غضب وتنديد في أوساط عربية وإسلامية بقرار واشنطن

السودان تستدعي القائم بالأعمال وإيران تعد بالرد بالمثل

غضب وتنديد في أوساط عربية وإسلامية بقرار واشنطن
TT

غضب وتنديد في أوساط عربية وإسلامية بقرار واشنطن

غضب وتنديد في أوساط عربية وإسلامية بقرار واشنطن

يثير قرار دونالد ترمب تعليق دخول رعايا 7 بلدان يشكل المسلمون غالبية سكانها، إلى الولايات المتحدة، غضب عدد كبير من العواصم، وفي مقدمتها بغداد وطهران، التي ترى فيه «هدية» تقدم إلى «المتطرفين».
وقد أصدرت إيران أعنف رد على هذا القرار الذي وصفته بأنه «مهين»، معلنة تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على المسافرين الأميركيين، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. ولم يتخذ أي من البلدان الستة الأخرى المعنية، وهي العراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن، تدبيرا مماثلا، إلا أن نوابا عراقيين طالبوا بتطبيق المبدأ نفسه تجاه واشنطن، فيما استدعت الخارجية السودانية القائم بالأعمال الأميركي.
وبهذا الصدد، دعا الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، أمس، الإدارة الأميركية الجديدة إلى «مراجعة موقفها» بشأن حظر دخول مواطني 7 دول؛ من بينها 6 دول عربية، إلى الولايات المتحدة، وكذلك منع دخول اللاجئين السوريين لأشهر عدة.
وعبر أبو الغيط في بيان عن «قلقه العميق تجاه الإجراءات» التي أعلنتها الإدارة الأميركية الجديدة، والتي يمكن أن تمثل قيودا غير مبررة على دخول مواطني عدة دول عربية إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى ما سينتج عنها من تعليق قبول اللاجئين السوريين في الولايات المتحدة.
وأعرب الأمين العام للجامعة، بحسب البيان، عن «تطلعه لأن تقوم الإدارة بمراجعة موقفها، لما يمكن أن يؤدي إليه من آثار سلبية في ما يتعلق بالحفاظ على وحدة الأسر واستمرار التواصل بين المجتمعات العربية والمجتمع الأميركي في الكثير من المجالات؛ وعلى رأسها مجالات التعليم والبحث العلمي والتبادل الثقافي والتشغيل، ومع الأخذ في الاعتبار أن الجاليات العربية في الولايات المتحدة تظل بصفة عامة من أكثر الجاليات التزاما بالقوانين الأميركية، وأن لها إسهاماتها الإيجابية الواضحة في المجتمع الأميركي المعاصر».
وقال محمود عفيفي، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للجامعة، إن «تعليق قبول لاجئين سوريين في الولايات المتحدة، حتى لو كان لفترة محددة، يمثل مصدر قلق خاص في هذا الصدد، بالنظر إلى عمق وفداحة المأساة التي يواجهها أبناء الشعب السوري، والتي نتجت عنها تدفقات ضخمة من اللاجئين الذين يبحثون عن طوق النجاة لهم ولعائلاتهم من أتون الصراع الذي شهدته سوريا على مدار السنوات الأخيرة». وأشار إلى أن «هناك التزاما أخلاقيا راسخا يقع على عاتق المجتمع الدولي بمخاطبة مشكلة اللاجئين السوريين، بخاصة من جانب الدول المتقدمة، ومن بينها الولايات المتحدة، التي تمتلك الإمكانات اللازمة لاستقبال أعداد ملموسة من هؤلاء اللاجئين».
وأضاف المتحدث أن «ما يبعث على القلق أيضا وجود مؤشرات على أن هناك توجها لكي يتم إعمال معيار ديني رسمي لتحديد مدى إمكانية قبول أو عدم قبول اللاجئين، وهو ما يمكن أن يمثل بدوره نوعا من التمييز الذي لا يتفق مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان واتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951».
وفي إيران، وجهت الصحافة انتقادات لاذعة، أمس، للمرسوم الذي وقعه الرئيس الأميركي الجديد. وذكرت صحيفة «همشهري» أن «الولايات المتحدة تقطع علاقاتها مع الشعب الإيراني». بينما عنونت صحيفة «شهرفند» أن «جدار ترمب وصل حتى إلى إيران»، أما صحيفة «جافان» فانتقدت «النظام العنصري».
