أسبوع باريس لـ«هوت كوتور»... ربيع وصيف 2017 يحن إلى حميمية أيام زمان

المصممون يتخبطون بين غزل الأحلام ونسج خيوط تربط الماضي بالمستقبل

TT

أسبوع باريس لـ«هوت كوتور»... ربيع وصيف 2017 يحن إلى حميمية أيام زمان

تأرجح أسبوع الـ«هوت كوتير» في باريس لربيع وصيف 2017 بين المبتكر المنفذ بحرفية عالية والتجاري المغلف باحترافية. بعض العروض جعلتنا نحلم، بينما ذكرتنا أخرى كيف تغير الأسبوع الذي كان في يوم من الأيام قاصرا على النخبة، ومنبرا يستعرض فيه المصمم قدراته وخصوبة خياله، إلى أسبوع يدعي فيه الديمقراطية، ويحاول فيه المصمم البقاء في الساحة بأي ثمن. ما أكده الأسبوع الأخير أن بيوت الأزياء العريقة في مجال «الكوتير» مثل «ديور»، و«شانيل»، و«فالنتينو»، غير محتاجة إلى بذل جهود كبيرة لإقناعنا بأهمية وجمال اقتراحاتها، فهي تتمتع بحرفيين متمرسين ينضوون تحت أجنحتها ويتعاملون مع المهنة بحب وفخر، على العكس ممن لا يمتلكون الإمكانيات الكبيرة نفسها، ومضطرون للبحث على ورشات متخصصة يتعاملون معها لتنفيذ فستان قد يتعدى سعره المائة ألف دولار بسهولة. هؤلاء قدموا أزياء تحاكي الـ«هوت كوتير»، ويقتصر فيها الترف على الأقمشة والتطريز. المشكلة في عروض هذا الموسم أنها افتقرت في السنوات الأخيرة إلى جموح الابتكار وجرأة الاختبار، وهو ما كان يدخل في صميم شخصيتها. فقد كانت في زمن الكبار مختبرا لأفكار قد يراها البعض فانتازية أو سريالية، لكن يتم تطويعها فيما بعد في الأزياء الجاهزة. لم يكن الهدف الأساسي من الـ«هوت كوتير» الربح التجاري بقدر ما كان منح الدار والمصمم على حد سواء «بريستيج» يترجم في مبيعات الأزياء الجاهزة والإكسسوارات والعطور ومستحضرات التجميل فيما بعد. وهذا تحديدا ما كان يعطي أي قطعة تحمل توقيع «هوت كوتير» خصوصيتها وتفردها ويجعلها تحاكي التحف الفنية. لا ننكر أن الأسبوع شهد عروضا مبهرة، لكن نعود ونقول إنه بعيدا عن الديكورات الضخمة التي تنافس الأزياء وأصبحت لصيقة ببعض بيوت الأزياء الكبيرة، تبقى الأزياء أهم ما في الأسبوع، علما بأن هذه الأزياء يجب أن تختزل كل معاني الترف والفخامة في كل غرزة وكل طية. فالديمقراطية هنا لا تنفع حتى وإن كنا في عصر «الإنستغرام». فامرأة مستعدة لدفع مئات الآلاف الدولارات لقاء قطعة فريدة لا شك ترفض رفضا باتا أن يراها الجميع على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تصل إليها، وربما هذا ما جعل بيوت أزياء مثل «فرساتشي» تختار عدم تنظيم عرض أزياء كبير كعادتها، مفضلة عرضا مصغرا استعرضت فيه فساتين لا تتعدى العشرين تصميما، قالت إنها سترحل بها إلى زبوناتها أينما كن عوض استعراضها أمام العالم. ما تبينته الدار أن زبونة الـ«هوت كوتير» لا تريد أن تشتري فستانا استهلك على شبكات التواصل الاجتماعي أو ظهرت به نجمة قبلها حتى وإن كانت من الصف الأول. هذه الزبونة تعرف أن لها سطوة، وأن كلمتها مسموعة، وبالتالي تطمع أن تحصل على تحفة مفصلة على مقاسها، والأهم من هذا لا سبيل لغيرها إليها. هذه الفلسفة أصبحت مهمة الآن أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغير وأصبح مشاعا لكل من لها الإمكانيات المالية، بغض النظر إن كانت تتذوق هذا الترف وتُقدره، أم فقط تستعمله للتباهي ووسيلة للانخراط في ناد لم تكن تدخله في الماضي سوى قلة من الأرستقراطيات والنخبويات.
