دير الزور «عاصمة» داعش البديلة

التنظيم مستميت للسيطرة عليها... وسقوطها خسارة معنوية كبيرة للنظام

دير الزور «عاصمة» داعش البديلة
TT

دير الزور «عاصمة» داعش البديلة

دير الزور «عاصمة» داعش البديلة

على وقع تراجعه في مدينة الموصل العراقية بدأ تنظيم داعش معركته «المصيرية» في دير الزور، كبرى مدن شرق سوريا، قبل نحو أسبوع في هجوم وصف بـ«الأعنف» منذ نحو سنة. وفي حين استطاع التنظيم الإرهابي التضييق على معاقل النظام السوري في دير الزور، ولا سيما على المطار العسكري، فإن خسارة هذه المنطقة التي يصفها «داعش» بـ«ولاية الخير» قد تترك آثارها السياسية على النظام قبل أيام قليلة من «مؤتمر آستانة»، وبعد أسابيع على ما اعتبره «انتصارًا» له في مدينة حلب.

رأت صحيفة «وول ستريت جورنال» اﻷميركية أن نجاح «داعش» خلال أيام في قطع خطوط إمداد النظام السوري في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في سوريا، وعزل المطار العسكري في مدينة دير الزور عن باقي أحياء المدينة، يمثل ضغطا جديدا على النظام و«إعادة الحياة» للتنظيم الذي يحتضر في أماكن أخرى في الوطن العربي. وهذه المعركة «المؤجلة» وضعت النظام الذي يوزّع «جهوده العسكرية» على أكثر من جبهة، أمام مأزق جديد ما جعله يطلب المساعدة من أهالي المنطقة، في وقت يعتمد التنظيم بشكل أساسي على إرسال انغماسيين في الهجمات التي يشنها من محاور عدة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
* دخول «حزب الله»
في المقابل، استنفر حلفاء النظام في الساعات الأخيرة لمؤازرته في دير الزور، وسجّل دخول لافت لما يسمى «حزب الله» اللبناني على الخط في موازاة تكثيف القصف الروسي، لا سيّما بعدما بات التنظيم قاب قوسين من الدخول إلى المطار العسكري. وأفادت وكالة «آكي» الإيطالية بإرسال ما يسمى «حزب الله» «تعزيزات من محيط حلب ومن مناطق أخرى، إلى محيط المطار لتمنع سقوطه»، متحدثة عن «تقدم داعش في عدة أحياء، ومحاصرة بعضها، وقطع الطريق باتجاه المطار العسكري»، وبحسب الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد خليل الحلو، هناك احتمالات، عدّة تقف خلف هجوم «داعش» على دير الزور في هذه المرحلة. ويشرح الحلو لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه «هذه المنطقة استراتيجية بالنسبة إلى التنظيم، لكون الصحراء السورية الشرقية نقطة وسطية بين الموصل والرقة. وبالتالي قد يهدف إلى تحويلها لعاصمته البديلة بعد خسارة الموصل، وحيوية بالنسبة إلى النظام الذي يدير فيها القاعدة الجوية في المطار العسكري حيث يتواجد أيضا مراكز للحرس الجمهوري والدفاع الشعبي وميليشيات أخرى تقاتل إلى جانبه في دير الزور، من هنا يأتي استهداف التنظيم للمطار بالدرجة الأولى لقطع الإمدادات التي تتم عبره، وقد أدى القصف المكثف عليه إلى توقفه عن العمل».
من جهته، يصف الخبير الاستراتيجي الدكتور سامي نادر منطقة دير الزور بـ«الأساسية» في موقعها على الحدود العراقية، لا سيما أنّها لم تحسم لغاية الآن كمنطقة نفوذ. ويوضح نادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بالنسبة إلى إيران يبقى همّها الاستراتيجي الأول هو تأمين الحدود بين العراق وسوريا لتكون منطقة خاضعة لنفوذها، لكن في المقابل هذا الأمر يتضارب بالتأكيد مع مصالح روسيا الاستراتيجية ويصطدم أيضا برفض تركيا، وتحديدا لجهة إقامة (الهلال الشيعي) وهو ما قد يحول دون تحقيق أهداف طهران». ومن هنا يؤكد أن الأهم في هذا الأمر وأمام ما يعتبره انحسارا للتنظيم في المرحلة الأخيرة، يبقى ما هي الجهة التي ستتولى إخراج التنظيم من المناطق التي يسيطر عليها ومن ثم ملء الفراغ مكانه.
