ترمب يتعهد بالقضاء على «داعش» مجدداً ويهاجم الإعلام

انتقد «مسيرة النساء» المليونية والمشاهير الذين دعموها

متظاهرون اجتمعوا أمام حديقة إليبس بواشنطن في ختام مسيرة النساء المليونية السبت الماضي (أ.ف.ب)
متظاهرون اجتمعوا أمام حديقة إليبس بواشنطن في ختام مسيرة النساء المليونية السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتعهد بالقضاء على «داعش» مجدداً ويهاجم الإعلام

متظاهرون اجتمعوا أمام حديقة إليبس بواشنطن في ختام مسيرة النساء المليونية السبت الماضي (أ.ف.ب)
متظاهرون اجتمعوا أمام حديقة إليبس بواشنطن في ختام مسيرة النساء المليونية السبت الماضي (أ.ف.ب)

تعهد الرئيس دونالد ترمب بتقديم دعم غير مسبوق لمجتمع الاستخبارات الأميركي، في الحرب على «التطرف الإسلامي» والتنظيمات الإرهابية.
واختار ترمب أن تكون أولى مهامه في أول يوم له رئيسا للولايات المتحدة، هي زيارة مقر وكالة الاستخبارات المركزية بمنطقة لانغلي بولاية فيرجينيا مساء السبت، والالتقاء بمسؤوليها وتأكيد دعمه لهم بعد الكثير من الجدل والتوتر بين الاستخبارات والرئيس ترمب خلال الفترة الماضية على خلفية التسريبات والجدل حول قرصنة روسية للانتخابات الرئاسية الأميركية.
وقد عمل ترمب على تحسين علاقته بموظفي الاستخبارات والثناء على جهودهم والتأكيد على دعمه لمجهوداتهم، وقد رافقه في الزيارة نائبه مايكل بينس وعدد من المسؤولين الذين اختارهم ترمب في إدارته الجديدة.
وشدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أهمية القضاء على «داعش»، التنظيم الإرهابي الذي يبدو أنه أصبح الشغل الشاغل للرئيس المنتخب فيما يتعلق بسياسته الخارجية، إذ أشار الرئيس الأميركي للحرب على «داعش» في خطاب التنصيب.
ووصف الرئيس الأميركي «داعش» بـ«الشر» الواجب التخلص منه، ولمح إلى نيته إعطاء وكالة الاستخبارات المركزية إمكانيات وصلاحيات أكبر مما وفرتها إدارة الرئيس أوباما في الحرب ضد «داعش»، وقال: «نحن في طريقنا للقيام بأشياء عظيمة فيما يتعلق بـ(داعش)، فلا زلنا نخوض حربا أخذت وقتا أطول من اللازم. خضنا حروبا كثيرة، ولكن الحرب ضد (داعش) أطول من أي حرب سبقتها لأننا لم نستخدم قدراتنا الحقيقية التي نمتلكها، كنا نتبع تكتيك ضبط النفس». وأضاف ترمب: «علينا التخلص من (داعش)، ليس لدينا خيار آخر لا بد أن نجتث الإرهاب المتطرف من على وجه الأرض. (داعش) هو الشر، وكما تعلمون أنه من الممكن أن تكون هناك حروب بين دول. هذا أمر نتفهمه، ولكن ما يقوم به (داعش) ومستوى الشر الذي لديهم لا يمكننا تفهمه، ولذا أقول إن الوقت قد حان لوضع حد لهذا الأمر».
وأشار ترمب إلى أن «داعش» ظهر نتيجة لحرب العراق التي عارضها، وقال: «عندما كنت صغيرا أتذكر أحد المدرسين يقول بأن أميركا لم تخسر حربا من قبل، ولكن على ما يبدو أن ذلك توقف ولم نعد نفوز بأي شيء». وأضاف: «دائما ما كنت أقول أبقوا على النفط، ولم أكن من محبي الحرب على العراق، والآن أصبح النفط الدخل الأول لتنظيم داعش الذي سيكون القضاء عليه أحد أهم الأمور التي من شأنها إبقاء بلادنا آمنة، وهنا أؤكد لكم بأننا سنفوز مجددا وننهي هذه المشكلة المتكونة من مشاكل مترابطة، تسبب بها هذا التنظيم المريض الذي ينشر الخوف والفوضى».
