حققت قوات النظام السوري والميليشيات الموالية لها، تقدمًا جديدًا في معركة الباب في ريف محافظة حلب الشمال الشرقي، وانتزعت قرى جديدة من تنظيم داعش الإرهابي مدعومة بغطاء جوي روسي. ومن جهة ثانية، توقعت تقارير سورية وتركية انسحاب مسلحي التنظيم من الباب وسط قلق فصائل المعارضة من «صفقة» لتسليم المدينة لنظام. وبالفعل، وضع مصدر في «درع الفرات» التي يشارك فيها «الجيش السوري الحر» بدعم من الجيش التركي ما يجري في الباب في إطار «اللعبة الدولية التي تجعل تنظيم داعش يقاتل بشراسة أمام الجيش الحر، ويتراجع أمام النظام وميليشياته».
سلاح الجو الروسي كان عاملاً مساعدًا للنظام في معركة الباب، حيث شنّت طائراته غارات كثيفة على بلدة مسكنة، وتحديدًا على نقاط الاشتباك في محور جنوب الباب وجنوب غربها، بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة، ومسلحي داعش من جهة أخرى، في محاولة مستمرة من قوات النظام لتحقيق تقدم في المنطقة. ونقل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» معلومات من مصادر وصفها بالـ«موثوقة»، تأكيدها أن «داعش بدأ يتحضّر للانسحاب من الباب، تخوفًا من إطباق الحصار عليه من كل الجهات». وقالت المصادر: «بالتزامن مع تقدم قوات النظام نحو المدينة من المحورين الجنوب والجنوب الغربي، ومحاولة القوات التركية وقوات (درع الفرات) التقدم من المحاور الغربية والشمالية، والشمالية الشرقية، فإن التنظيم الذي صدّ بشراسة هجمات عنيفة للقوات التركية على المدينة في أوقات سابقة، لم يعد قادرًا على الصمود طويلاً»، مشيرة إلى أنه «بدأ بالتحضر للانسحاب من المدينة التي تعد أكبر معاقله المتبقية في ريف حلب، تخوفًا من إطباق الحصار عليه من قبل القوات التركية وقوات النظام اللتين تتسابقان على هدف واحد، هو السيطرة على الباب».
إلا أن مصدرًا في قوات «درع الفرات»، التي يدعمها الجيش التركي، قدّم تفسيرًا مختلفًا لما يجري، إذ أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «معركة الباب باتت تخضع للعبة دولية.. وبعدما وصلنا إلى تخوم المدينة وحاصرناها، أبدى داعش مقاومة شرسة وغير مسبوقة، ما صعّب علينا اقتحام المدينة». ومن ثم، رجّح المصدر أن تكون معركة الباب «خاضعة لقواعد تقاسم النفوذ الروسي - الأميركي في شمال سوريا»، مضيفًا أن «السيناريو المرجح، هو أن استماتة (داعش) في الدفاع عن الباب، هدفها منع (درع الفرات) من دخول الباب، وربما التمهيد لإجراء ترتيب معين، يقضي بانسحاب التنظيم من المدينة ليدخلها النظام». واعتبر المصدر أن هذا الواقع «يثبت أن داعش ما هو إلا ألعوبة بيد نظام الأسد وأجهزة مخابرات دولية».
إلى ذلك، أعلن «مكتب أخبار سوريا» الإخباري المعارض، أن الطيران الحربي الروسي «شن أكثر من 30 غارة على قرية عين الجحش، الواقعة جنوب الباب، ما أجبر مسلحي داعش على الانسحاب منها، ومكّن قوات النظام والميليشيات الأجنبية من التقدم والسيطرة عليها». ونقل المكتب عن مصدر في ريف حلب الشرقي، أن التنظيم «اضطر للانسحاب من القرية لكون البيوت في معظم قرى ريف حلب الشرقي مبنية من الطين ولا توجد فيها أقبية للاحتماء داخلها»، لافتًا إلى أن «هذه البيوت لا تستطيع الصمود أمام قصف الطيران الحربي الذي يستخدم الصواريخ الارتجاجية ذات القدرة التدميرية العالية».
وبالفعل، وفق التقارير، عمدت قوات الأسد خلال الساعات الماضية، إلى فتح محاور جديد للاشتباكات بحسب ناشطين، انطلاقًا من مناطق سيطرتها في الريف الشرقي لحلب، ومحاولة السيطرة على بلدة تادف المحاذية للباب، للتوجه منها نحو المدينة. وأشاروا إلى أن النظام وحلفاءه «سيطروا خلال اليومين الماضيين على عدة قرى قريبة من الباب، أهمها البريج وعين الجحش وتقدموا للسيطرة على قرية عران ليصبحوا على مسافة لا يزيد على ستة كلم عن بلدة تادف، ونحو ثمانية كلم عن مدينة الباب». وأكد الناشطون أن المعارك بين الطرفين «خلفت عشرات القتلى والإصابات».
قراءات الجانب التركي
في هذه الأثناء، في أنقرة، أعلن الجيش التركي أن «داعش» بدأ يعد العدة للانسحاب من الباب ونقل مقراته إلى قرية تادف جنوب شرقي المدينة لإدراكه أن قوات «درع الفرات» تتحرك بثبات نحو السيطرة على المدينة. وأضاف الجيش التركي في بيان أن عددًا كبيرًا من المدنيين تركوا المدينة رغم تهديدات التنظيم، وأن عدد المدنيين الموجودين فيها حاليًا يتراوح بين 15 و18 ألفًا فقط. وأردف الجيش في بيانه أن «داعش» «بدأ يشعر بالضعف الشديد والتراجع، لا سيما في ظل استمرار تقدم القوات التركية والضغط على التنظيم ومحاولاته استخدام المدنيين كدروع بشرية».
