بن لادن يعارض إسقاط علي عبد الله صالح واستبدال اليمن بأفغانستان

رسالة تكشف عن حرص مؤسس «القاعدة» على مهادنته الرئيس المخلوع

صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
TT

بن لادن يعارض إسقاط علي عبد الله صالح واستبدال اليمن بأفغانستان

صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)

راقت لأحد قادة تنظيم القاعدة المقولة الشهيرة: «لا بد من صنعاء وإن طال السفر»، فبعث لمؤسس التنظيم أسامة بن لادن رسالة يقول فيها: «إن كنتم تريدون صنعاء يوما من الدهر فهذا هو...»، وفهم بن لادن من الرسالة، أن الظروف أصبحت مواتية لتنظيم القاعدة للانقضاض على الحكم في صنعاء وإقامة «دولة إسلامية» على أرض اليمن، لكن أسامة بن لادن لم ترق له الفكرة فعكف على كتابة رسالة رد مطولة عثرت عليها الاستخبارات العسكرية الأميركية على مسودتها في حاسوبه ضمن مقتنياته الشخصية التي استولت عليها القوات الأميركية عند مداهمة مسكن مؤسس تنظيم القاعدة وقتله في مايو (أيار) 2011، وكشف أسامة بن لادن في رسالته عن سر غير معروف لعامة الناس بين فيه بشكل واضح وصريح أن تنظيم القاعدة حريص على بقاء الرئيس علي عبد الله صالح، وأن التنظيم له مصلحة في مهادنته وإن كان يعتبره «مرتدا».
ورغم أن اسم صاحب فكرة إسقاط علي عبد الله صالح الموجه إليه الرد لم يرد في رسالة بن لادن، فإن من المرجح أنه أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير، حيث إنه ومجموعته كانوا من المتحمسين لاستبدال اليمن بأفغانستان، وانتقال بن لادن إليها. وقد استعرض بن لادن في رده كثيرا من أسباب معارضته إقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن، بعضها أسباب مبدئية وبعضها الآخر أسباب عملية.
ففيما يتعلق بالأسباب المبدئية، أعرب بن لادن عن رفضه فكرة الدولة القطرية من الأساس، قائلا:«ينبغي أن يزول عن أذهاننا الجزء القطري، صحيح أن هناك حدود سايكس بيكو‬ بالتقسيمات الظاهرة على خريطة المنطقة وهي ما يعترف بها الحكام، ولكن جميع هذه الحدود ستزول عندما تقوم دولة إسلامية».
وحذر بن لادن من «إقامة دول في جزء من الأرض الإسلامية، لئلا يتألب الكفر العالمي والمحلي لضربها...»، حسب تعبيره.‬
وهذا الرفض لإقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن يتماهى مع رفض تنظيم القاعدة حاليا بقيادة أيمن الظواهري مشروع الدولة الإسلامية في الشام والعراق الذي بدأه تنظيم الدولة «داعش» في جزء من الأراضي السورية والعراقية. ونشب خلاف وجدل فكري بين التنظيمين إلى درجة أن تنظيم القاعدة بدأ يتهم أنصاره بالميل للاعتدال إذا ما قورن بتنظيم داعش المفرط في التشدد. ‬
* معوقات عملية
