«سي آي إيه» تتنبأ بتمزق سوريا بعد حافظ الأسد

التذمر داخل الجيش بدأ يطفو على السطح من مغامرة التدخل في لبنان

حافظ الأسد عندما كان وزيرًا للدفاع في مارس (آذار) 1967، واقفا بجوار رئيس الجمهورية السورية الدكتور نور الدين الأتاسي خلال عرض عسكري في دمشق (غيتي)
حافظ الأسد عندما كان وزيرًا للدفاع في مارس (آذار) 1967، واقفا بجوار رئيس الجمهورية السورية الدكتور نور الدين الأتاسي خلال عرض عسكري في دمشق (غيتي)
TT

«سي آي إيه» تتنبأ بتمزق سوريا بعد حافظ الأسد

حافظ الأسد عندما كان وزيرًا للدفاع في مارس (آذار) 1967، واقفا بجوار رئيس الجمهورية السورية الدكتور نور الدين الأتاسي خلال عرض عسكري في دمشق (غيتي)
حافظ الأسد عندما كان وزيرًا للدفاع في مارس (آذار) 1967، واقفا بجوار رئيس الجمهورية السورية الدكتور نور الدين الأتاسي خلال عرض عسكري في دمشق (غيتي)

بدأ اهتمام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بمستقبل سوريا في وقت مبكر جدا، حيث إن محللي الوكالة كانوا يتوقعون أن ينفرط الاستقرار القسري للبلاد بعد رحيل الرئيس السوري حافظ الأسد، وهو ما حدث بالفعل. وكان من اللافت أن متابعة الاستخبارات الأميركية الشأن السوري تتمحور إلى حد كبير حول شخص الأسد بعد مرور سنوات قليلة على توليه الحكم، ونجاحه في فرض قبضته القوية على كامل الشعب السوري والأراضي السورية. وتعددت التقارير والتحليلات الاستخبارية الأميركية عن سوريا في الملفات المفرج عنها مؤخرا، بين إحصاء عدد النوبات القلبية ونزلات البرد التي تعرض لها حافظ الأسد، وتعداد الشخصيات المؤهلة لخلافته ومصير البلاد في حال تزايد تذمر الأغلبية السنية من التهميش والإقصاء.
ومن أولى الوثائق في ملفات «سي آي إيه» عن سوريا، مذكرة «تقدير وضع» تم تقديمها إلى صناع القرار في واشنطن في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1978، من شعبة الشرق الأوسط في الاستخبارات الأميركية.
ولفتت المذكرة في مطلعها إلى أن حافظ الأسد قد حكم فترة هي الأطول في تاريخ سوريا منذ استقلالها عام 1946، وبالنظر إلى تاريخ المذكرة فإنها كتبت بعد أقل من ثماني سنوات على تولي حافظ الأسد السلطة، واعتبرت السنوات الثماني فترة طويلة في بلاد شهدت أكبر عدد من الانقلابات. ولم يخطئ محللو «سي آي إيه» في استنتاجهم بأن شخص حافظ الأسد كان عاملا أساسيا لاستقرار سوريا، إذ إنه استمر في رئاسة البلاد دون منازع 22 عاما من بعد كتابة المذكرة حتى وفاته في منتصف عام 2000.
المذكرة السرية أعدت على ما يبدو لدائرة محدودة جدا من القراء في ذلك الوقت هم صناع السياسة الخارجية في واشنطن في السنة الأولى من رئاسة جيمي كارتر، ومن غير المؤكد إن كان كارتر قد قرأها. وعلى الأرجح أن الشخص المكلف من «سي آي إيه» بتقديم الموجز اليومي للرئيس قد قدم ملخصا لما ورد في التحليل من استنتاجات، حيث إن صفحات المذكرة تجاوزت العشرين صفحة، وليس من عادة الرئيس الأميركي أن يقرأ تحليلا أطول من صفحة ونصف الصفحة في المتوسط.

