته، وعكر صفو الأسواق بحديثه عن الحروب التجارية؛ ليتسبب في موجة احتجاجات لم يتسبب فيها رئيس من قبل.
وحتى الصفحة الافتتاحية لصحيفة «ذا وول ستريت جورنال» المحافظة عبرت عن السياسة الجديدة التي انتهجها ترمب تجاه اللاجئين بوصفها بالـ«سياسة غير المدروسة والغامضة، التي لم يجر الإعداد لها جيدا، وباتت سببا للاضطرابات ونشر الخوف في المطارات، ولنشوب معركة قانونية خاسرة وشيكة، ولحدوث احتقان سياسي شديد داخل البلاد وخارجها».
وحتى باول ريان، رئيس مجلس النواب وعضو الحزب الجمهوري، الذي كان قد صرح في البداية مُرحبا بقرار الحد من الهجرة، عاد ليغير كلامه قائلا: «من المؤسف القول إن القانون لم يُطرح بالشكل الصحيح».
جميع الرؤساء الجدد يمرون بمرحلة تحول في التعليم، لكن ترمب وعد بمرحلة تحول خالية من العيوب، في ظل وجود مدير تنفيذي أكثر منه رجل سياسة في مرحلة نستطيع أن نرى فيها إدارة أشبه بالماكينة التي تعمل بشكل جيد.
ولذلك؛ ليس من السابق للأوان أن نطلب من بعض خبراء الإدارة تقييم إدارة ترمب في أسابيعها الأولى استنادا إلى سلوكها التنظيمي وكفاءتها الإدارية، كما فعلت أنا الأسبوع الحالي.
جاء الحكم المجمع عليه كالتالي: حتى الآن، تمثل إدارة ترمب نموذجا مثاليا لعدم الحاجة إلى إدارة منظمة معقدة.
بحسب ليندرد غريير، أستاذة السلوك المؤسسي المساعدة بكلية ستاوفورد للدراسات العليا في الاقتصاد «هذا يعد من الأساسيات، ويمكنك الاطلاع على ذلك في مقدمة برنامج الماجستير في إدارة الأعمال الذي يدرسه جميع طلابنا. فمن خلال المؤشرات الظاهرية، فإن ترمب في حاجة ماسة إلى اجتياز هذه الدورة».
في السياق ذاته، أفادت جيفري بفيرير، أستاذ السلوك التنظيمي بجامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «القوة: لماذا يمتلكها البعض ولا يمتلكها البعض الآخر؟»، بأن الإجراءات التنفيذية التي اتخذها ترمب بصفته رئيسا للجمهورية حتى الآن «بعيدة كل البعد عن أي إحساس بالمسؤولية الإدارية»، للدرجة التي تجعلنا عاجزين عن التحليل.
أضاف في حواره معي قائلا: «بالطبع هذا ليس بجديد؛ إذ إن حملته الانتخابية أيضا خالفت القواعد الإدارية المتعقلة. فالجميع، ومنهم أصدقاؤنا بصحيفة «وول ستريت جورنال» اعتقدوا أنه حتما سيتغير بعدما يصبح رئيسا للجمهورية، لكنني لم أقتنع بهذا المنطق».
فقد لاحظت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه بعد شهور من الهتاف تأييدا للاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات الضريبية والإنفاق على البنية التحتية، باع المستثمرون أسهمهم عقب عطلة نهاية أسبوع فوضوية نتيجة للاضطرابات التي شهدتها المطارات الأميركية بسبب قرار الرئيس المتعلق بالهجرة. فيوم الاثنين الماضي، شهد مؤشر أسهم «داو جونز» أكبر تراجع يحدث في يوم واحد منذ الانتخابات بسبب المخاوف من أن يتسبب خلل الإدارة بالبيت الأبيض في عدم تنفيذ قرار سياسات ترمب.
وحذر فيفر بقوله: «إن كنت تعتقد أن موضوع الهجرة سيئ لهذا الحد، فقط انتظر قانون الرعاية الصحية»، ولم يستجب البيت الأبيض لطلب التعليق بهذا الخصوص.
غير أن هناك مواد مطبوعة وبيانات بكميات ضخمة تغطي موضوع الإدارة الفاعلة للمنظمات المعقدة، حيث أفاد البروفسور جيفري بولزار، أستاذ الموارد البشرية بكلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، بأن «المبادئ الأساسية ساعدت الكثير من القادة بدرجة كبيرة»، مضيفا: «من البديهي أنك تريد أن تحيط نفسك بأشخاص موهوبين يملكون خبرات كبيرة ورؤى مختلفة حول الموضوع قيد البحث. ولذلك؛ فأنت تعمل على طرح القضية للنقاش للاستفادة من مختلف الآراء بهدف الوصول إلى الحل الأنسب».
لكن كل هذا سهل نظريا، لكنه صعب عند التنفيذ: «حيث يتطلب ذلك انفتاحا وقبولا للتحدي وبعض الإدراك والمعرفة بقدراتك الذاتية، وأيضا قدرا من التواضع للاعتراف بأن هناك من يعرف أكثر منك»، بحسب بولزار.
أضاف: «وإن كان هذا لا يعني أن جميع القرارات يجب أن تُتخذ بالإجماع؛ إذ يكفي أن تصدر القرارات عن الشخص الممسك في السلطة، لكن استنادا إلى الحقائق والخبرات الضرورية اللازمة لاستصدار قرارات سليمة».
خالف ترمب الكثير من تلك المبادئ الأساسية بالفعل، فمثلا قام باعتماد قانون حظر الهجرة عندما كان وزير الأمن الداخلي، جون كيلي، لا يزال في مرحلة مناقشة الأمر بصفته مقترحا، ولم يستشر وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي رأى القرار النهائي قبل ساعات من بدء سريانه.