لم يكتف أسامة بن لادن برفض الفكرة من حيث المبدأ فقط، بل أسهب في توضيح الأسباب العملية التي تجعله يعتقد أن إقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن لن يكتب لها النجاح، موردا بعض الأمثلة والتساؤلات من بينها: «لو أن أناسًا في البيضاء أو السوادية أو لودر أو شقراء (مناطق يمنية في محافظات البيضاء وأبين وشبوة) يتعاطفون مع المجاهدين ولديهم قدرة على الاستيلاء على المباني الحكومية فهل سترون ذلك مناسبًا؟، ولو أقاموا إمارة في هذه المناطق فكم يوما ستدوم الإمارة؟!»، بحسب ما ذكره.
وطالب بن لادن بالتريث وتحكيم العقل، قائلا: «لا شك أن العقلاء يدرون أنها لن تدوم طويلا». وأضاف: «سيتم إسقاطها بالحصار وانتشار الجوع والتفاوض مع شيوخ القبائل لقتالنا أو إخراجنا». (تحققت هذه التوقعات بالفعل عندما أقام تنظيم القاعدة في اليمن إمارة له في أبين وأخرى في شبوة، سرعان ما تم إسقاطهما من قبل قبائل وسكان المحافظتين بالتنسيق مع حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي ينتمي إلى محافظة أبين ذاتها).
وأورد بن لادن عائقا عمليا آخر بالقول إن «مفهوم الدولة في أذهان الناس أنها ملزمة بتوفير أرزاق ووظائف للناس، وهذا أمر لا نستطيعه نحن في هذه المرحلة»، ومن اللافت أن أسامة بن لادن يرى أن مسؤولية الدولة الإسلامية تتمثل في «حفظ الأمن الداخلي وصد الهجوم الخارجي، وفي ظل الأمن تبحث الناس عن أرزاقها بأنفسها». ويعيب على الدولة الحديثة بأنها «تجعل الناس أسرى لها وتربط أرزاقهم بها». ويبين أسامة بن لادن في رسالته أن القدرة على «السيطرة العسكرية قد تكون متوفرة للقاعدة في حين أقوات الناس لا تتوفر لها».
ويبدو أن أسامة بن لادن تبادر إلى ذهنه وهو يستعرض هذه التفنيدات أنها تتعارض مع خطوة إقامة دولة في أفغانستان ضمن حدود رسمها الغرب «الكافر» كما يصفه، فأورد استدراكا ضمن رسالته جاء فيه: ‬
«أما فيما يخص أفغانستان فهي مستثناة وكذلك الصومال مستثنى فإنفاق الإمارة في أفغانستان في السنة أقل من اثني عشر مليون دولار، فمن المستحيل أن يعيش خمسة وعشرون مليونا باثني عشر مليونا في السنة مما يعني أن للشخص أقل من نصف‬‬ دولار في السنة»، ويضيف بن لادن: «الشعب الأفغاني يحمل نفسه بنفسه... لا يحمل الدولة مسؤوليات كبيرة، بخلاف الشعوب في الدول العربية فهي تحمل الدولة مسؤولية توفير وظائف وأرزاق للناس». واستشهد بن لادن بأمثلة تجارب سابقة، قائلا: ‬
«ومن الأمثلة على ذلك الجماعة الإسلامية في مصر عندما قتلوا السادات كانت لديهم خطة بأن يسيطروا على مصر ويعلنوا دولة إسلامية وذلك بأن يقوم أفراد الجماعة في كل منطقة بالسيطرة على المباني الحكومية عندهم بما فيها مباني الإعلام بأنواعه».
ويرى أسامة بن لادن أنه «لو قدر أن نجحت هذه الخطة لكان عمر هذه الدولة أسابيع فقط لأن سكان مصر وقتها ستين مليونا يحتاجون إلى مائة وخمسين مليون رغيف يوميا، والدولة المسلمة ستكون في حصار عالمي في حين أن الحكومة المصرية رضيت بأن تكون رهينة لمصدري القمح في العالم، خصوصا أميركا فغيرت أولويات المزارع المصري».‬