* دواعي قلق الاستخبارات الأميركية
أجملت المذكرة أسباب القلق الذي يعتري محللي الاستخبارات بشأن سوريا، في النقاط التالية:
أولا: إن إحكام حافظ الأسد قبضته على السلطة في بلاده، وإن كانت قد حققت استقرارا قسريا، على المدى القصير، إلا أن النظام لن يكون في مأمن على المدى الطويل، بسبب الغبن الذي تشعر به أغلبية سكان البلاد.
ثانيا: التدخل السوري في لبنان لم يكن مرحبا به لدى السوريين أنفسهم ناهيك عن اللبنانيين. فبعد مضي ثلاثين شهرا على هذا التدخل تبين للسوريين أنه سيستمر إلى ما لا نهاية، وسيتحول إلى مصدر استنزاف لمواردهم دون وجود حل يلوح في الأفق.
ثالثا: التذمر داخل الجيش السوري بدأ يطفو على السطح من مغامرة التدخل في لبنان، وإن كان هذا التذمر لم يصل بعد إلى درجة التمرد أو المطالبة بالانسحاب، إلا أنه مؤشر غير مريح للأسد، وقد يؤدي إلى انقسام الجيش السوري نفسه بين مؤيد للنظام ومتمرد عليه.
وأشارت المذكرة إلى تزايد عمليات الاغتيال في سوريا منذ منتصف عام 1976، وأنها استهدفت عسكريين وأمنيين ينتمون للأقلية العلوية الحاكمة، وهي عماد حكم الأسد. والأخطر من هذا حسب رأي المحللين الأميركيين أن النظام لم يتمكن من اعتقال أو تحديد هوية من يقف وراء عمليات الاغتيال، لكن الشكوك تحوم حول عناصر متطرفة من أبناء الأغلبية السنية، قد يكونون مدعومين من نظام صدام حسين السني في العراق.
وحددت المذكرة ثلاث بؤر محتملة للتمرد الشعبي على عائلة الأسد، وهي حلب وحماه وحمص، وجميعها ذات كثافة سنية. (أثبتت حماه عام 1982، بعد أربع سنوات من كتابة التحليل، صحة توقعات المحللين الأميركيين، كما أثبتت حمص عام 2011، وحلب عام 2016، الأمر ذاته).
* سيناريوهات التغيير في سوريا
وضع كاتبو المذكرة احتمالين رئيسيين لحدوث تغيير سياسي في سوريا، الأول يقوم على رحيل حتمي لشخص حافظ الأسد، بإحدى العلل التي يعاني منها، أو برصاص الاغتيال. والثاني يقوم على فرضية رحيل النظام ذاته عن طريق انقلاب عسكري أو تمرد شعبي. وجاء في الوثيقة أن الاحتمال الثاني يظل واردا على المدى الطويل في حال حدوث متغيرات جديدة، لكن «سي آي إيه» استبعدت حدوثه على المدى المنظور وقت كتابة المذكرة. ولهذا فقد ركز المحللون على دراسة الجوانب المتعلقة بوضع النظام السوري بعد غياب مؤسسه حافظ الأسد.
ومن المفارقات العجيبة أن الاستنتاجات التي توصلت إليها وكالة الاستخبارات المركزية قد تنبه إليها حافظ الأسد، وطبق كثيرا مما ورد فيها، لدرجة قد يظن القارئ للوهلة الأولى أن المذكرة عبارة عن نصائح وإرشادات أخذ بها حافظ الأسد، ولم تكن موجهة إلى صانع القرار الأميركي.
وتحذر الوثيقة من أن استقرار سوريا بعد حافظ الأسد، سواء مات اغتيالا أو بصورة طبيعية، سوف يعتمد بشكل أساسي على تماسك الطائفة العلوية ودائرتها الداخلية وقدرتها على اختيار خليفة يتمتع بمهارة كافية في القيادة.
وأضافت المذكرة أنه يتوجب أن تتوفر فيمن يأتي بعد حافظ الأسد القدرة على إشراك الغالبية السنية من الشعب السوري في السلطة، أو على الأقل جعلهم يشعرون بأنهم شركاء. وجاء في الوثيقة أن من سيخلف حافظ الأسد في الحكم إن لم يكن في مستواه في الدهاء، فإن عقد الاستقرار سينفرط تماما، وتنخرط البلاد في أعمال عنف طائفية، خصوصا في المناطق ذات الكثافة السنية الكبيرة مثل حلب وحمص وحماه.