ما تستخلصه أيضا من الأسبوع أنه ممزق بين الماضي الجميل والحاضر المضطرب، ما جعله يعاني من ازدواجية أقرب إلى الانفصام. فقد روض معظم المصممين جموحهم وتبنوا أسلوبا أرادوا منه التذكير بالزمن الجميل عندما كانت الأزياء الرفيعة تقدم في صالونات حميمة، لكنهم لم يستطيعوا أن يديروا ظهورهم لوسائل التواصل الاجتماعي تماما. صحيح أنهم خففوا منها بتقليص عدد المدونات وفتيات «الإنستغرام» اللواتي كن يحتللن المقاعد الأمامية على حساب محررات الموضة في المؤسسات التقليدية في المواسم الماضية، إلا أنهم لم يستطيعوا إلغاءها تماما. فالعملية اقتصرت على نوع من الغربلة، حفاظا على خصوصية العروض والزبونات اللواتي يحضرن العروض للشراء، وهو ما انعكس أيضا على الديكورات التي استعملت لتعكس جمال الأزياء لا أن تسرق الأضواء منها.
«شانيل» مثلا قدمت عرضها لربيع وصيف 2017 كالعادة في «لوغران باليه» الذي توسطته مرايا دائرية ممتدة من منصة العرض إلى أعلى، قالت الدار إنها استلهمته من مرايا توجد في مشغلها الواقع بشارع «غامبون» ومطبوعة بالآرت ديكو، فيما ظهرت على الجوانب مزهريات تحتضن باقات من السوسن الأبيض. غني عن القول إن هذه المرايا وانعكاسات الضوء عليها كانت خلفية رائعة للأزياء التي غلبت عليها ألوان فاتحة وهادئة مع زخات ماسية تخللت ثنايا كثير من التصاميم.
كعادته أكد كارل لاغرفيلد أنه ساحر يتمتع بقدرات تأثير هائلة بغض النظر عما يقدمه. استهل العرض بمجموعة من التايورات بخصور عالية زادتها الأحزمة التي تجلس تحت الصدر مباشرة وضوحا. لم تكن أجمل ما في العرض، بل يمكن القول إنها كانت صارمة إلى حد ما بأحجامها وسماكة أقمشتها، ولم تنجح الألوان ذات الدرجات الهادئة التي تتباين بين الأخضر والوردي والمشمشي والليلكي والأصفر، ولا الأحزمة في التخفيف من صرامتها. ما يشفع لها أنها مفصلة بأسلوب لا يُعلى عليه من شأنه أن يروق لسيدة أعمال أو شابة تريد أن تفرض وجودها وتعانق تضاريس جسدها. لحسن الحظ سرعان ما أتبعها بمجموعة تتميز بخطوط مستقيمة تتفرع وتتسع من أسفل فيما شرحت الدار بأنه مستوحى من شكل الملعقة، أو بالأحرى من تحفة فنية نحتها الفنان السويسري الأصل ألبرتو جياكوميتي في العشرينات من القرن الماضي تُعرف في الأوساط الفنية بـ«المرأة الملعقة» (Spoon Woman).. كارل لاغرفيلد ترجم هذا الشكل من خلال التفصيل المستقيم من الأكتاف إلى الركبة أو أسفلها، حيث يتسع التصميم إما نافشا ريشا وإما بكشاكش متفتحة. وإذا بدا هذا الشكل جديدا وغريبا للوهلة الأولى في القطع الموجهة للنهار، فإنه أخذ بُعدا أكثر أناقة وتفردا في أزياء المساء والسهرة. فهو على الأقل جديد، وهو ما يعتبر عز الطلب في هذا الموسم بالذات. لكن إذا كانت النية التمويه على تضاريس الجسم وإعطاء الانطباع بالرشاقة فإن العملية تحتاج إلى بعض التدبير والتنسيق، وربما هذا ما جعل الحزام جزءا لا يتجزأ في هذه التشكيلة. فالمصمم هذه المرة لم يحتفل بالنحافة كعادته وعانق الأنوثة بكل تناقضاتها، وهو ما يمكن اعتباره مُنعشا بالنسبة لمصمم لم يخف يوما ميله إلى المرأة النحيفة. لمناسبات السهرة والمساء قدم فساتين تخاطب كل الأذواق والأجيال مثل فستان أسود على شكل معطف طويل بياقة عالية ظهرت به العارضة جيجي حديد، وآخر يتميز بخصر عال وكشاكش من الريش من أسفل ظهرت به العارضة كيندل جينر. ويبدو أن الريش كان ملحا على المصمم لأنه اكتسب قوة غير مسبوقة في هذه التشكيلة، حيث ظهر إما في أكمام وإما حواشي مجموعة لا بأس بها من التصاميم. من ناحية الألوان فإن الدرجات الهادئة غلبت حتى على فساتين السهرة، من اللون الأبيض إلى الوردي، فيما أضفى اللون الماسي كثيرا من البريق عليها.