وحذر بن لادن في سياق رسالته من أن أي دولة مسلمة (يقصد على نمط ما تريده «القاعدة») ستكون بعد أيام من إقامتها أمام ثورة شعبية عارمة سواء أكان الناس يرغبون في أن يحكموا بالإسلام أولا يرغبون؛ لأن انعدام الغذاء يعني موتهم وموت أبنائهم أمام أعينهم، ثم يعود بن لادن للمثال المصري قائلا: «الإعداد للسيطرة على مصر له مقومات من أهمها أن نكون قد سيطرنا على السودان أولا وزرعنا ما يكفي مصر من الغذاء ويبقى القمح الذي في صوامع الدولة لمدة أسبوعين هو قوت الناس ريثما ننقل ما يحتاجه الناس من الغذاء من السودان إلى مصر».
بعد ذلك يعود بن لادن إلى تفصيل العوائق السياسية والخسائر التي يمكن أن تتعرض لها «القاعدة» من إقامة دولة لها باليمن في ظل الوضع الراهن في صنعاء، قائلا إن «صنعاء اليوم بمثابة البيضاء ودول الخليج برمتها والأردن ومصر سينقضون عليها».
* مصلحة «القاعدة» من علي صالح
ويكشف أسامة بن لادن في رسالته عن سر غير معروف لعامة الناس، وهو أن تنظيم القاعدة كان حريصا، وربما لا يزال، على بقاء الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، وأن التنظيم له مصلحة في مهادنته، وإن كان يعتبره «مرتدا». وفي هذا السياق جاء في رسالة بن لادن:
«وهناك مسألة مهمة أود أن أنوه إليها، وهي أن أميركا ودول الخليج سعوا عمليًا لتغيير نظام علي عبد الله صالح ما يظهر أن هذا الوكيل غير كفء عندهم، ويعرفون معرفة تامة بحجم الفساد الإداري والمالي الهائل وأن هذه الأجواء أعطت تربة خصبة لكل الاتجاهات لكي تنمو وتنشر أفكارها، ومن أهم هذه الاتجاهات وأقواها الاتجاه الإسلامي بجميع طوائفه، من الإخوان والسروريين والسلفيين والسلفيين الجهاديين».
ويسترسل بن لادن في وصف فوائد بقاء نظام علي عبد الله صالح، قائلا:
«إن بقاء هذا النظام أقل سوءا بكثير مما لو جاء علي سالم البيض الذي له سابقة في الفتك بالإسلاميين فإنه إن تسلم السلطة فسيبطش بالحركة الإسلامية بجميع طوائفها». ويبدو أن قرب «القاعدة» من علي عبد الله صالح جعلها في موقع القادر على تصفيته أو إسقاط حكمه، ولكن سيطرتها على الأوضاع بعد ذلك غير مضمونة، ولهذا يفهم من رسالة بن لادن أن بعض الآراء القادمة من رجال في اليمن أن التخلص من صالح ونظامه قد يكون مفيدا للتنظيم حتى لو لم تتم السيطرة لـ«القاعدة»، وكان البديل هو الفوضى الشاملة. وردا على ذلك يقول أسامة بن لادن في رسالته:
«إن القول بإزالة الحكومة المرتدة وبقاء البلد في فوضى أفضل من بقاء هذه الحكومة، غير صحي، فلا يمكن أن يتم نشر دعوتنا مع وجود الفوضى، كما أنه في ظل دولة ليس لها حاكم يرسي قواعد الأمن بين الناس فتظهر وحشيتهم بشكل كبير ويصبح هم الناس المحافظة على الدم والعرض وهذا هاجسهم دون سواه».
* بن لادن أدرك ما لم يدركه الحوثي
