موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

في نقد نظرية التعاقد الاجتماعي

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن
TT

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

عرفت أوروبا منذ القرن السابع عشر نقلة نوعية في التفكير على جميع الأصعدة، حيث حدث انقلاب هائل في الرؤية للعالم. وعلى الصعيد السياسي، ظهرت نظرية ثورية سميت بـ«التعاقد الاجتماعي»، بدأها بقوة مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة، الإنجليزي توماس هوبز، بكتابه «الليفيتان» الذي وضع فيه اللمسات الأولى والمبادئ المؤسسة لهذه النظرية، معلنًا بداية إمكانية تحمل الشعب لمسؤولياته، وتدبير مصالحه بيده، من دون أن يترك الأمور تنفلت من قبضته.
وركز هوبز على أن العمل السياسي مطالب بضمان أقدس حق، وهو حق البقاء. هذا العمل النظري الافتتاحي سيعمل الفيلسوف جون لوك على إتمامه وترميمه، بالتركيز على حق الملكية، مما سيدشن الانطلاقة الفعلية نحو مجتمع ليبرالي لا يزال صداه مسموعًا في زماننا.
وليتوج التنظير السياسي الحديث مع جان جاك روسو، بكتابه «العقد الاجتماعي» الذي أعلن السيادة للشعب، بوضوح كامل، قائلاً عبارته الشهيرة: «من يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد».