ولفت البيان إلى «انعدام مقومات العيش الأساسية في المدينة من ماء وكهرباء وغيرهما، وكلها غير كافية للاستمرار بالحياة»، وأكد أن التنظيم الإرهابي «يتبع أسلوب الدعاية والضغط النفسي عن طريق منتسبيه، لجعل الأهالي يبقون في المدنية ومنعهم من الهرب».
على صعيد آخر، رأى الكاتب والمحلل السياسي التركي مراد يتكين أن أنقرة تريد الآن أن تتوصل إلى رؤية واضحة تحسم الوضع في سوريا، في ما يتعلق بـ«المناطق الآمنة» التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء الماضي، أنه يدرسها، وهل ستكون مناطق خاضعة للرقابة الدولية بموافقة النظام السوري، ووقتها لن يكون الاقتراح مواتيا لما كانت تريده تركيا. كذلك استيضاح الموقف الروسي المقلق لأنقرة بشأن «مسودة» الدستور السوري الجديد التي تكفل للأكراد حكمًا ذاتيًا في سوريا، خلافًا لما تريده أنقرة.
ولفت يتكين إلى أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لم يعد واثقًا تمامًا من الموقفين الأميركي والروسي، وهو ما انعكس في تصريحاته للصحافيين المرافقين له في رحلة العودة من جولته الأفريقية، حيث ألمح إلى أنه سيجرى اتصالات سريعة مع كل من ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. واعتبر أن إردوغان وحكومة حزبه «العدالة والتنمية» حريصان على الاطمئنان سريعًا إلى استقرار موقف الأزمة السورية، والقضايا الأخرى المتعلقة بالسياسة الخارجية، قبل البدء في حملة الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي ستنقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي يسعى إليه إردوغان منذ سنين. إذ من المنتظر أن يجرى الاستفتاء خلال النصف الأول من أبريل (نيسان) المقبل.
في المقابل، ذكر خبراء استراتيجيون أنه لم يكن بمقدور الطيران الحربي التركي وطيران التحالف الدولي لضرب داعش، الذي تقوده الولايات المتحدة، تقديم الدعم الجوي المطلوب في الهجوم على الباب، ولذا لم يتح «داعش» لهم فرصة إحكام السيطرة على المشارف الشرقية للمدينة السورية، بينما قد تلعب مساندة الطيران الروسي الدور الحاسم في عملية تحرير الباب. ويذكر أن الطيران التركي والروسي نفذا طلعات مشتركة في 18 و21 و26 يناير (كانون الثاني) الحالي بعدما أعلنت أنقرة وموسكو في 12 يناير عن آلية تنسيق مشتركة في شمال سوريا.
ولفت الخبير التركي متين جوركان إلى فقد الجيش التركي 47 جنديا على الأقل منذ اندلاع معركة الباب، بالإضافة إلى تدمير 11 دبابة. ولفت إلى أن تركيا كانت تخطط في البداية لنشر قوة عسكرية محدودة بين حدودها ومدينة حلب من أجل منع ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية من ربط جيبيها في عين العرب والقامشلي مع منطقة سيطرتها في «جيب» عفرين في الغرب، والاعتماد على عناصر من التركمان السوريين ووحدات من «الجيش السوري الحر»، ليبقى عدد العسكريين الأتراك على الأرض السورية محدودًا.
وأوضح أن هذه الخطة نجحت في البداية من خلال التقدم السريع في مدينة جرابلس الحدودية بسبب إحجام «داعش» عن الانخراط في القتال، إذ فر عناصر التنظيم من جرابلس بسرعة واختلطوا مع السكان المحليين، فاضطرت تركيا بعد ذلك إلى تعزيز قواتها والدفع بقوات إضافية من الجيش بسبب صعوبة اختراق دفاعات «داعش» حول الباب وإتباعه أسلوب التفجيرات الانتحارية بالسيارات المفخخة.
في السياق نفسه، أعلن الجيش التركي في بيان أمس السبت «تحييد» 14 إرهابيًا من «داعش»، بعد استهداف 197 هدفًا للتنظيم شمال سوريا في إطار «درع الفرات» بعد تحديدها بواسطة طائرات استطلاع. ولفت البيان إلى أن طائرات حربية تركية نفذت غارات جوية على 18 هدفًا للتنظيم في مدينة الباب وبلدة بزاعة، القريبة منها، أسفرت عن تدمير مخزن سلاح و17 مبنى كان التنظيم يتخذها مخابئ.
قوات النظام على بعد 5 كلم من الباب وفصائل المعارضة تتخوف من صفقة
أنقرة ومصادر سورية تتوقع انسحاب «داعش» من المدينة
مقاتلون من الجيش الحر في صدام مع عناصر من داعش شرق مدينة الباب أول من امس (غيتي)
قوات النظام على بعد 5 كلم من الباب وفصائل المعارضة تتخوف من صفقة
مقاتلون من الجيش الحر في صدام مع عناصر من داعش شرق مدينة الباب أول من امس (غيتي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