ولعل أهم ما كان يخشاه أسامة بن لادن موقف دول الخليج، مبديا إدراكا سياسيا مبكرا في تحذيره لأتباعه من الوقوع في المحظور، محذرا إياهم بأن دول الخليج لن تترك اليمن نهبا للفوضى. ومن المفارقات أن ميليشيا أخرى متطرفة غير تابعة لـ«القاعدة» وهي ميليشيا الحوثي قد أثبتت لاحقا صحة ما حذر منه أسامة بن لادن ووقعت في المحظور بدلا من وقوع «القاعدة» فيه؛ حيث استولت على الحكم في صنعاء، وكان رد دول الخليج صاعقا.
وقد كرر بن لادن إشارته إلى موقف دول الخليج المحتمل أكثر من مرة في رسالته، وقال: «كما أنه لا يخفى عليكم أنه غير وارد أن تترك دول المنطقة البلد بغير حاكم...».
ويضيف: «...ونحن بذلك نكون قد هيأنا الأجواء لمجيء قوة ينتظرها خصمنا، (يقصد الحزب الاشتراكي اليمني) منذ أكثر من عقد ونصف». ويضيف: «فلو جاء الاشتراكيون وحدهم فهذه كارثة على الإسلاميين في اليمن وخصوصا المجاهدين فكيف عندما تكون أميركا وجميع دول الخليج خلفهم». ويلخص بن لادن وضع اليمن بقوله إن «الوضع في اليمن باختصار شديد كصخرة كبيرة تحتوي على أحجار كريمة ومعادن ثمينة قد تدحرجت من قمة الجبل فلن يسيطر عليها من يحاول أن يحوزها أولا فقد تدهسه وتواصل انحدارها إلى بطن الوادي». ويخلص بن لادن إلى القول: «الخلاصة نحن مكسبنا العظيم في ظل وجود علي عبد الله صالح ننشر أفكارنا المهمة المؤثرة التي توعي الناس بمعنى لا إله إلا الله وتنبه بحال الجماعات الإسلامية التي توالي الحكام وتتناقض أفكارها مع الشرعية والحاكمية ومن أهم الكتب كتاب نقاط الارتكاز لأبي أحمد عبد الرحمن المصري».
كما وجه أسامة بن لادن في رسالته بشكل صريح أتباعه بمهادنة علي عبد الله صالح، قائلا لهم: «يجب أن نعمل على تهدئة العمل العسكري ونستمر في العمل التوعوي، وإننا ندعم العمل للقضاء على الفساد المالي والإداري ومن حق الناس أن تطالب بحقوقها ونساهم مع الشعب في نقد الحكومة نقدا موضوعيا ونترك الطرق الدائم على أن علي عبد الله صالح عميل».
واستدرك بن لادن بالقول: «الكلام عن أن الرئيس تابع لسياسة الغرب صحيح... لكنه ليس عميلا بالشكل الكامل بل هو عميل غير مرغوب فيه، منذ ثلاثة عقود وعدونا يسعى لإزالته وقد كاد الحبل أن يلتف على رقبته ليشنقه قبل عقد ونصف فلو سعينا لإزالته في هذه الظروف لأتينا بآخر في غاية السوء لضرب الحركة الجهادية الإسلامية».‬
ويشدد أسامة بن لادن على أهمية الهدنة مع علي عبد الله صالح قائلا بما أن «الرئيس حريص عليها فمن المصلحة لنا أن تتم الهدنة وإن كانت من طرف واحد باستثناء الدفاع المباشر عن النفس مع الإعلان ونشر أننا لا نستهدف الجيش والعسكر بل هدفنا أميركا مع مراعاة أن الراجح لدي ألا نضرب أميركا داخل اليمن لأن هذا يزيد الضغط على الإخوة نتيجة لزيادة ضغط أميركا على الحكومة وقد تدعم زيادة العمليات عليهم إلى التعجيل في تغيير الرئيس».



الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
TT

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)
انقلاب شاحنة بضائع بين لحج وتعز بسبب إغلاق الحوثيين الطريق الرئيسية (إكس)

تتسع مظاهر التضييق الحوثي على السكان في ريف محافظتَي تعز ولحج (جنوب غربي اليمن)، مع تفجير طرق وعبّارات تربط القرى بمراكز المديريات، وإقامة متاريس وخنادق عسكرية، بالتزامن مع حملات اختطاف ومداهمات لمنازل النازحين، واعتداءات على مصادر مياه الشرب، في ممارسات تعطل حياة السكان وتثير مخاوف من موجات نزوح جديدة.

وتتركز الانتهاكات الحوثية بشكل جلي في مديريات: الشمايتين والمواسط التابعتين لتعز، والمقاطرة المجاورة لها في لحج، والتي ترتبط بجغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداد سكاني كبير. وتتناقض تلك الممارسات مع مساعي الجماعة لتطبيع الحياة وإقناع السكان بنفوذها وإجراءاتها، ومحاولات استقطاب المتعاونين وتجنيد مقاتلين، باستخدام وسائل إغراء متعددة.

وأعلن محور طور الباحة التابع للجيش اليمني، السبت الماضي، عن مقتل 8 جنود من قواته في مديرية المقاطرة بقصف حوثي دون إيراد تفاصيل بشأن الواقعة، في حين كشفت مصادر محلية عن أن عناصر الجماعة الحوثية في مديرية الشمايتين استهدفوا بقذيفة مدفعية تجمعاً لجنود المحور في أحد المقار العسكرية.

وذكر سكان في المقاطرة لـ«الشرق الأوسط» أن مسلحي الجماعة الحوثية أقدموا على تخريب عدد من الطرق التي تربط قراهم بالشمايتين ومدينة التربة.

الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

وبتفجيرها عدداً من العبّارات، الأحد الماضي، أغلقت الجماعة الحوثية بشكل نهائي، طريق «هيجة العبد»، وهي الطريق الرئيسية التي تربط محافظة تعز بمحافظتَي لحج وعدن؛ مما اضطر المسافرين وسائقي الشاحنات إلى سلوك طريق «الصُحى كَربة».

وشهدت هذه الطريق البديلة، الثلاثاء، انقلاب 5 شاحنات محملة بالبضائع والسلع الأساسية، متسببة في إيقاف الحركة ساعات عدة، وتعرض كثير من السلع للتلف؛ في ظل نقص حاد بالمواد التموينية تشهده المناطق بعد سيطرة الجماعة عليها.

وكانت الحكومة اليمنية أجرت عملية تهيئة لطريق «الصُحى كَربة» لتكون بديلة لطريق «هيجة العبد» التي تشهد حالات إغلاق متكررة بسبب الاعتداءات الحوثية والسيول، إلا إن وعورة الطريق وضيق مساراتها يَحولان دون تَحوّلها بديلاً دائماً.

عزل القرى

فجّرت الجماعة الحوثية، أيضاً، عبّارات أخرى في طريق «نقيل مُصَير» الرابطة بين قرى غرب المديرية ومدينة التربة؛ مركز مديرية الشمايتين، مما اضطر السكان إلى الذهاب للتسوق وقضاء أغراضهم مشياً على الأقدام، في حين لم يعد بإمكان السيارات الانتقال إلى المدينة إلا عبر طريق كربة التي يحتاج الوصول إليها 3 ساعات على الأقل في طرق وعرة.

مناطق ريف تعز ولحج تشكل جغرافيا استراتيجية واسعة ومهمة وتعداداً سكانياً كبيراً (خرائط غوغل)

كما تعمدت الجماعة تخريب طريق «نقيل الخَزِرة»، وهي عبارة عن سلم حجري يربط بين قرية الشرف ومنطقة الجاهلي في الشمايتين وقرى في الجهات الشرقية من المقاطرة، بتفجير جزء منها؛ ما يعرقل حركة السكان وتنقلهم، ويضطرهم إلى التوجه نحو طرق بعيدة.

و«النقيل» تسمية يمنية للطريق الجبلية المتعرجة التي تربط أعالي الجبال بالسفوح والمنخفضات، وينشئ السكان سلالم حجرية طويلة لتسهيل الحركة عليها.

وتسببت التفجيرات في سقوط كتل صخرية ضخمة على المدرجات الزراعية وتخريبها، إلى جانب إصابات تعرضت لها المنازل.

وذكر سكان في المديريتين لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة الحوثية أنشأوا متاريس وثكنات وحفروا خنادق على كل الطرق الرابطة بين المديريتين، ونصبوا أسلحة متنوعة باتجاه مديرية المقاطرة؛ مما جعل الأهالي هناك في حالة قلق من استهدافهم تحت أي مبرر.