ووسط تصفيق متكرر وحفاوة ملحوظة من موظفي الاستخبارات لحديث ترمب، امتدح الرئيس الأميركي مدير الاستخبارات الجديد مايك بومبيو الذي اختاره مؤخرا. وقال عنه أمام موظفي الوكالة إنه «الرجل المناسب لهذه المهمة. كان هناك ثلاثة مرشحين، وبعد أن التقيت به، اخترته مباشرة دون النظر لبقية المرشحين. وسوف ترون أنه الأفضل، ومن المتوقع أن بعضكم يعرفه من قبل فقد كان نجما أكاديميا وخدم في الجيش الأميركي، كما أنه كان عضوا مهما في الكونغرس. وأنا على يقين بأنه سيصبح نجما في مركزه الجديد».
على صعيد متصل، هاجم ترمب وسائل الإعلام مرة أخرى ملقيا اللوم عليها في تشويه العلاقة بينه وبين مجتمع الاستخبارات. ويشير محللون إلى أن ترمب اختار وكالة الاستخبارات المركزية لتكون محطته الأولى في الزيارات الرسمية، ليوضح لموظفي الاستخبارات بأنه «يحترمهم كثيرا، خلافا لما تنقله وسائل الإعلام»، على حد تعبيره. وقد أكد ترمب ذلك قائلا إن «سبب هذه الزيارة التي تعتبر أول زيارة رسمية لي، هو أن لدي كما تعلمون حربا طويلة مع الإعلام، حيث جعلوا الأمر يبدو وكأن لدي عداء مع جهاز الاستخبارات». وتابع: «أريد فقط أن أوضح لكم خلاف ذلك تماما، فأنا أحبكم وأحترمكم ولا يوجد أحد يستحق الاحترام أكثر منكم، ومتيقن بأنكم ستقدمون عملا مميزا وسوف نعود للانتصارات مجددا وسنعود للريادة».
وغرد ترمب على «تويتر» أول من أمس، وقال: «كان لقاء رائعا في مقر وكالة الاستخبارات المركزية، وكان المكان مكتظا والتصفيق حارا، إنهم أشخاص مذهلون».
من جهته، هاجم المسؤول الإعلامي لدى ترمب، شون سبايسر، الإعلام في أول مؤتمر صحافي يعقده في البيت الأبيض، وأكد من دون الاستناد إلى أي وقائع أن «عدد المشاركين في حفل تنصيب ترمب كان الأهم في تاريخ الولايات المتحدة!»، مناقضا بذلك التقارير الصحافية في هذا الخصوص. وأضاف بغضب «سنحاسب الصحافة على ذلك». وأوضح «يستحق الشعب الأميركي أكثر من ذلك، وسيتوجه دونالد ترمب مباشرة إليه»، رافضا الإجابة على أسئلة الصحافيين الحاضرين. كما وجه الانتقادات للديمقراطيين في الكونغرس للتأخر في الانضمام للجمهوريين لتأكيد تعيين مايك بومبيو مديرا للاستخبارات الأميركية. وقال سبايسر «إنه عار أن يتكلم ترمب في وكالة الاستخبارات دون أن يكون مديرها في مكانه».
ومن المحتمل أن يعقد الكونغرس جلساته اليوم الاثنين لمتابعة تأكيدات تعيين الوزراء الذين اختارهم ترمب لإدارته، بعد أن أكد تعيين كل من الجنرال ماتيس وزيرا للدفاع والجنرال جون كيلي وزيرا للأمن الداخلي مساء الجمعة الماضي.
على صعيد متصل، انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تغريدة، أمس، الذين شاركوا في مسيرات في أنحاء الولايات المتحدة احتجاجا على تنصيبه رئيسا، وضمنهم مشاهير.
وكتب ترمب في تغريدته «شاهدت احتجاجات أمس، ولكن على ما أعتقد، فقد أجرينا انتخابات. لماذا لم يصوت هؤلاء؟ إن المشاهير يلحقون أضرارا كبيرة بالقضية». وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية أن أكثر من مليوني شخص نزلوا إلى شوارع واشنطن ومدن أميركية أخرى انضم إليهم متظاهرون حول العالم السبت في «مسيرة النساء» المعارضة لدونالد ترمب، غداة تنصيب الرئيس الجديد رسميا.