من جهته، أكّد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أمس، أن قرار ترمب سيؤدي إلى عكس هدفه الذي يقضي بالتصدي للإرهاب؛ لأنه سيكون «هدية كبيرة للمتطرفين وحماتهم» كما كتب في تغريدة. وأضاف أن «هذا التمييز الجماعي يساعد الإرهابيين على التجنيد عبر تعميق الشرخ الذي أحدثه المتطرفون»، بينما «تحتاج الأسرة الدولية إلى حوار وتعاون للتصدي لجذور العنف والتطرف»، وخصوصا في الشرق الأوسط.
ورغم أن إيران والولايات المتحدة لا تقيمان علاقات دبلوماسية منذ 37 عاما، فإن مرسوم ترمب يؤثر على نحو مليون إيراني يعيشون في الولايات المتحدة، وعلى آخرين يزورونها باستمرار. ومن رعايا البلدان السبعة الذين حصلوا على تأشيرة دخول أميركية في 2015، شكل الإيرانيون 49 في المائة، كما تقول وسائل الإعلام.
وفي تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية، قال المحامي المقيم في لوس أنجليس سام برهاني: «لا نبالغ إذا قلنا إن الجالية الإيرانية الأميركية تواجه حالة من الذعر». ومثال ذلك كما قال، والد استبد به الحزن لأنه لن يتمكن من حضور زفاف ابنه في كاليفورنيا.
من جهتها، قالت الإيرانية مريم (44 عاما) التي حصلت على البطاقة الخضراء في أكتوبر (تشرين الأول) بعد انتظار استمر 14 عاما، إنها مُنعت مساء السبت من ركوب الطائرة إلى الولايات المتحدة. وكانت قد باعت منزلها وتنوي الهجرة نهائيا إلى أميركا.
ويواجه الإيرانيون صعوبة كبيرة للحصول على تأشيرة دخول أميركية. فيتوجب عليهم التوجه إلى بلد مجاور، غالبا ما يكون تركيا أو الإمارات لتقديم طلب الحصول على تأشيرة. ثم يتعين عليهم العودة إلى البلد ذاته بعد أسابيع لتسلم الرد، من دون أن يكونوا متأكدين من الحصول على تأشيرة.
وذكرت إذاعة «بي بي سي» باللغة الفارسية، أن 9000 طلب لجوء إيراني بات عالقا في تركيا بعد قرار ترمب.
وفي بغداد، طالبت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب العراقي، أمس، حكومة البلاد بمعاملة الولايات المتحدة بالمثل. وقال النائب حسن شويرد، نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، لوكالة الصحافة الفرنسية: «طالبنا الحكومة العراقية بشكل واضح بالتعامل بالمثل في كل الأمور التي تحصل مع الولايات المتحدة؛ لأن العراق بلد لديه سيادة، مع أننا نتطلع إلى أن تكون لدينا علاقات طيبة مع الولايات المتحدة». وأضاف: «اليوم العراق يقاتل الإرهاب نيابة عن كل دول العالم (...)، بالتالي هكذا قرار غير مدروس يتضمن كثيرا من الشوائب، ونحن نتوقف عنده». وتابع: «لدينا تحفظ على اعتبار العراق ضمن الدول التي لا تسمح الولايات المتحدة لمواطنيها بالدخول، أو ترفض إعطاءهم تأشيرات دخول».
وقال النائب شويرد أيضا: «طالبنا الحكومة العراقية ووزارة الخارجية العراقية، بأن يكون لهما موقف بالمثل؛ لأنه لا يمكن أن يقاتل العراق (داعش) نيابة عن كل دول العالم، ويعامل معاملة الدول الباقية». وأعاد النائب العراقي التذكير بأن «هناك اليوم وثيقة سياسية بيننا وبين الولايات المتحدة».
ووقّع العراق مع الولايات المتحدة اتفاقية تعاون استراتيجي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، تؤكد على التعاون المشترك بين البلدين. وكشف مصدر دبلوماسي عراقي رفيع لوكالة الصحافة الفرنسية، عن عقد اجتماعات مكثفة حاليا، وتشكيل خلية أزمة في وزارة الخارجية، لبحث موقف الإدارة الأميركية من العراق.
يؤكد جنود عراقيون يقاتلون في الموصل لاستعادة المدينة من قبضة الإرهابيين، أنهم لا يجدون سببا لمنعهم من زيارة الولايات المتحدة بعد قرار الرئيس دونالد ترمب بمنع دخول رعايا عدد من الدول؛ بينها العراق، مشددين على أنهم يقاتلون جماعات إرهابية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقع قرارا قضى بمنع دخول الولايات المتحدة لمواطني 7 دول مسلمة؛ بينها العراق، في إطار محاربة «الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين»، وأثار هذا الأمر انتقادات دولية واسعة.