ولم تتقدم الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة إلا بضعة كيلومترات على طريق «هيجة العبد» للسيطرة عليها وتفجير العبّارات، إلى جانب سيطرتها على الأجزاء الشرقية من المديرية.

الحوثيون فجروا عدداً من الطرق الريفية بعد أن قضى السكان سنوات طويلة في إنشائها (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن الجماعة تَعدّ سيطرتَها على المرتفعات كافة في الشمايتين المطلة على المقاطرة كافيةً في هذا الوقت، حيث تضعها تحت سيطرتها النارية، وتتمكن عبرها من مراقبة أي تحركات عسكرية قريبة.

إرهاب السكان

اختطفت الجماعة الحوثية نحو 20 شخصاً من منطقة قَدَس، التابعة لمديرية المواسط، بعد حريق تعرضت له سيارة تخص ما تُعرف بـ«لجنة الدعوة» التابعة للحوثيين، التي تعمل على مخاطبة الأهالي لإقناعهم بمشروع الجماعة وتوجهاتها الطائفية.

واتهمت الجماعة سكان قرية المكيشة بإحراق السيارة، وبدأت ملاحقتهم وفرض إجراءات أمنية مشددة في المنطقة، نشرت خلالها عشرات المسلحين واستحدثت نقاط تفتيش أجبرت المارة على فتح هواتفهم والإفصاح عن أسباب تحركاتهم وتنقلهم.

إطلالة من مدينة التربة في تعز على الطرف الشمالي الغربي من مديرية المقاطرة (فيسبوك)

ونهب مسلحو الجماعة في منطقة العلقمة غرب مديرية الشمايتين منازل السكان الذين نزحوا من جراء المواجهات العسكرية التي جرت هناك بعد تقدم الجماعة الحوثية من اتجاه مديرية الوازعية.

ووفق سكان المنطقة، فقد اقتحمت الجماعة منازل النازحين بعد كسر أبوابها، بحجة البحث عن أسلحة، متهمة مالكي المنازل بالتعاون مع الجيش اليمني و«تحالف دعم الشرعية»، إلا إن الاقتحام لم يقتصر على التفتيش، بل جرى الاستيلاء على المحتويات ونقلها على سيارات إلى خارج المنطقة.

وتزداد المخاوف في ريف محافظة تعز من تصاعد الممارسات الحوثية واتساع رقعة حملات المداهمة والاختطاف؛ مما قد يدفع بالمئات من السكان إلى النزوح خارج مناطقهم باتجاه محافظتي لحج وعدن.


تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
TT

تحذير دولي: الحوثيون وضعوا تعز على حافة الكارثة

سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)
سكان مدينة تعز يعانون أزمة مياه خانقة في ظل استمرار إغلاق الطرق ومنافذ الإمداد (رويترز)

دفعت القيود التي تفرضها الجماعة الحوثية على مدينة تعز اليمنية ومحيطها، مع تصاعد الهجمات على الأحياء السكنية وقَطع الطرق الحيوية، الأوضاع الإنسانية إلى مزيد من التدهور، وسط تحذيرات منظمة العفو الدولية من نقص الغذاء والمياه والأدوية، وتوثيق مقتل وإصابة 51 مدنياً خلال أسبوع واحد.

وقالت منظمة العفو الدولية: «على سلطات الحوثيين فتح الطرق الحيوية في تعز ومحيطها فوراً»، محذِّرة من أن إغلاق المنافذ وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية يعرّضان مئات الآلاف من السكان لمخاطر جسيمة، في ظلِّ تجدُّد الاشتباكات مع القوات الحكومية واقتراب المواجهات من المناطق المكتظة بالسكان.

وأوضحت المنظمة أن الجماعة شدَّدت سيطرتها على محيط المدينة، عقب قَطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بعدن في أكتوبر (تشرين الأول)، ما فاقم المخاوف من وقوع كارثة إنسانية حادة، خصوصاً مع صعوبة وصول السكان إلى الإمدادات الأساسية والخدمات الصحية.