وباعتبار أن الرجل القوي بعد حافظ الأسد في تلك الفترة هو شقيقه قائد سرايا الدفاع رفعت الأسد، فقد أقر المحللون الأميركيون أنه مؤهل لأن يلعب دورا مهما يجب أن يكون في رأيهم من خلف الكواليس للحفاظ على النظام في حال اغتيل حافظ الأسد أو توفي، ولكن التحليل تضمن تحذيرا لافتا بما يشبه النصيحة من أن رفعت الأسد سوف يجابه معارضة قوية، فيما لو حاول تولي الرئاسة بنفسه.
وتبرر المذكرة هذا الاستنتاج بأنه عائد إلى أن النظرة السائدة عن رفعت الأسد بين طائفة الأغلبية السنية بأنه رمز الغرور والعنف بين العلويين. وتوقعت المذكرة أو نصحت بإبعاد رفعت الأسد عن المشهد ومنعه من تولي منصب الرئاسة، مع ترك المجال مفتوحا له لأن يلعب دورا قويا من خلف الكواليس في حماية النظام.
ومن السيناريوهات المحتملة التي أوردتها المذكرة لفترة ما بعد حافظ الأسد، بروز قيادة جماعية على هيئة مجلس رئاسة مؤلف من بعدد من الشخصيات من المرجح أن يكون رفعت الأسد بينهم. ولكن كاتبي التحليل أشاروا إلى أن مثل هذا السيناريو وإن تم إلا أنه لن يدوم طويلا، وسوف يسعى رفعت الأسد أو أي منافس قوي له للانفراد بالسلطة، وستدخل البلاد في دوامة العنف.
وأفردت الوثيقة مساحة من صفحاتها استعرضت فيها أسماء شخصيات عسكرية قوية في ذلك الوقت من الدائرة الضيقة لحافظ الأسد، ومعظمهم من الطائفة العلوية الحاكمة. وأوردت الوثيقة أمام أسمائهم معلومات قد تكون مستقاة من سيرهم الذاتية، وربما من مصادر استخبارية داخل سوريا، وتدلل تلك المعلومات على أنهم من رجال حافظ الأسد الذين يعتمد عليهم بصورة رئيسية في السهر على حماية النظام. وباستثناء وجود أسماء معدودة من طائفة الأغلبية السنية لتجميل نظام حافظ الأسد فإن معظم من يعتمد عليهم من رجاله هم من الطائفة العلوية، وكانوا في ذلك الوقت غير معروفين لعامة الناس، ولم يكن من بينهم صهر الأسد آصف شوكت، ولا نجله بشار، حيث إنهما كانا في سن صغيرة لا تؤهلهما لأداء أي دور. أما أصحاب الأدوار المهمة من رجال حافظ الأسد رفعت الأسد شقيق الرئيس، وقائد سرايا الدفاع علي دوبا، ومدير الاستخبارات العسكرية السورية محمد خولي، وقائد استخبارات القوات الجوية حكمت محمود حديد، إلى جانب آخرين من العسكريين والمدنيين، العلويين والسنة.
ويلاحظ أن الرئيس السوري حافظ الأسد، كان يراعي الحساسية الطائفية، فيبرز وجوها من الطائفة السنية في مواقع قيادية، ولكن الوثيقة خلصت إلى أن أبرز اثنين من الشخصيات السنية ممن رشحتهم لخلافة الأسد صوريا لتجميل نظامه بعد رحيله، فهما وزير الدفاع مصطفى طلاس أو رئيس الوزراء محمد حلبي، ورأت الوكالة أنه لن يكون لأي منهما صلاحيات حقيقية، من وجهة فيما لو تولى أحدهما المنصب الأول في البلاد، لأن السلطة الفعلية هي بيد العسكريين من الطائفة العلوية.
* رحيل الأسد خسارة لإسرائيل
خلصت المذكرة الاستخبارية إلى أن رحيل حافظ الأسد ستكون له تبعات سلبية ليس على الصعيد المحلي السوري فقط، بل كذلك إقليميا ودوليا، بما في ذلك على عملية السلام في الشرق الأوسط، خصوصا إذا حدث الرحيل بصورة مفاجئة قبل إعداد البديل المؤهل. (كأن المذكرة توجه النصيحة للأسد ذاته، بإعداد البديل، وهو ما فعله لاحقا بتهيئة نجله الأكبر باسل، لكن وفاته في حادث سير غامض أقحم شقيقه الأوسط بشار في معمعة خلافة والده).
وتكمن خطورة رحيل وإزاحة الأقلية العلوية من الحكم بما يؤثر سلبا على مصلحة إسرائيل وجهود السلام. وشددت المذكرة على أن الضباط العلويين أكثر برغماتية من غيرهم، ولديهم استعداد للتعايش مع إسرائيل والقبول بوجودها، مهما أبدوا من تشدد في شروطهم لتوقيع اتفاق سلام معها.
