سيناء «بوابة مصر الشرقية»... تتحدى المُتشددين

92 عملية إرهابية خلال 3 أشهر والجيش يُقاوم بـ41 كتيبة

سيناء «بوابة مصر الشرقية»... تتحدى المُتشددين
TT

سيناء «بوابة مصر الشرقية»... تتحدى المُتشددين

سيناء «بوابة مصر الشرقية»... تتحدى المُتشددين

سيناء هي «بوابة مصر الشرقية» التي تشهد يوميًا نزفًا مستمرًا للدم المصري منذ عام 2013، من خلال حرب مفتوحة يخوضها الجيش المصري ضد المتشدّدين الذين حوّلوا شبه الجزيرة إلى «إمارة» إرهابية، وللعلم، يقدّر حجم القوات التابعة للجيش المصري في منطقة شمال سيناء اليوم بنحو 41 كتيبة، قوامها 25 ألف مجند. ووفق آخر إحصائية رسمية مصرية بلغ عدد العمليات الإرهابية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2016 الفائت في سيناء 92 عملية. ويقول متابعون ومحللون إن الأنفاق الحدودية في سيناء تمتد لنحو 15 كلم، بطول الحدود مع قطاع غزة، مشكّلة شبكة عنكبوتية تحت الأرض تدخل عبرها نسبة عالية من الأسلحة والمتفجرات التي تستخدم في الهجوم ضد القوات المصرية، ويشير هؤلاء إلى أن في سيناء راهنًا جماعات متطرفة وعصابات دولية تربطها مصالح مشتركة تتركز في إضعاف الأمن، ولها صلات بجماعات دولية.
تُعد شبه جزيرة سيناء أحد مفاتيح شخصية مصر و«بوابتها الشرقية»، إذ وهب الله سيناء موقعًا متميزًا وساحرًا، وهي الرقعة التي تصل أفريقيا بآسيا، وتطل بواجهتها الواسعة على أوروبا عبر مياه البحر المتوسط. ويشير الأكاديميون إلى أن الكثير ممن غزوا مصر جاءوا من الشرق عابرين سيناء، ومن ثم، فهي تعد مُلتقى القارتين الأفريقية والآسيوية والجسر البرّي الذي يربط بينهما والممر الطبيعي للقوافل والجيوش. كذلك، تعتبر سيناء أرض التاريخ والأسطورة، ففيها بحثت إيزيس عن أوزيريس، ووجد الفراعنة الذهب، وكانت أرض الانتصارات وأرض السلام.
في المقابل تشير تقارير استراتيجية إلى عدة عوامل أسهمت في وجود بيئة خصبة على الأرض سمحت بتحرك مجموعات إرهابية بحرية في سيناء، من بينها الطبيعة الجغرافية والبيئة الديموغرافية.

ثلاثة تنظيمات متشددة
توضح التقارير الاستراتيجية أن عددا من التنظيمات بدأ يتجمّع في الركن الشمالي الشرقي من سيناء منذ نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي. وجاء ذلك نتيجة لتشديد القبضة الأمنية في مصر ومطاردة الجماعات المتطرفة منذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عام 1981. وما تبعه من أحداث إرهابية طالت عددا من رموز المجتمع المصري.
وبدأت القصة، حسب التقارير، بلجوء أفراد من ثلاثة تنظيمات رئيسية - برزت خلال تلك الفترة - إلى سيناء، وهي جماعات «السلفية الجهادية» و«تنظيم الجهاد» و«جماعة التكفير والهجرة». ولا يخفى أن أبناء سيناء، الذين لا يربو تعدادهم كثيرًا على نصف مليون نسمة، كانوا يُعامَلون على امتداد 30 سنة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك «تعاملاً خاصًا»، إذ كان أبناؤهم يُستَثنون من دخول الكليات العسكرية والشرطية. وما زاد من تعقيد الوضع في شمال سيناء الفقيرة نسبيًا، التضاد الواضح مع محافظة سيناء الجنوبية التي ازدهرت منتجعاتها السياحية وغدت مقصدًا للسياح الأجانب، ما أدى إلى اضطرار السكان الأصليين للتوجه شمالا، حتى أن المصريين كانوا يقولون في نهاية عهد مبارك إنه «يحكم البلاد من مدينة شرم الشيخ»، نظرا لكثرة تردده عليها.