* الهجوم الأعنف
لقد تمكن التنظيم الذي بدأ السبت الماضي هجوما هو «الأعنف» على دير الزور منذ سنة، من فصل مناطق سيطرة قوات النظام في المدينة إلى جزأين وعزل المطار العسكري عن المدينة. ويعد المطار العسكري أيضا المتنفس الوحيد الذي كان متبقيا لقوات النظام وتحصل عبره على الإمدادات العسكرية والمستلزمات والمساعدات الغذائية. وأشار «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إلى أنه بعد تمكّن «داعش» من عزل المطار العسكري عن المدينة، استقدم النظام تعزيزات عسكرية جوا إلى دير الزور ودعا سكان المدينة إلى المشاركة في القتال على الجبهات الرئيسية رغم أن بعضهم لم يخضع لأي تدريبات عسكرية.
ونتيجة المعارك العنيفة أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن إيقافه مؤقتًا إنزال مساعدات الإمدادات الحيوية جوًا إلى دير الزور، بعدما كان منذ أبريل (نيسان) 2016 يقوم بإلقاء مساعدات جوًا إلى السكان المحاصرين في المناطق تحت سيطرة النظام والذين يقدر عددهم بمائة ألف، وفق الأمم المتحدة.
من ناحية ثانية، وصف قائد عسكري رفيع المستوى من النظام لـ«وكالة الأنباء الألمانية» الوضع الميداني في مدينة دير الزور «بأنه صعب للغاية»، مشيرًا إلى أن «قوات الجيش السوري وقوات العشائر ما زالوا يقاتلون على محاور الاشتباك تحت تغطية نارية من الطائرات الحربية السورية والطيران الروسي». وأشار المصدر إلى صعوبة استخدام مطار دير الزور، وانطلاق الطائرات الحربية والمروحية لمساندة «القوات العاملة على الأرض بعد سيطرة التنظيم على جبل الثردة».
* تداعيات تحرير الموصل
ورغم استمرار المعارك في الموصل، يرى الحلو أن الوقائع العسكرية تشير إلى أن المدينة تتجه نحو السقوط لكن ليس خلال وقت قصير، إذ أنه لا يزال هناك مساحة كبيرة لإكمال السيطرة عليها، مضيفا: «وهذا الأمر لا يغيب طبعا عن داعش الذي لا يجد أمامه إلا دير الزور للجوء إليها عند انسحابه من العراق. وهي تفي بغرضه لجهة بعدها عن خطر الهجوم عليها من قبل قوات النظام السوري، وعن الموصل ونينوى من جهة العراق، في حين لا يسمح الواقع الجغرافي للأكراد بالهجوم عليه وإن كانوا لا يبعدون عنه أكثر من 60 كيلومترا».
وبينما يرى الخبير العسكري اللبناني أن فشل التنظيم في السيطرة على دير الزور سيعني تسريعا في العدّ العكسي لنهايته كـ«دولة» (مزعومة)، فإنه يؤكد أن سقوطها يعني نجاح «داعش» في حماية نفسه لفترة طويلة قد تمتد لسنتين، وهو ما سيكون خسارة معنوية كبيرة بالنسبة إلى النظام الذي لا يزال يتباهى بما اعتبره انتصارا في حلب، مضيفا: «وهذا أيضا سيؤدي إلى استفادة داعش من القوى العسكرية التابعة له في المنطقة على جبهات أخرى، ليعزّز بها مواقعه في الرقة والباب التي يواجه فيها أيضا معركة كبيرة».
وفي ظل غموض خطط الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في سوريا، يرى الحلو أن التدخّل الأميركي، إذا اتخذ قرار بذلك، من شأنه أن يقلب الموازين، مضيفا: «لكن لغاية الآن الأمور لا تزال غامضة وتدخّل أميركا يحتاج في المقابل إلى ثمن سياسي». ومن جهته، يرى نادر، أنّ دير الزور ستكون المعركة المقبلة بعد الموصل، وإن كان التنظيم يحاول في هذه المرحلة الاستماتة للسيطرة عليها. ويضيف «لا بدّ من الانتظار أن توضّح الخطة الأميركية الجديدة في سوريا، وإن كان لافتا مشاركة طائرات التحالف في المعركة الأخيرة إلى جانب روسيا»، ويرى أن دير الزور هي آخر حلقة في الحرب على التنظيم، وتضاهي أهميتها أهمية الرقة وتشبه مدينة تلعفر العراقية المعبر الأساسي الذي كان يستخدمه «داعش» للتنقل بين سوريا والعراق.