وقالت هبة مرايف، المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن سكان تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، يعانون منذ سنوات تداعيات النزاع، مشيرة إلى أن المدينة تستضيف أكبر عدد من النازحين داخلياً في البلاد.

جهود حكومية لرفع أكوام القمامة من شوارع تعز بعد إغلاق الحوثيين منافذها (رويترز)

وأضافت أن الحوثيين حاصروا المدينة في مراحل مختلفة منذ عام 2015، وأغلقوا طرقاً رئيسية تربطها بالمدن والبلدات الأخرى، ما اضطر المدنيِّين إلى استخدام طرق جبلية خطرة وسيئة الصيانة. وحذَّرت من أن السكان يواجهون مجدداً نقصاً حاداً في السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والمياه والأدوية.

وشدَّدت مرايف على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بتيسير وصول المساعدات الإنسانية المحايدة إلى المدنيِّين المحتاجين بسرعة ودون عوائق، والسماح للمدنيِّين الراغبين في المغادرة بالخروج بحرية وأمان، وضمان حرية حركة العاملين في مجال الإغاثة.

ودعت المجتمع الدولي والدول المانحة إلى تكثيف الدعم الإنساني لليمن، وممارسة ضغوط عاجلة ومتكررة لفتح الطرق المؤدية إلى تعز، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً بمَن فيهم العاملون في المجال الإنساني، محذِّرة من أن تراجع التمويل الإغاثي، وتدهور الاقتصاد، وتصاعد القتال، عوامل تزيد هشاشة الأوضاع المعيشية.

51 ضحية خلال أسبوع

بالتوازي مع التحذيرات الدولية، وثَّقت منظمة «رصد» للحقوق والحريات مقتل وإصابة 51 مدنياً في محافظة تعز خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر الحالي، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والقرى السكنية.

وأوضحت المنظمة، في بيان، الخميس، أنَّ الهجمات أسفرت عن مقتل 9 مدنيِّين، بينهم 6 نساء و3 رجال، وإصابة 42 آخرين، بينهم 12 طفلاً و12 امرأة و18 رجلاً.

هجمات الحوثيين تسببت في نزوح نحو 260 ألف يمني نصفهم في محافظة تعز (إعلام محلي)

من جهته، أفاد المكتب الحكومي المعني بشؤون الحصار في تعز، في تقريره الأسبوعي، بأن القصف المدفعي والصاروخي والطائرات المسيّرة والألغام طالت مناطق سكنية متفرقة، مطالباً المنظمات الدولية والأممية بالتدخل العاجل لحماية المدنيِّين ووقف الهجمات.

وحذَّرت منظمة «رصد» من أن الهجمات المُتعمَدة على المدنيِّين والأعيان المدنية قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، داعية إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى المتضررين دون عوائق.

وتواجه تعز، التي تعاني من إغلاق طرق رئيسية منذ سنوات، تحديات متفاقمة في حركة السكان وإيصال الإمدادات، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات وعرقلة المساعدات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المدينة ومناطقها الريفية.


جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستبسل في كبح الهجمات الحوثية على المدينة

جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية في مدينة تعز التي يحاصرها الحوثيون (أ.ف.ب)

استبسلت القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية، الخميس، في صد الهجمات الحوثية على جبهات مدينة تعز المحاصرة، وسط معارك عنيفة تركزت غرب المدينة وجنوبها، بالتزامن مع إسناد جوي مكثف ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الثامن عشر، فيما أنذرت وزارة الدفاع اليمنية السكان في مناطق سيطرة الجماعة من المشاركة في تجمعات التحشيد، محذرة من أنها ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن المواجهات تتركز في محيط المطار القديم ومناطق مدرات وجبل هان والضباب غرب تعز، وصولاً إلى جبهات الشقب والأقروض والمسراخ جنوباً، وسط مقاومة شرسة لمحاولات التقدم الحوثية.