الحديث عن البريق يجعل اسم إيلي صعب أول ما يقفز إلى الذهن، لأنه عاد إليه في هذه التشكيلة من خلال التطريز السخي. على غير عادته، لم يكن الهدف الأول لإيلي صعب أن يبيع لنا حلما بقدر ما كان إحياء ذكرى أيقظت كثيرا من الحنين إلى ماضينا الجميل. كانت مصر ملهمته، حيث غرف من نيلها زرقة وصفاء ألوانه، ومن سينما الأبيض والأسود كلاسيكية كل قطعة تعانق الجسم بأنوثة لا تخطئها العين، ومن جمال ورقي نجمات الخمسينات والستينات أناقة التشكيلة ككل. كان العرض لقاء حميما بفاتن حمامة وهند رستم وتحية كاريوكا وسامية جمال وغيرهن. وحسب تصريح إيلي صعب فقد «كان الكل أنيقا في مصر أيام عزها، عندما كانت تُعرف بهوليوود الشرق». ورغم أن التركيز كان على الماضي القريب، كانت هناك أيضا ومضات تستحضر حضارة الفراعنة، مثل عين واقية من الحسد باللون الأزرق مطرزة على تنورة مستديرة في فستان طويل وغيرها. القول إن إيلي صعب استخدم البريق والتطريز بجرعات خفيفة وموزونة لن يكون صحيحا، لأنه أظهر كرما في استعمال الخرز والترتر والأحجار غاب من عروضه لعدة مواسم. ومع ذلك لم يُسبب هذا الكم زغللة أو تخمة بل العكس تماما، فكل فستان كان يمر من أمامك يُنسيك ما سبقه لتكتشفي كم أنت عطشانة لماء النيل والعوم في زرقته. هذا لا يعني أن الأزرق، بدرجاته المتباينة بين السماوي الهادئ والداكن، كان اللون الوحيد أو الأقوى، لكنه أكثر ما يعلق بالبال، بل كان هناك تعادل بينه وبين ألوان أخرى مثل الذهبي والبيج المتلون بدرجات متنوعة، فيما كان القاسم المشترك بينها جميعا بريق الماس والترتر والأحجار، ما جعل العرض مثيرا بالنسبة للضيوف العرب تحديدا، ليس توزيع الموسيقى الذي جمع الغربي بالعربي فحسب، بل كونها ثاني مرة يستقي فيها المصمم من الجغرافيا العربية. المرة الأولى كانت تشكيلة «شمس بيروت» التي اعتمد فيها لونا واحدا، هو الذهبي، وحينها لم يتصور أحد أن ينجح في إعطاء لون واحد عدة شخصيات من دون أن يصيب بالملل، وهو ما تكرر في هذه التشكيلة التي أغرقها بالتطريز ومع ذلك اكتسبت توازنا عجيبا. تجنب المصمم الغرف من الثقافة العربية إلى حد الآن، ربما يعود إلى خوفه من النمطية كما قد يكون خوفا من الوقوع في مطب الكليشيهات والفولكلور. تشكيلته لربيع وصيف 2017 أكدت أنه لا خطر عليه من هذا الأمر، فالتطريز كان عصريا كذلك الدمج بين الألوان، لتكون النتيجة فساتين تقطر برومانسية تعشقها زبونته، ولا شك ستشكره عليها وهي تتخايل بها هذا الصيف.