فبحسب غريير، عدم التشاور مع كبار الوزراء والمسؤولين قبل اتخاذ القرار يعد ضربا من «الجنون» طالما أنهم «يملكون الخبرة والمعلومات الكافية»، مضيفة أن «تجاهلهم يؤدي حتما إلى قرارات سيئة، ناهيك عما يسببه ذلك من خفض لمعنوياتهم».
هناك سبب آخر يدعوك إلى الاستشارة، بحسب غريير «فعندما يكون الناس طرفا في صياغة قرار ما، ويكون كلامهم مسموعا ويشكل قيمة ويلقى الاحترام، فسيزيد دعمهم القرار، وسيمثل ذلك حافزا لهم للإجادة وبذل أقصى ما في طاقتهم، حتى وإن كان القرار على غير هواهم».
وعلى العكس، فالناس الذين لا تجرى استشارتهم يشعرون بأنهم لم يشاركوا في النتائج. وناهيك عن مسألة تشجيع وتقييم مختلف الرؤى بوصفها جزءا من صناعة القرار، فإن ترمب من ذلك النوع الذي يرى اختلاف الآراء نوعا من عدم الولاء. فبعدما قام ضباط إدارة الأمن الداخلي بتوزيع استبيان للتأكد من فاعلية قرار حظر الهجرة، كان رد سبايسر «عليهم الالتزام بالبرنامج أو الرحيل».
فبحسب غريير: «النقاش والاختلاف ضروريان للوصول إلى نتيجة إيجابية»، مضيفة أن «التعليقات، مثل تلك التي صدرت عن سبايسر، ستمنع أي إنسان عن الكلام، وسينتهي بك الأمر بالتفكير الجمعي، وستشعر بأنك في غرفة يردد من بداخلها ما يود الرئيس سماعه فقط».
ورغم أن الجميع يفهم أن الرئيس يود السير بسلاسة لتنفيذ وعوده الانتخابية، فقد جاءت قائمة قراراته التي أصدرها في يومه الأول بالبيت الأبيض متسرعة من دون داع وغير مدروسة. فبعض القرارات كانت تحتاج إما إلى إعادة صياغة «مثل الحديث عن الضريبة الإضافية على الحدود المكسيكية»، أو لتعديل وتوضيح كبير (بعد قانون الهجرة).
لقد طالب خبراء الإدارة بتجاهل رؤاهم إزاء مزايا سياسات ترمب، لكن الجميع أفاد بأن نصوص المواد والتنفيذ مرتبطان، ولا مناص من ذلك.
«فعندما تكون على الطرف الآخر المتلقي للقرار، فإن مزايا القرار والتنفيذ يسيران يدا بيد»، وفق بولزار. «فإن جرى تنفيذ أي منهما بشكل سيئ، فستكون النتائج سيئة. فحتى الخطط الجيدة سيئة التنفيذ لا تعمل بشكل جيد».
فبالنسبة للكثير من الناس، فإن قانون الرعاية الصحية تعرض لضرر كبير بسبب أعطال الكومبيوتر التي طرأت في البداية. وبالصورة نفسها، فبالنسبة للكثير من الأميركان، فالصورة التي ستستمر في الذهن هي صورة سياسة الهجرة التي سنها ترمب التي جسدها المهاجر العراقي الباكي الذي احتجز بمطار جون كينيدي الدولي بعدما ضحى بحياته في العمل مترجما لحساب الجيش الأميركي لعشر سنوات كاملة، ولم يُفرج عنه إلا بعدما تدخل بعض المحاميين دفاعا عنه.
دعا ذلك ريان للقول إن «لا أحد يود أن يرى حاملي الغرين كارد (الإقامة الأميركية)، أو حاملي التأشيرات الأميركية الخاصة، مثل المترجمين، يُلقي القبض عليهم بهذه الطريقة».
وقال بعض المدافعين عن ترمب: إنه من هذا النوع الذي يتغذى على الفوضى (ينجح في ظل المناخ الفوضوي)، وهو النهج الذي أثبت فاعليته في الماضي. لكن كل خبير استشرته أفاد بأنه ليس هناك بيانات تجريبية أو أبحاث تقول إن الفوضى يمكن أن تمثل بيئة إدارة منتجة: «لا أعرف أيا من المدافعين عن هذا النهج، ولا أعرف ما يجري في البيت الأبيض حقيقة؛ ولذلك لا أشعر بالارتياح للتعليق على هذا الأمر تحديدا. لكن بصفة عامة أستطيع القول إنه من الناحية التنظيمية، فإن الفوضى ليست مستحبة».
فالجميع وافق على أنه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام ترمب لتعديل مسار السفينة؛ فالإدارات السابقة، أجرت تصحيحا في المسار وتغيرات في الأسماء، لكن أن يتم ذلك بعد أسابيع من تولي السلطة شيء غير مبشر. فلو أن هذا حدث في القطاع الخاص فسيؤدي إلى الطرد من العمل، وفق غريير. فمن غير المرجح تنفيذ ذلك طالما أن ترمب لم يعترف بالمشكلة بعد، ولكن اللوم يوجه للإعلام لإيحائه بأن هناك ثورانا في البيت الأبيض.
ووصف بفيرير ما يحدث بالمشكلة الكبيرة، وأنه «من غير المعقول اتخاذ قرارات استنادا إلى أكاذيب، فشعوري هو أن ترمب لا يستشير أحدا غير نفسه؛ ولذلك فأسوأ فترات الإدارة هي تلك التي نعيشها».

* خدمة «نيويورك تايمز»



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.