ومضى التحليل في القول إن من سيأتي بعد حافظ الأسد، حتى وإن استتب له الأمر سيكون أكثر ترددا من حافظ الأسد في اتخاذ قرارات مصيرية من قبيل توقيع اتفاق مع إسرائيل. وعلى الأرجح سيتمهل خلفاء حافظ الأسد إلى أن يطمئنوا إلى وضعهم الداخلي. ولكن من حيث المبدأ لن يكون هناك اختلاف كبير في السياسة تجاه إسرائيل بين حافظ الأسد ومن سيأتي بعده من العلويين، سوى أن الوقت سيطول قبل تحقيق السلام.
واستنتجت المذكرة الاستخبارية، أن تزداد متاعب حافظ الأسد في لبنان، لكن استمرار الوجود السوري في لبنان سيكون منبع تهديد لمن سيأتي بعد حافظ الأسد، لأن أي قيادة قادمة لن يكون بمقدورها التعامل مع المتناقضات مثلما هو الوضع عليه تحت إدارة حافظ الأسد.
وتوقع محللو «سي آي إيه» أنه في حال تولي رفعت الأسد زمام الحكم في دمشق فقد يتعامل مع الميليشيات المارونية بصورة أكثر قسوة مما فعل أخوه، لكنه في النهاية سيقبل بأي تسوية للمشكلة اللبنانية تضمن خروج القوات السورية بماء الوجه.
وتختلف رؤية قيادات حزب البعث السنية عن العلوية، إذ إن القيادات السنية تطالب بتقوية العلاقة مع الجيران العرب، ومن بين هؤلاء الأحمر وباجبوج اللذان يرغبان في مد الجسور مع العراق، في حين أن ناجي جميل يرغب في تمتين العلاقة مع السعودية. وحول ما يتعلق بتبعات رحيل الأسد على العلاقات مع الولايات المتحدة، يخشى المحللون من توسع الهوة بشأن كامب ديفيد، ولبنان، والمساعدات المالية، الأمر الذي سيدفع من سيأتي بعد الأسد أكثر نحو الروس (السوفيات في ذلك الوقت)، والإخلال بالتوازن الذي كان حافظ الأسد حريصا عليه فيما يتعلق بالتعامل مع القوى العظمى.
ورجحت المذكرة أن ترحب موسكو بتولي رفعت الأسد المقرب منهم أكثر من غيره، لكن هذا لا يعني أن رفعت يمكن أن يقدم للروس أكثر مما يقدمه شقيقه حافظ. وجاء فيها كذلك أن مشكلة رفعت الأسد هي سجله في انتهاك حقوق الإنسان، وهو سجل حافل يؤهله لأن يتمادى في انتهاكاته فيما لو حل محل أخيه في الرئاسة.
وفي الوقت الذي استبعدت فيه المذكرة نجاح أي محاولة انقلاب عسكري ضد حافظ الأسد، فقد نوهت بأن أقوى المخاطر التي يواجهها نظام حكمه يأتي من الطائفة العلوية ذاتها، خصوصا في ظل وجود صراعات بين كبارهم، وفي ظل وجود مناصرين لصلاح جديد في صفوف العلويين.
لم تشر المذكرة إلى أن صلاح جديد كان بمثابة الرئيس الفعلي لسوريا في عهد الأتاسي، إلى أن أطاح به حافظ الأسد في انقلاب عام 1970، بعد أن أصدر صلاح جديد قرارا بعزله من وزارة الدفاع، وتحميله مسؤولية هزيمة الجيش السوري في حرب 1967.
* أبرز رجال حافظ الأسد عام 1978
- العسكريون العلويون
رفعت الأسد: شقيق الرئيس وقائد سرايا الدفاع
على دوبا: مدير الاستخبارات العسكرية السورية
محمد خولي: قائد استخبارات القوات الجوية
علي حيدر: قائد القوات الخاصة
- العسكريون السنة
حكمت الشهابي: رئيس أركان الجيش السوري
ناجي جميل: قائد سابق للقوات الجوية (تمت إزاحته)
مصطفى طلاس: وزير الدفاع
عدنان دباغ: وزير الداخلية
علي مدني: نائب وزير الداخلية لشؤون الأمن
- المدني العلوي
محمد حيدر: القائد الفعلي لحزب البعث
- المدنيون السنة
عبد الله الأحمر: أمين عام حزب البعث
محمد جابر باجبوج: نائب أمين عام الحزب
عبد الحليم خدام: وزير الخارجية
محمود حديد: رئيس مجلس الشعب



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.