في المقابل قدم جون بول غوتييه تشكيلة تفتقر إلى بريق الترتر والخرز، واكتفى فيها بالتفصيل الذي يُتقنه. فمنذ أن اعتزل تصميم الأزياء الجاهزة وتفرغ لـ«هوت كوتور» وشقي الموضة الفرنسية كما يحلو لصناع الموضة تسميته، يعطي الانطباع بأنه لا يأخذها بجدية. فنجاح عطوره ومبيعاتها تكفي لاستمراره وتغذية رغبته في إبداع قطع تُعبر عن فلسفته قبل أن تستجدي رضا الأسواق العالمية. الأزياء التي قدمها في الأسبوع الماضي أكدت أنه لا يزال في جعبته كثير، من الناحية التقنية على الأقل، أما اللهو والمرح فما هما إلا لغة مسرحية وبهارات تخفي بين طياتها الكثير من الحرفية والقدرة على التفصيل سواء في تايورات «توكسيدو» أو في فساتين منسدلة تستحضر أميرات الأساطير. القصة التي نسجها المصمم هذه المرة جرت أحداثها في الحقول والمزارع بطلتها فتاة قروية تعيش حياتها بالطول والعرض غير مبالية بأي تفاصيل من شأنها تقييد حريتها، على كل المستويات. لم يقدم المصمم جديدا لم نره من قبل في عروضه، لكنه على الأقل ظل وفيا لأسلوبه، وهذا ما جعل الإخراج المسرحي مهما بالنسبة له للتمويه على المألوف الذي يعتبر مضادا للموضة. الطريف أننا بتنا نعرف مسبقا أنه لن يقدم تصاميم ثورية، كما بتنا نتوقع السيناريو نفسه الذي هو عبارة عن موسيقي يعزف على المنصة أو راقصة تتلوى بفستان فني، ثم ظهور جون بول غوتييه وهو يجري على طولها بعد انتهاء العرض مثل الطفل الذي نجح في الامتحان، ومع ذلك يبقى دائما من العروض التي يتحمس لها الجميع ويترقبونها، لأنها دائما ممتعة تُشعرك بأنك جزء من المسرحية ولست مجرد متابع لها من بعيد. تُشعرك أيضا بالتعاطف مع مصمم يسبح ضد التيار في زمن لم يعد هو الزمن الذي تعود عليه، فيما يمكن اعتباره شجاعة وتمردا على الحال التي آلت إليها الموضة، أو إيمانا بأسلوبه واحتفالا بحريته بعيدا عن إملاءات الأسواق.
وإذا كان جون بول غوتييه ركز على فساتين وتايورات مفصلة تناسب واقع امرأة عملية في حال تعاملت معها بحنكة وذوق، فإن الثنائي الهولندي «فكتور آند رولف» قدما تشكيلة تحمل رسالة نبيلة تمحورت على حماية البيئة والتمرد على الموضة السريعة. ترجما هذه الرسالة باستعمالهما أقمشة مستعملة أعادا تدويرها وتوظيفها بذوق في فساتين تعبق بإيحاءات من الثمانينات، كما تستحضر عهد ماري أنطوانيت وحفلات البلاطات الفخمة بكشاكشها واستدارتها.
التلاعب بالأقمشة المستعملة ليست فكرة جديدة، فقد سبقهما إليها مارتن مارجيلا في الثمانينات، وكانت حينها ردة فعل على الفخامة والبذخ اللذين شهدتهما الموضة في تلك الحقبة، لكن ما يُحسب للثنائي فكتور هورستينغ ورولف سنورين أنهما صبا فيها كثيرا من الحداثة والحيوية، رغم نكهتها السكرية في بعض الحالات. بعد العرض شرح المصممان أن هدفهما لم يكن تقديم أزياء رائعة الجمال ودقيقة التفاصيل لا تخلو من أخطاء، بل العكس تماما، فمن الفوضى يولد الجمال أحيانا، لهذا تعمدا أن تبدو بعض الأجزاء ممزقة أو مرقعة بتقنية الباتشوورك، التي كان من الصعب تصورها في موسم يقوم على الفخامة أولا وأخيرا. ورغم أن الثنائي الهولندي لا يهتم عادة بالجمال بقدر ما يهتم بالفنية التي تخلق حوارا فلسفيا وفكريا، فإنهما هذه المرة لم يستطيعا تجنب العنصر الجمالي الذي تسلل إلى كثير من الفساتين لا سيما ذات التنورات المستديرة.
