بن لادن يعارض إسقاط علي عبد الله صالح واستبدال اليمن بأفغانستان

رسالة تكشف عن حرص مؤسس «القاعدة» على مهادنته الرئيس المخلوع

صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
TT

بن لادن يعارض إسقاط علي عبد الله صالح واستبدال اليمن بأفغانستان

صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)

راقت لأحد قادة تنظيم القاعدة المقولة الشهيرة: «لا بد من صنعاء وإن طال السفر»، فبعث لمؤسس التنظيم أسامة بن لادن رسالة يقول فيها: «إن كنتم تريدون صنعاء يوما من الدهر فهذا هو...»، وفهم بن لادن من الرسالة، أن الظروف أصبحت مواتية لتنظيم القاعدة للانقضاض على الحكم في صنعاء وإقامة «دولة إسلامية» على أرض اليمن، لكن أسامة بن لادن لم ترق له الفكرة فعكف على كتابة رسالة رد مطولة عثرت عليها الاستخبارات العسكرية الأميركية على مسودتها في حاسوبه ضمن مقتنياته الشخصية التي استولت عليها القوات الأميركية عند مداهمة مسكن مؤسس تنظيم القاعدة وقتله في مايو (أيار) 2011، وكشف أسامة بن لادن في رسالته عن سر غير معروف لعامة الناس بين فيه بشكل واضح وصريح أن تنظيم القاعدة حريص على بقاء الرئيس علي عبد الله صالح، وأن التنظيم له مصلحة في مهادنته وإن كان يعتبره «مرتدا».
ورغم أن اسم صاحب فكرة إسقاط علي عبد الله صالح الموجه إليه الرد لم يرد في رسالة بن لادن، فإن من المرجح أنه أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير، حيث إنه ومجموعته كانوا من المتحمسين لاستبدال اليمن بأفغانستان، وانتقال بن لادن إليها. وقد استعرض بن لادن في رده كثيرا من أسباب معارضته إقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن، بعضها أسباب مبدئية وبعضها الآخر أسباب عملية.
ففيما يتعلق بالأسباب المبدئية، أعرب بن لادن عن رفضه فكرة الدولة القطرية من الأساس، قائلا:«ينبغي أن يزول عن أذهاننا الجزء القطري، صحيح أن هناك حدود سايكس بيكو‬ بالتقسيمات الظاهرة على خريطة المنطقة وهي ما يعترف بها الحكام، ولكن جميع هذه الحدود ستزول عندما تقوم دولة إسلامية».
وحذر بن لادن من «إقامة دول في جزء من الأرض الإسلامية، لئلا يتألب الكفر العالمي والمحلي لضربها...»، حسب تعبيره.‬
وهذا الرفض لإقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن يتماهى مع رفض تنظيم القاعدة حاليا بقيادة أيمن الظواهري مشروع الدولة الإسلامية في الشام والعراق الذي بدأه تنظيم الدولة «داعش» في جزء من الأراضي السورية والعراقية. ونشب خلاف وجدل فكري بين التنظيمين إلى درجة أن تنظيم القاعدة بدأ يتهم أنصاره بالميل للاعتدال إذا ما قورن بتنظيم داعش المفرط في التشدد. ‬
* معوقات عملية
لم يكتف أسامة بن لادن برفض الفكرة من حيث المبدأ فقط، بل أسهب في توضيح الأسباب العملية التي تجعله يعتقد أن إقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن لن يكتب لها النجاح، موردا بعض الأمثلة والتساؤلات من بينها: «لو أن أناسًا في البيضاء أو السوادية أو لودر أو شقراء (مناطق يمنية في محافظات البيضاء وأبين وشبوة) يتعاطفون مع المجاهدين ولديهم قدرة على الاستيلاء على المباني الحكومية فهل سترون ذلك مناسبًا؟، ولو أقاموا إمارة في هذه المناطق فكم يوما ستدوم الإمارة؟!»، بحسب ما ذكره.
وطالب بن لادن بالتريث وتحكيم العقل، قائلا: «لا شك أن العقلاء يدرون أنها لن تدوم طويلا». وأضاف: «سيتم إسقاطها بالحصار وانتشار الجوع والتفاوض مع شيوخ القبائل لقتالنا أو إخراجنا». (تحققت هذه التوقعات بالفعل عندما أقام تنظيم القاعدة في اليمن إمارة له في أبين وأخرى في شبوة، سرعان ما تم إسقاطهما من قبل قبائل وسكان المحافظتين بالتنسيق مع حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي ينتمي إلى محافظة أبين ذاتها).