وكان المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أكد أن المعارك غرب المدينة استمرت أكثر من ست ساعات، مشيراً إلى تكبد الجماعة خسائر خلال محاولاتها الهجومية، بدعم من الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية.

وأحبطت القوات الحكومية، وفق مصادر محلية، سلسلة هجمات استهدفت معسكر اللواء 35 مدرع في محيط المطار القديم، ومناطق مدرات وصبر الموادم والمسراخ، فيما شنت المقاتلات غارات على تجمعات وآليات وتعزيزات ومنصات إطلاق صواريخ في محيط جبل هان ومدرات والربيعي والأقروض، إضافة إلى منطقة الجند شرق تعز.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وتأتي هذه التطورات وسط استمرار الجماعة في الدفع بمقاتلين وتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في محاولة لزيادة الضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواصل القوات الحكومية التصدي للهجمات ومنع الحوثيين من استعادة المواقع التي خسروها.

ضربات على عدة جبهات

في إطار عملية «فجر اليمن»،كان المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني ماجد النزيلي أعلن تنفيذ 835 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 285 عنصراً وقيادياً حوثياً، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية وعربة ووسيلة عسكرية، بينها طائرات مسيّرة.

وأوضح النزيلي أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية أحبطت محاولات حوثية لاستعادة مواقع في تعز، بينما استمرت الضربات الجوية ضد تحركات الجماعة وتحصيناتها في غرب مأرب وشمالها وشرقها.

دخان يتصاعد من موقع قصفه الحوثيون في مدينة تعز (أ.ف.ب)

وحسب تقارير الجيش اليمني، بلغت العمليات المنفذة ضد الحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نحو 20 ألف عملية برية وجوية وسط تقديرات بسقوط أكثر من 15 ألف عنصر حوثي بين قتيل وجريح.

وذكرت المصادر العسكرية أن الطيران الحربي شنّ خلال الساعات الماضية سلسلة غارات على تعزيزات حوثية في منطقة النشمة، إلى جانب غارات في الأقروض والبركاني جنوب تعز والعرسوم شمالها. وأفادت المصادر العسكرية بأن الضربات خلفت قتلى وجرحى، ودمرت عتاداً عسكرياً.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أحبطت القوات الحكومية هجوماً حوثياً جديداً، كما تصدت لمحاولة تقدم في جبهة الكعللة التابعة لمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت تتواصل فيه المواجهات على أكثر من محور بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد التعزيزات والتحركات العسكرية للجماعة.

إنذار من التحشيدات

في تطور يعكس مخاوف الحكومة اليمنية من توسيع الجماعة الحوثية عمليات التعبئة والتجنيد لتعويض خسائرها في الجبهات، حذرت وزارة الدفاع، المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من المشاركة في التجمعات التي تنظمها الجماعة تحت أسماء النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية.

وقالت الوزارة إن الحوثيين يستغلون هذه التجمعات لتحشيد الأطفال والشباب والمغرر بهم، والزج بهم في العمليات القتالية، داعية السكان إلى الابتعاد عنها وعدم السماح باستغلال أبنائهم وتعريض حياتهم للخطر. وأكدت أن التجمعات من هذا النوع ستُعد أهدافاً عسكرية مشروعة.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يستقلون شاحنة صغيرة خلال معارك ضد الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

ويأتي التحذير بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن» التي أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أنها لن تتوقف قبل تحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.

وكان العليمي دعا، خلال لقاءات مع سفراء أجانب معتمدين لدى اليمن، إلى دعم مساعي تصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، ومنع تدفق الأسلحة والتقنيات إليها وتجفيف مصادر تمويلها.

كما شدّد على أن الهجمات على المطارات المدنية والأحياء السكنية، وتهديد الملاحة الدولية يستدعيان انتقال المجتمع الدولي من الإدانة إلى إجراءات عملية لمواجهة مصادر الخطر.