* الوضع الحالي
يسيطر «داعش» منذ العام 2014 على أكثر من ستين في المائة من مدينة دير الزور ويحاصرها بشكل مطبق منذ مطلع العام 2015، لتصبح بذلك المدينة الوحيدة التي يحاصر فيها التنظيم قوات النظام. ولقد أفادت دراسة نشرتها يوم أول من أمس الخميس، مؤسسة «إي إتش إس ماركيت» البريطانية للأبحاث أن تنظيم داعش خسر في 2016 نحو ربع (23 في المائة) مساحة الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرته في سوريا والعراق، في تراجع قالت: إنه قد يهدد «ترابطه». وقالت المؤسسة إنه في العام 2016 تراجعت مساحة «دولة الخلافة» المزعومة التي أعلنها التنظيم الإرهابي في هذين البلدين من 78 ألف كلم مربع إلى 60 ألفا و400 كلم مربع، أي ما يعادل تقريبا مساحة كوريا الشمالية. وكانت مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرته تراجعت في 2015 بنسبة 14 في المائة (من 90 ألفا و800 كلم مربع إلى 78 ألف كلم مربع).
وقال المحلل في المؤسسة كولومب ستراك في الدراسة إن التنظيم «عانى في 2016 من خسائر لا سابق لها في الأراضي ولا سيما في مناطق جوهرية لمشروعه للحكم». ومني التنظيم بهذا التراجع «على الرغم من سيطرته في ديسمبر (كانون الأول) مجددا على تدمر» المدينة الأثرية السورية المدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي إثر هجوم مضاد خاطف. ويذكر أن من أبرز المدن التي خسرها التنظيم في 2016 دابق ومنبج في سوريا والرمادي والفلوجة في العراق.
ورأت الدراسة أن خسارة هذه الأراضي أدت إلى انشقاقات في صفوف عناصره بشأن كيفية الرد على هذه الهزائم الأمر الذي يهدد ترابط التنظيم. وفيما يتعلق بمدينة الموصل، آخر معقل رئيسي للتنظيم في العراق، اعتبرت الدراسة أن القوات العراقية يمكن أن تستعيد المدينة بالكامل «قبل النصف الثاني من العام». أما بالنسبة إلى دحر التنظيم من مدينة الرقّة، معقله الأساسي في سوريا، فمهمة تبدو أصعب بكثير من مهمة دحره من الموصل، لأن هذه المدينة تمثل «قلب تنظيم داعش».
وكانت المعارضة منذ بدء الأزمة السورية، قد خاضت معارك شرسة في دير الزور كادت تؤدي إلى طرده منها، إلى أن بدأت الاشتباكات بين عناصر «داعش» من جهة، و«جبهة أحرار الشام» و«جبهة النصرة» والجيش السوري الحر من جهة أخرى، وتمكّن التنظيم في 20 يوليو (تموز) 2014، من السيطرة على دير الزور، وطرد الفصائل العسكرية منها. وبعد سيطرة التنظيم على دير الزور قام بهدم المعالم والمزارات ومنع عمل المجالس المحلية والجمعيات الإغاثية والإعلامية باستثناء تلك التي تعمل تحت إشرافه مهددًا من لم يلتزم بتعليماته بالقتل والسجن.
* الثروة النفطية
وبحسب تقرير أصدرته «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» يحظى تنظيم داعش بجزء وفير من ثروة سوريا النفطية والغازية بشكل عام وفي دير الزور بشكل خاص، بينما يمتلك النظام أقل قدر من الموارد النفطية مقارنة بباقي الفرقاء، بعد عقود من نهبه المتواصل لهذه الثروة الباطنية الهامة، وهو ما يدّل على أهمية معركة دير الزور الاستراتيجية بالنسبة إلى الطرفين.