وأورد بن لادن عائقا عمليا آخر بالقول إن «مفهوم الدولة في أذهان الناس أنها ملزمة بتوفير أرزاق ووظائف للناس، وهذا أمر لا نستطيعه نحن في هذه المرحلة»، ومن اللافت أن أسامة بن لادن يرى أن مسؤولية الدولة الإسلامية تتمثل في «حفظ الأمن الداخلي وصد الهجوم الخارجي، وفي ظل الأمن تبحث الناس عن أرزاقها بأنفسها». ويعيب على الدولة الحديثة بأنها «تجعل الناس أسرى لها وتربط أرزاقهم بها». ويبين أسامة بن لادن في رسالته أن القدرة على «السيطرة العسكرية قد تكون متوفرة للقاعدة في حين أقوات الناس لا تتوفر لها».
ويبدو أن أسامة بن لادن تبادر إلى ذهنه وهو يستعرض هذه التفنيدات أنها تتعارض مع خطوة إقامة دولة في أفغانستان ضمن حدود رسمها الغرب «الكافر» كما يصفه، فأورد استدراكا ضمن رسالته جاء فيه: ‬
«أما فيما يخص أفغانستان فهي مستثناة وكذلك الصومال مستثنى فإنفاق الإمارة في أفغانستان في السنة أقل من اثني عشر مليون دولار، فمن المستحيل أن يعيش خمسة وعشرون مليونا باثني عشر مليونا في السنة مما يعني أن للشخص أقل من نصف‬‬ دولار في السنة»، ويضيف بن لادن: «الشعب الأفغاني يحمل نفسه بنفسه... لا يحمل الدولة مسؤوليات كبيرة، بخلاف الشعوب في الدول العربية فهي تحمل الدولة مسؤولية توفير وظائف وأرزاق للناس». واستشهد بن لادن بأمثلة تجارب سابقة، قائلا: ‬
«ومن الأمثلة على ذلك الجماعة الإسلامية في مصر عندما قتلوا السادات كانت لديهم خطة بأن يسيطروا على مصر ويعلنوا دولة إسلامية وذلك بأن يقوم أفراد الجماعة في كل منطقة بالسيطرة على المباني الحكومية عندهم بما فيها مباني الإعلام بأنواعه».
ويرى أسامة بن لادن أنه «لو قدر أن نجحت هذه الخطة لكان عمر هذه الدولة أسابيع فقط لأن سكان مصر وقتها ستين مليونا يحتاجون إلى مائة وخمسين مليون رغيف يوميا، والدولة المسلمة ستكون في حصار عالمي في حين أن الحكومة المصرية رضيت بأن تكون رهينة لمصدري القمح في العالم، خصوصا أميركا فغيرت أولويات المزارع المصري».‬
وحذر بن لادن في سياق رسالته من أن أي دولة مسلمة (يقصد على نمط ما تريده «القاعدة») ستكون بعد أيام من إقامتها أمام ثورة شعبية عارمة سواء أكان الناس يرغبون في أن يحكموا بالإسلام أولا يرغبون؛ لأن انعدام الغذاء يعني موتهم وموت أبنائهم أمام أعينهم، ثم يعود بن لادن للمثال المصري قائلا: «الإعداد للسيطرة على مصر له مقومات من أهمها أن نكون قد سيطرنا على السودان أولا وزرعنا ما يكفي مصر من الغذاء ويبقى القمح الذي في صوامع الدولة لمدة أسبوعين هو قوت الناس ريثما ننقل ما يحتاجه الناس من الغذاء من السودان إلى مصر».
بعد ذلك يعود بن لادن إلى تفصيل العوائق السياسية والخسائر التي يمكن أن تتعرض لها «القاعدة» من إقامة دولة لها باليمن في ظل الوضع الراهن في صنعاء، قائلا إن «صنعاء اليوم بمثابة البيضاء ودول الخليج برمتها والأردن ومصر سينقضون عليها».
* مصلحة «القاعدة» من علي صالح
ويكشف أسامة بن لادن في رسالته عن سر غير معروف لعامة الناس، وهو أن تنظيم القاعدة كان حريصا، وربما لا يزال، على بقاء الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، وأن التنظيم له مصلحة في مهادنته، وإن كان يعتبره «مرتدا». وفي هذا السياق جاء في رسالة بن لادن:
«وهناك مسألة مهمة أود أن أنوه إليها، وهي أن أميركا ودول الخليج سعوا عمليًا لتغيير نظام علي عبد الله صالح ما يظهر أن هذا الوكيل غير كفء عندهم، ويعرفون معرفة تامة بحجم الفساد الإداري والمالي الهائل وأن هذه الأجواء أعطت تربة خصبة لكل الاتجاهات لكي تنمو وتنشر أفكارها، ومن أهم هذه الاتجاهات وأقواها الاتجاه الإسلامي بجميع طوائفه، من الإخوان والسروريين والسلفيين والسلفيين الجهاديين».
ويسترسل بن لادن في وصف فوائد بقاء نظام علي عبد الله صالح، قائلا:
«إن بقاء هذا النظام أقل سوءا بكثير مما لو جاء علي سالم البيض الذي له سابقة في الفتك بالإسلاميين فإنه إن تسلم السلطة فسيبطش بالحركة الإسلامية بجميع طوائفها». ويبدو أن قرب «القاعدة» من علي عبد الله صالح جعلها في موقع القادر على تصفيته أو إسقاط حكمه، ولكن سيطرتها على الأوضاع بعد ذلك غير مضمونة، ولهذا يفهم من رسالة بن لادن أن بعض الآراء القادمة من رجال في اليمن أن التخلص من صالح ونظامه قد يكون مفيدا للتنظيم حتى لو لم تتم السيطرة لـ«القاعدة»، وكان البديل هو الفوضى الشاملة. وردا على ذلك يقول أسامة بن لادن في رسالته:
«إن القول بإزالة الحكومة المرتدة وبقاء البلد في فوضى أفضل من بقاء هذه الحكومة، غير صحي، فلا يمكن أن يتم نشر دعوتنا مع وجود الفوضى، كما أنه في ظل دولة ليس لها حاكم يرسي قواعد الأمن بين الناس فتظهر وحشيتهم بشكل كبير ويصبح هم الناس المحافظة على الدم والعرض وهذا هاجسهم دون سواه».
* بن لادن أدرك ما لم يدركه الحوثي
ولعل أهم ما كان يخشاه أسامة بن لادن موقف دول الخليج، مبديا إدراكا سياسيا مبكرا في تحذيره لأتباعه من الوقوع في المحظور، محذرا إياهم بأن دول الخليج لن تترك اليمن نهبا للفوضى. ومن المفارقات أن ميليشيا أخرى متطرفة غير تابعة لـ«القاعدة» وهي ميليشيا الحوثي قد أثبتت لاحقا صحة ما حذر منه أسامة بن لادن ووقعت في المحظور بدلا من وقوع «القاعدة» فيه؛ حيث استولت على الحكم في صنعاء، وكان رد دول الخليج صاعقا.
وقد كرر بن لادن إشارته إلى موقف دول الخليج المحتمل أكثر من مرة في رسالته، وقال: «كما أنه لا يخفى عليكم أنه غير وارد أن تترك دول المنطقة البلد بغير حاكم...».
ويضيف: «...ونحن بذلك نكون قد هيأنا الأجواء لمجيء قوة ينتظرها خصمنا، (يقصد الحزب الاشتراكي اليمني) منذ أكثر من عقد ونصف». ويضيف: «فلو جاء الاشتراكيون وحدهم فهذه كارثة على الإسلاميين في اليمن وخصوصا المجاهدين فكيف عندما تكون أميركا وجميع دول الخليج خلفهم». ويلخص بن لادن وضع اليمن بقوله إن «الوضع في اليمن باختصار شديد كصخرة كبيرة تحتوي على أحجار كريمة ومعادن ثمينة قد تدحرجت من قمة الجبل فلن يسيطر عليها من يحاول أن يحوزها أولا فقد تدهسه وتواصل انحدارها إلى بطن الوادي». ويخلص بن لادن إلى القول: «الخلاصة نحن مكسبنا العظيم في ظل وجود علي عبد الله صالح ننشر أفكارنا المهمة المؤثرة التي توعي الناس بمعنى لا إله إلا الله وتنبه بحال الجماعات الإسلامية التي توالي الحكام وتتناقض أفكارها مع الشرعية والحاكمية ومن أهم الكتب كتاب نقاط الارتكاز لأبي أحمد عبد الرحمن المصري».
كما وجه أسامة بن لادن في رسالته بشكل صريح أتباعه بمهادنة علي عبد الله صالح، قائلا لهم: «يجب أن نعمل على تهدئة العمل العسكري ونستمر في العمل التوعوي، وإننا ندعم العمل للقضاء على الفساد المالي والإداري ومن حق الناس أن تطالب بحقوقها ونساهم مع الشعب في نقد الحكومة نقدا موضوعيا ونترك الطرق الدائم على أن علي عبد الله صالح عميل».
واستدرك بن لادن بالقول: «الكلام عن أن الرئيس تابع لسياسة الغرب صحيح... لكنه ليس عميلا بالشكل الكامل بل هو عميل غير مرغوب فيه، منذ ثلاثة عقود وعدونا يسعى لإزالته وقد كاد الحبل أن يلتف على رقبته ليشنقه قبل عقد ونصف فلو سعينا لإزالته في هذه الظروف لأتينا بآخر في غاية السوء لضرب الحركة الجهادية الإسلامية».‬
ويشدد أسامة بن لادن على أهمية الهدنة مع علي عبد الله صالح قائلا بما أن «الرئيس حريص عليها فمن المصلحة لنا أن تتم الهدنة وإن كانت من طرف واحد باستثناء الدفاع المباشر عن النفس مع الإعلان ونشر أننا لا نستهدف الجيش والعسكر بل هدفنا أميركا مع مراعاة أن الراجح لدي ألا نضرب أميركا داخل اليمن لأن هذا يزيد الضغط على الإخوة نتيجة لزيادة ضغط أميركا على الحكومة وقد تدعم زيادة العمليات عليهم إلى التعجيل في تغيير الرئيس».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.