هذه النظرية التعاقدية التي يترابط فيها الناس فيما بينهم بعقود اختيارية تضمن لهم المصالح المشتركة، وتجعل شأنهم العام من اختصاصهم هم فقط، أي إعلان أن الإنسان سيد نفسه، ومدبر أمره، وسيد تشريعه، ومعنف نفسه، والشاهد الوحيد على سلوكياته، والمدرك لما يفيده، ستسود وتطغى في كل أصقاع العالم، مشكلة الأفق الذهني لزماننا. وقد أصبحت تلك القيم والمبادئ وكأنها المسلمة الوحيدة الممكنة لبني البشر، وهو ما دفع الفيلسوف طه عبد الرحمن إلى نقدها، معلنًا أنها نظرية فاشلة، بل «خائنة»، وجب تجاوزها نحو ما يسميه الميثاق الائتماني، فالتعاقد الاجتماعي كنظرية، بحسب ما يراه، قد تآكل، واستنفد إمكاناته. فماذا يقصد طه عبد الرحمن بالميثاق الائتماني؟ وما مبررات دعوته؟
كي نلقي نظرة على موقف طه عبد الرحمن، سنعتمد المدخل العام لكتابه الجديد، الصادر أخيرًا عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بعنوان «دين الحياء»، الجزء الأول.
* موت الإنسان المعاصر
عندما نسمع بفكرة موت الإنسان المعاصر عند طه عبد الرحمن، نتذكر مباشرة الفكرة نفسها عند الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، فهو من أعلنها أولاً، لكن ليس بالمعنى نفسه. ولئن عنى فوكو بالفكرة أن مواصفات الإنسان الحديث، باعتباره حرًا وفاعلاً وصانعًا لمصيره وتاريخه، هي مجرد أوهام، فالإنسان على عكس ذلك مسحوق بقوى وبنيات معتمة تتحكم فيه، سواء أكانت بنيات تاريخية أو اقتصادية أو لغوية أو نفسية أو اجتماعية أو معرفية. فادعاء أن الإنسان هو الفاعل الأول والأخير، هو من وجهة نظر فوكو أمر مزيف. فهو في حقيقته مفعول به؛ إنه باختصار مجرد كائن ميت. لكن موت الإنسان المعاصر عند طه عبد الرحمن قد أخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا.
ينطلق طه عبد الرحمن بداية من إعلان أن الإنسان المعاصر لم يعد يعني سوى الإنسان الغربي، باعتباره النموذج والمثال المجرد الذي تسير البشرية على خطاه. فكل فرد، وفي أي رقعة جغرافية، وأيًا كانت ثقافته، يحمل في صدره «مثال الإنسان المعاصر»، بل يعمل على تجسيده سلوكًا في حياته. وما ساعد على انتشار هذا الطراز من الإنسان ثورة الإعلام والاتصال التي كرسته كأفق ونموذج وحيد موجه للنظر والعمل.
بعد هذا التوضيح، يتساءل طه عبد الرحمن عن أهم سمة تميز هذا المثال من الإنسان الغربي؟ ويجيب مباشرة، وبلا تردد، إنه إنسان ضد «الفطرة»، وهي بؤرة القيم الأخلاقية التي لن تكون إلا ذات جذور دينية، بحسب عبد الرحمن. ومن ضاعت فطرته النابعة من الدين، فقد «مات قلبه». لهذا، فعصرنا لا يقدم لنا في الحقيقة سوى نموذج الإنسان الميت لأنه ضيع الدين، وفصله عن كل قطاعات الحياة. ومن ثم، أصبحت تصوراته وسلوكياته بلا سند من الفطرة ونور القلب. إذن، موت الإنسان عند طه هو موت القلب وضياع الفطرة ذات الأصل الديني، وليس الموت بمعنى ضياع الفاعلية والقدرة على الفعل الحر، كما روج لذلك ميشال فوكو.
ويستمر طه عبد الرحمن في أطروحته، ليعلن أن المسلم ليس بمعزل عن هذا النموذج من الإنسان الغربي، فهو يدور في فلكه، بل يستدمجه ويستبطنه في كيانه، مثله مثل بقية البشر في زماننا هذا، مما يجعل منه بدوره إنسانًا مهددًا بشبح «الإنسان الميت». وكيف لا، وهو يستهلك منتجات ثورة الإعلام والاتصال، بل إنه من المساهمين برأسماله في الترويج لهذه المنتجات؟ باختصار، يقول طه عبد الرحمن: «إن أفراد الإنسانية أصبحوا عن بكرة أبيهم يدورون في فلك الموت».
إن هذا الإنسان المعاصر، المشكل للمثال الخلقي والذهني للعالم، سيوجه له طه عبد الرحمن نقدًا قويًا، خصوصًا لأهم الأسس النظرية التي يبني من خلالها كيانه. وهي أسس تتمثل في نظرية التعاقد الاجتماعي، حيث سيعمل على إيجاد بديل لها لإحياء الإنسان بعد موته. فما حجج طه في رفضه هذا؟