ويوضح تقرير «الشبكة» أن «داعش» يعتمد بشكل رئيسي على تجارة النفط لتمويل نشاطاته العسكرية والمدنية. ويدفع التنظيم أعلى دخل شهري للمقاتل بالمقارنة مع جميع الفصائل الأخرى. كما أنه ترك بعض الآبار النفطية الصغيرة للعشائر التي تتموضع في محيطها الجغرافي بغية شراء ولاء هذه العشائر. ولقد أكد مسؤولون منشقون لـ«الشبكة» أن القسم الأكبر من عائدات النفط لم يكن يدخل في الموازنة العامة للدولة، بل ينهب من قبل العائلة الحاكمة، وقد بلغت هذه العائدات بحسب التقرير الإحصائي للطاقة العالمية الذي تصدره شركة بي. بي. قرابة 385 ألف برميل يوميًا في عام 2010. كانت تصرف تلك العائدات ما بين مصاريف شخصية ترفيهية، ويخصص جزء مهم لتمويل الشبيحة والميليشيات التابعة للعائلة الحاكمة من أجل تثبيت الدولة الأمنية الديكتاتورية، والانخراط في أعمال إرهابية تخريبية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وفي المحافظات السورية، وربما كان يتم تخصيص جزء بسيط من العائدات من أجل الحالات الاقتصادية أو السياسية الطارئة.
ويلفت التقرير إلى أنه وبعد اندلاع الثورة في سوريا، خرجت مساحات شاسعة عن سيطرة النظام السوري، كان من أبرزها المنطقة الشرقية التي تحتوي أغلب حقول النفط في سوريا، وسيطر «داعش» على كل الحقول الموجودة في دير الزور ومعامل النفط، وهي، حقل العمر والتنك والورد والتيم والجفرة.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن «داعش» يعتمد على تجارة النفط بشكل رئيسي من أجل تمويل نشاطاته العسكرية والمدنية، إذ يبلغ الراتب الشهري للمقاتل السوري داخل التنظيم قرابة 400 دولار، ويعتبر هذا الراتب أضعاف ما سوف يحصل عليه إذا عمل في كتائب أخرى، لافتا إلى أن التنظيم يدفع أعلى دخل شهري للمقاتل بالمقارنة مع جميع الفصائل الأخرى، أما المهاجر فيدفع التنظيم له أموالاً إضافية قد تصل إلى 700 دولار في الشهر، وبخاصة في حال إحضار أسرته معه.
ويقوم التنظيم ببيع النفط لتجار النفط الموجودين في المنطقة الشرقية من سوريا، ويميز من بينهم من قد أعلن ولاءه له، للشراء، ومن أجل كسب ولاء بعض العشائر، فقد ترك لهم التنظيم موارد بعض آبار النفط الصغيرة، كما أنه يقوم ببيع النفط لنظام الأسد، وبمحاولة تهريبها نحو الأراضي التركية. وتلفت «الشبكة» إلى أن التنظيم يبيع النفط بسعر أقل كثيرًا من السعر العالمي، عدا عن أن إنتاج النفط هو أقل بنسبة ملحوظة من الإنتاجية المفترضة بسبب أدوات الاستخراج البدائية، خاصة في سوريا.
* حالة من الخوف
وبانتظار ما ستؤول إليه معركة دير الزور، يعيش أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة النظام حالة من الخوف والذعر مما سيؤول بهم الوضع إذا سيطر التنظيم على المنطقة، في حين يعاني من يعيش في المناطق الخاضعة لسيطرته من قوانينه المتشددة ويمنع مغادرتها إلا بموجب إذن سفر من «ديوان الحسبة» إضافة إلى منع التلفاز والإنترنت وفرض الضرائب المرتفعة وغيرها من القوانين التي أصبحت تكبّل حياة المدنيين. ونقل «عمر أبو ليلى» من مجموعة «دير الزور 24»، وهي مجموعة إخبارية ناشطة في المدينة المحاصرة، أن التنظيم المتطرف أعدم بطريقة وحشية «عشرة» من عناصر قوات النظام الذين تم أسرهم خلال الهجوم على المطار العسكري. وقال الناشط في المدينة لوكالة الصحافة الفرنسية «أعدم التنظيم الأسرى ليلة الأربعاء دهسا بالدبابات»، مضيفا: «إذا سيطر التنظيم على أحياء النظام، ستُرتكب مجازر كبيرة وهذا مصدر تخوف كبير بالنسبة لنا».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.