وفي حين اجتاحت مظاهرة ضخمة واشنطن، هاجم ترمب الإعلام متهما إياه بالتقليل من حجم المشاركين في حفل تنصيبه قبل يوم، ولو أنه كان على علم حتما بنزول مئات الآلاف إلى الشوارع في واشنطن حيث شلوا الحركة لساعات في وسط المدينة قرب البيت الأبيض وفي متنزه المول المؤدي إلى مبنى الكابيتول، حيث مقر الكونغرس.
ورغم أن سلطات العاصمة الأميركية لا تنشر أرقاما عن المتظاهرين، فإن منظمي مسيرة النساء في واشنطن قالوا لوكالة الصحافة الفرنسية إن عدد المشاركين بلغ المليون مع انضمام أعداد غفيرة من المحتجين إلى المسيرات في كافة أنحاء البلاد.
وشارك أكثر من نصف مليون شخص بحسب الشرطة السبت في مظاهرة بلوس أنجليس، والعدد نفسه في نيويورك. ونظمت مظاهرات أخرى في شيكاغو ودالاس وسان فرانسيسكو وسانت لويس ودنفر، ومدن كثيرة أخرى ضمت مئات الآلاف.
وفي خطابات نارية، أكد المحتجون رفضهم لنهج الرئيس الجمهوري الذي تعهد بتغيير إنجازات سلفه. وقالت ماريا إيمان (16 عاما) التي أتت إلى واشنطن مع طلاب آخرين من إلينوي «إنه شعور رائع» أن تنضم إلى نساء يرفضن خطاب ترمب «التمييزي والخطير والمثير للانقسام». فيما أعربت الأستاذة تانيا غاكسيولا (39 عاما) التي أتت من تاكسون بأريزونا عن قلقها من أن يحاول ترمب فرض قيود على قوانين الإجهاض، وبالتالي يقيد حرية المرأة. ورفع المتظاهرون في العاصمة لافتات كتب عليها بخط اليد «لا تراجع للنساء» و«حقوق المرأة هي حقوق الإنسان» و«شكرا ترمب، حولتني إلى ناشطة».
وأمام الأرقام التي نشرتها الصحف حول المشاركين في حفل التنصيب، انتقد ترمب السبت بشدة وسائل الإعلام واتهمها بالكذب في تقديراتها لعدد الحاضرين حفل التنصيب. وقال خلال زيارة لمقر وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في لانغلي في فيرجينيا «صراحة كان عدد الأشخاص (الذين حضروا التنصيب) مليونا ونصفا ووصلت الحشود حتى نصب واشنطن» في وسط واشنطن. وأضاف: «أشاهد القناة التلفزيونية التي أظهرت حدائق شاغرة وأشارت إلى مشاركة 250 ألف شخص. هذا نفاق».
والمظاهرة الرافضة لترمب كانت من الأهم في تاريخ واشنطن، وتعاقبت شخصيات معروفة على المنصة بينهم المخرج السينمائي مايكل مور، والممثلتان أميريكا فيرارا وسكارلت يوهانسون، والمغنيتان اليشا كيز ومادونا. ولم يصل أي رئيس أميركي خلال أربعين سنة إلى السلطة بهذا المستوى من تدني الشعبية.
ومع 40 في المائة من الآراء السلبية، تعد شعبية دونالد ترمب أقل بمرتين من شعبية باراك أوباما في يناير (كانون الثاني) 2009 ومن جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن لدى وصولهم إلى سدة الحكم، وفقا لاستطلاع لقناة «إي بي سي» وصحيفة «واشنطن بوست» أكد أرقام استطلاعات أخرى للرأي نشرت مؤخرا.
تجدر الإشارة إلى أن مظاهرات السبت تخطت الحدود الأميركية، بعد أن أعلن المنظمون أن أكثر من 2.5 مليون شخص انضموا إلى أكثر من 600 مسيرة في كافة أنحاء العالم.
وجرت واحدة من أكبر المسيرات في لندن، حيث سار عشرات آلاف الرجال والنساء والأطفال مرددين «ليسقط ترمب». وطغى حجم حشود المتظاهرين في واشنطن على جموع مناصري ترمب الذين اعتمروا قبعات حمراء كتب عليها شعار ترمب: «سنعيد إلى أميركا عظمتها!» خلال حفل تنصيبه.
من جهتها، أكدت هيلاري كلينتون منافسة ترمب الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية في تغريدة دعمها للمحتجين، في حين شارك وزير الخارجية السابق جون كيري في المسيرة.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.