ويمنع المرسوم الذي أصدره ترمب بهدف «حماية الأمة من دخول إرهابيين أجانب إلى الولايات المتحدة»، منذ مساء الجمعة الماضي، رعايا 7 بلدان مسلمة من دخول الولايات المتحدة. وقد فاجأ عددا كبيرا من الأشخاص الذين كانوا في الطائرة لدى توقيع المرسوم أو كانوا يستعدون للسفر، وتسبّب بإرباكات في بعض المطارات الأميركية.
وتثير هذه القيود استنكار عدد من العراقيين الذين يخوضون حربا ضد تنظيم «داعش». وقال الجندي عاصم إياد (23 عاما) الموجود في الموصل، ثانية مدن العراق، ويعيش 3 من أولاد عمومته في ولاية تكساس الأميركية، لوكالة الصحافة الفرنسية: «هذا ليس عدلا (...) يجب أن يكون لدي الحق في زيارة أقربائي». وأضاف هذا الجندي، وهو يضع بندقيته تحت ذراعه ويقف إلى جانب آخرين لمواجهة الإرهاب، مستغربا: «هذا القرار اتخذ لأن هناك جماعات إرهابية في العراق، لكن هناك أناس أبرياء».
وتقود الولايات المتحدة تحالفا دوليا منذ سبتمبر (أيلول) 2014، لدعم القوات العراقية في الحرب ضد تنظيم داعش الذي اجتاح مناطق واسعة انطلاقا من سيطرته على الموصل في يونيو (حزيران) من ذلك العام.
وتشارك الولايات المتحدة الأميركية مع دول التحالف، من خلال أكثر من 4800 عسكري في العراق، وتقدم مساعدة كبيرة للقوات العراقية التي أطلقت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عملية واسعة لاستعادة السيطرة على الموصل، آخر أكبر معاقل الإرهابيين في البلاد.
ويقول حيدر حسن (45 عاما): «لماذا نمنع نحن من دخول الولايات المتحدة، بينما (جنود) منها في بلادي ولديهم قواعد؟!».
من جهته، لم يفهم حمزة كاظم، وهو جندي آخر (34 عاما)، لمَ لا يشمل القرار الأميركي ويستهدف فقط نشاطات الإرهابيين الذين لا يمثلون الإسلام. وقال متذكرا إن «ترمب في يوم تنصيبه قال إنه سيقاتل (الإرهاب الإسلامي)، ونحن كجنود عراقيين ندافع عن بلدنا ونقاتل الإرهابيين، ونقول له: (الإسلام ليس إرهابا. الإسلام دين المحبة والإخاء)». وأضاف بتوتر: «نحن لا نرسل الإرهابيين إلى الخارج (...) رغم ذلك، فإن هناك أناسًا جاءوا من الخارج إلى العراق للقتل والاغتصاب والسرقة، وسنقاتل حتى آخر قطرة دم»، في إشارة إلى عناصر «داعش».
في هذه الأثناء، كان أبو محمد، الأب لثلاثة أطفال الذي تقدم بطلب للهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية منذ 4 أعوام، ويأمل بالانتقال إلى هناك في غضون شهر أو شهرين، يعيش وسط قلق كبير. وتساءل قائلا: «دولنا متعبة! لماذا يغلق الأبواب في وجوهنا؟».
وقد علق ترمب أيضا في مرسومه لأربعة أشهر كامل البرنامج الأميركي لقبول اللاجئين، أحد أكثر البرامج طموحا في العالم لاستقبال ضحايا الحروب.
وأتاح هذا البرنامج الذي أنشئ عام 1980 استقبال نحو 2.5 مليون شخص في الولايات المتحدة. وكان هذا البرنامج أوقف 3 أشهر بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001.
في الإطار نفسه، طالب النائب أحمد الأسدي، المتحدث باسم قوات الحشد الشعبي الشيعية، في بيان «بمنع دخول الأميركيين إلى العراق، وإخراج المتواجدين منهم من الأراضي العراقية كافة». وأضاف: «نطالب أيضا الجهات الأمنية والدوائر ذات العلاقة باتخاذ الإجراءات كافة التي تحفظ حق العراق كدولة، وتحفظ كرامة العراقيين كشعب يقاتل الإرهاب ويقدم آلاف (الشهداء) في خط الدفاع الأول نيابة عن كل العالم».
وكان ترمب قد وقّع الجمعة قرارا قضى بتعليق استقبال المهاجرين لمدة 4 أشهر، ووقف إدخال الرعايا الإيرانيين والعراقيين والليبيين والصوماليين والسودانيين والسوريين واليمنيين إلى الأراضي الأميركية، لمدة 3 أشهر.
في السودان، وهو من البلدان المعنية بالمرسوم، أعربت وزارة الخارجية عن أسفها لصدور هذا القرار بعد الرفع «التاريخي» للعقوبات الاقتصادية الأميركية في 13 يناير (كانون الثاني).



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.