يريد طه عبد الرحمن قلب نظرية التعاقد الاجتماعي التي جاء بها «الإنسان المعاصر» رأسًا على عقب، ليعوضها بنظرية أخرى يسميها «النظرية الميثاقية»، لكن هذه المرة ليس بتعاقد بين الإنسان والإنسان، بل بين الله والإنسان. فإذا كانت نظرية التعاقد تدعي أن الحالة الأولى للبشرية تجري في هذه الحياة المرئية، أي بتعبير طه عبد الرحمن: في العالم الملكي، حيث الاتفاق يجري بين الأجسام، فقد سبقتها مواثقة أخرى جرت في عالم الملكوت، حيث كان الإنسان يتصرف بروحه لا بجسده، وهي المرحلة الأصل التي نسيها الإنسان، بل قام بخيانتها.
إن المواثقة التي يتحدث عنها طه عبد الرحمن كانت في حالتها الأولى روحية، وليست اجتماعية. وكانت منقسمة إلى عهدين نكث بهما الإنسان نفسه، وهما: ميثاق الإشهاد، حيث أقر فيه الإنسان بربوبية الخالق، وميثاق الائتمان الذي فيه إعلان تحمل الأمانة.
إن ما تسمى الحالة المدنية في نظرية التعاقد الاجتماعي هي حالة سلم وحقوق يجب السعي للدخول فيها، إلا أنها ليست كذلك، بحسب طه عبد الرحمن. بل هي حالة ممات ينبغي الخروج منها، والعودة إلى الحالة الملكوتية الأولى. وفقط نذكر أن المقصود بالموت هنا هو الموت القلبي، فحين يكون الإنسان مارقًا عن الدين، تضيع فطرته وأخلاقه، مما يساهم في قتل القلب، فيصبح المرء في عداد الموتى، وعملية الإحياء لن تحصل، بحسب طه، إلا بتجديد الميثاق الأصلي مع الله.
إن التعاقد الاجتماعي بحسب رواده هو وسيلة للخروج من وضع التدني، أو «التسفل» بتعبير طه عبد الرحمن، أي الانتقال من التوحش نحو التمدن. أما النظرية الميثاقية، فهي ترى أن التسفل والتوحش ناتجان عن خيانة الميثاق الأول الذي لم يكن في عالم الملك (العالم المرئي)، بل في عالم الملكوت (العالم الغيبي) الذي لا حل إلا بالرجوع إليه، والعيش في كنفه. بعبارة أخرى: إذا كانت مشكلة التعاقد الاجتماعي هي: كيف يمكن الخروج من التوحش نحو التحضر؟ فإن المشكلة في النظرية الميثاقية قد اختلفت، وأصبحت: هل وفى الإنسان بالميثاق الأول أم لا؟ إذا وفى، فإنه يكون قد حظي بوجود ملكوتي، وإذا لم يوف، فقد انغمس في وجود ملكي فقط. بهذا يقيم طه عبد الرحمن قلبًا جذريًا للأمور، بحيث يجعل من ما يسمى الحالة المدنية حالة موت وخيانة، في مقابل الحالة الأصل، أي اللحظة الملكوتية التي وحدها تستحق أن توصف بحالة الحياة.
وفي سعيه إلى «نسف» النظرية التعاقدية، يضيف طه عبد الرحمن أنها وإن كانت تضع في برنامجها تنظيم وضبط الملكية التي هي أس البلاء، فإن النظرية الميثاقية تبقى الشفاء التام منها، فهي تعمل على اجتثاث الملكية من جذورها، بحيث لا يبقى أي مسوغ يكون من أجله سفك الدم ممكنًا.
وقبل أن يختم طه عبد الرحمن مدخله في كتابه الجديد (دين الحياء) المذكور أعلاه، يذكر بأن الخروج من الخيانة إلى حالة الائتمان لن يكون كما تدعي نظرية التعاقد الاجتماعي، بواسطة «إرادة الجميع»، أو «معرفة الجميع»، أو «تجريد الجميع». بل إن هذا الخروج يجب أن يتم بواسطة إنارة «أهل العلم»، فهم من سيذكرون الناس بالتزاماتهم الروحية، ويدلونهم إلى تجديد المواثقة لربهم، حتى تعود الحياة إلى قلوبهم التي ماتت. وهنا لربما المعضلة التي يضعنا فيها طه عبد الرحمن، فما الدليل على أن من يسمون «أهل العلم» سيحسنون ربط البشر بربهم؟ وهل علاقة الشيخ بالمريد هذه تسلم من الهيمنة والسيطرة؟ ألا يمكن أن تنقلب الأمور، فتصبح إرادة التحرر روحيًا قيدًا في حد ذاته؟ وهل مسألة الروح التي يعول عليها طه لتحرير الإنسان المعاصر هي مشترك كوني أم هي خصيصة لبعض الناس؟ بعبارة أخرى: أليس الأجدر بطه عبد الرحمن أن يعلن أن «الروح هي أعدل قسمة بين البشر»، وألا يتركها في يد البعض على حساب البعض الآخر، تحت دعوى أنهم الأقدر على نقلها. أي أليس الأجدر بنا إعلان تعميم الروح على غرار تعميم العقل في الزمن الحديث، ومن ثم لا حاجة لمن أسماهم طه عبد الرحمن بـ«أهل العلم».
عموما، نقول إن أطروحة طه عبد الرحمن لا تزال بكرًا، تحتاج منا الابتعاد عن الاحتفال بها، وتوجيهها نحو نقاش علمي يبرز مكامن قوتها وضعفها أيضًا، على أساس أن النظرية التي لا تكذب ليست نظرية أصلاً.



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.