رغم كم الإبداع الذي تابعناه في أسبوع لربيع وصيف 2017، فإن أكثر من عبر عن روحه واختزلها هو الإيطالي بيير باولو بيكيولي، مصمم «فالنتينو»، باقتباسه من مسرحية «العاصفة» لشكسبير مقولة الساحر بروسبيرو «إنها من الأمور المغزولة بالأحلام» التي أسقطها على الـ«هوت كوتير»، ليؤكد لنا أننا في موسم بيع الحلم. واعترف بيكيولي أنه لم يكتف بشكسبير واقتبس أيضا من فلوبير مقولته بأن «الهدف من الفن هو صنع الأحلام»، وما قدمه في اليوم الأخير من الأسبوع كان فنا بكل المقاييس. غني عن القول إن قلة تتحقق أحلامها، في حين تبقى أزياء هذا الموسم بالنسبة للغالبية منا مجرد أحلام تدغدغ الخيال من بعيد. كانت هذه أول تشكيلة «هوت كوتير» يقدمها المصمم لـ«فالنتينو» بشكل منفرد، بعد مغادرة نصفه الثاني في العمل ماريا غراتزيا تشيوري الدار، لتكون أول مصممة تدخل «ديور» منذ تأسيسها. هي الأخرى قدمت تشكيلة حالمة استوحتها من غابة مسحورة تسكنها الجنيات، واستغلت فيها كل إمكانيات «ديور» لتعبر عن حلمها من خلال أزياء عصرية ترقص على نغمات رومانسية. لكن الفرق بينهما شاسع، فماريا غراتزيا في أول الطريق ويلزمها بعض الوقت لتتشرب تاريخ وعراقة الدار وتُتقن لغتها الفرنسية، وهو ما يختلف بالنسبة لبيكيولي. فهو لم ينسلخ عن المحيط الذي يعرفه جيدا، وبالتالي كان من السهل عليه أن يقف شامخا على قدميه ولوحده، حسبما أكدته تشكيلة تقمص فيها دور نحات تارة ودور شاعر أو بائع أحلام تارة أخرى. كل ما فيها ضج بالحرفية والتعقيد المبسط، وعدم الارتباط بفترة زمنية، رغم أن أساطير اليونان كانت حاضرة فيها.
فقد أطلق على كل قطعة اسم شخصية من هذه الأساطير مثل إيروس، وإيكارو، وأبولو، أثينا وهلم جرا. فستان أثينا مثلا جاء على شكل معطف طويل من الكشمير باللون العاجي تخللته تطريزات خفيفة، بينما استعمل في فستان أبولو، إله الشمس، تقنية على شكل ضفائر مجدولة من الموسلين والتول دمج فيها ما لا يقل عن 15 درجة من اللون الأصفر. أما اللغة الشاعرية التي استعملها فتجسدت في خطوط منسدلة من الأكتاف إلى القدمين، أغلبها بألوان فاتحة وهادئة تصدمك ببساطتها الراقية، فيما جاء بعضها الآخر مطرزا بدقة وكأنه حديقة أزهار متفتحة بفضل تقنية الماكارمي التي تطلبت قرابة ألفي غرزة تقريبا.
وكأنه خاف على كل هذا الجهد من التلف وتعمد تغطيته بالتول الذي لعب دور ستارة خفيفة زادت القطعة جمالا. البليسيهات أيضا كانت قوية في بعض الاقتراحات وكانت تتحرك بحرية، لكن من دون أن تخرج عن الخط المرسوم لها.
لا شك أن هذا العرض بالذات كان مهما بالنسبة لبيير باولو بيكيولي، تماما مثل ما كان لماريا غراتزيا تشيوري. فكل الأعين كانت منصبة عليهما نظرا لشعبيتهما كشريكين عملا في «فالنتينو» لنحو 25 عاما، ونجحا أن يكونا خير خلف للمؤسس غارافاني فالنتينو الذي حضر العرض، وكان مثل كل الضيوف مشدوها. بينما قدمت تشيوري تشكيلة حالمة أقدامها في الأرض، وقدم بيكيولي تشكيلة حالمة تحلق في السماء بقوتها، وكانت كل ما نحتاجه لكي نتأكد من قوة الـ«هوت كوتير»، وأهميتها في الحاضر والمستقبل.



خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.