داعش سيناء
قبل أيام معدودات أعلن تنظيم «داعش سيناء» الإرهابي المتطرف مسؤوليته عن قتل 25 شرطيًا في هجوم بمدينة العريش، عاصمة شمال سيناء. ولم يكن الهجوم العملية الوحيدة التي يُعلن التنظيم تبنيها خلال الأشهر الماضية. بل لقد أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن البلاد تخوض «حربًا حقيقية ضد الإرهاب»، كاشفًا عن أن حجم قوات الجيش العاملة في سيناء لمواجهة التنظيمات الإرهابية تٌقدر بنحو 41 كتيبة قوامها 25 ألف مقاتل. ويُذكر هنا أن إسرائيل سمحت لمصر بتجاوز أعداد الجنود ونوعية الأسلحة المستخدمة في المنطقة «ج» من سيناء الخاضعة لاتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في أواخر سبعينات القرن الماضي. ويشرح متابعون مطلعون أن عناصر تنظيم «داعش سيناء» يحتمون داخل كهوف في جبل الحلال، بوسط سيناء، الواقع في منطقة تحدد فيها «اتفاقية كامب ديفيد» للسلام بين مصر وإسرائيل عدد قوات الجيش المصري وتسليحه.
وأشار السيسي أيضًا إلى أنه أمكن خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط ضبط ألف طن متفجرات وملايين الجنيهات والدولارات (بحوزة التنظيمات الإرهابية)، بجانب آلاف الأطنان من المتفجرات ضبطت خلال السنوات الماضية في مخازن تحت الأرض بشبه الجزيرة كانت قد جمعت على مدى سنوات طويلة.

أنفاق عنكبوتية
من ناحية أخرى، يشير متابعون محللون إلى مشكلة الأنفاق الحدودية التي تمتد لنحو 15 كيلومترا بطول الحدود مع قطاع غزة في شكل شبكة عنكبوتية تحت الأرض. ويرى هؤلاء أن هذه الأنفاق باتت تمثل الآن «مشكلة كبرى». وهي بعدما كان يجري عبرها تهريب البضائع إلى القطاع وقت حصاره في الماضي من قبل إسرائيل، صارت الآن تشهد رواجا أكبر من الجانب العكسي، وتدخل من خلالها كميات من الأسلحة والمتفجرات.
وينشط بقوة في سيناء تنظيم «أنصار بيت المقدس» الذي بايع أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الإرهابي، في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، ومن ثم أطلق على نفسه مسمى «ولاية سيناء». لكن السلطات المصرية ترفض هذه التسمية ليعرف في الإعلام بـ«داعش سيناء»، وكان هذا التنظيم قد زعم فور ظهوره أن هدفه هو محاربة إسرائيل، وشارك بالفعل في إطلاق صواريخ على مدن إسرائيلية من سيناء، إلا أنه تحول منذ سنوات لاستهداف قوات الشرطة والجيش المصري.
«داعش سيناء» ظهر في الواقع عقب ثورة 25 يناير التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق مبارك عام 2011، لكنه منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي - المنتمي لجماعة الإخوان - عن السلطة عام 2013 استهدف خطوط الغاز في سيناء، فضلا عن استهداف العسكريين ورجال الأمن المصري والارتكازات والنقاط الأمنية. وتبنى منذ ذلك الحين عددًا من عمليات قتل جنود جلها في سيناء، إضافة إلى استهداف حافلة سياحية كانت تقل عددًا من الأجانب بالقرب من مدينة طابا، فضلاً عن طائرة الركاب الروسية.

تنظيمات دولية
الخبير الأمني العميد السيد عبد المحسن، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه «يوجد في سيناء متطرفون متشدّدون وعصابات دولية تتاجر في الأعضاء البشرية»، وهذه العناصر والتنظيمات «تتعاون من أجل مصالح مشتركة تتركز في إضعاف الأمن، وتتعاون مع عصابات دولية لتنفيذ عمليات داخل مصر». وأردف أن تنظيم «داعش سيناء» أعلن عدة مرات أنه يسعى لتأسيس «إمارة» متطرفة في تلك المنطقة، لكن خبراء عسكريين أكدوا استحالة ذلك بالنظر إلى موازين القوى على الأرض.
في غضون ذلك، ذكرت دراسة صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة خلال يناير الجاري، أن تنظيم «بيت المقدس» في سيناء نفّذ العدد الأكبر من العمليات الإرهابية خلال الربع الأخير من عام 2016، إذ شن نحو 89 في المائة من العمليات (92 عملية)، مقابل 11 في المائة شنتها تنظيمات إرهابية عشوائية، واقتصرت على محافظات الوادي والدلتا.
ومعروف أن الرئيس المصري السيسي نوه في تصريحات له أخيرًا بتحقيق أجهزة الأمن «إنجازات ملموسة» في مواجهة الجماعات الإرهابية في سيناء، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن هذه المواجهات «ستستمر لفترة... وستطول بسبب حرص قوات الجيش والشرطة على عدم المساس بمدنيين أبرياء خلال هذه المواجهات، خاصة، أن بعض خلايا الإرهاب تتعمد الاختفاء وسط تجمعات سكانية».
وبالتوازي مع الحرص على سلامة المدنيين في مناطق الاشتباكات، يطالب الرئيس المصري بمواصلة خطط استهداف البؤر الإرهابية المنتشرة في شمال شبه الجزيرة بأقصى درجات الحزم. وفعلاً، يفرض الجيش والشرطة المصرية طوقًا أمنيًا شديدًا على المداخل الغربية لسيناء منذ أكثر من 5 سنوات لمنع إدخال الأسلحة والمتفجرات من الأنفاق الموجودة شرقًا، خاصة مع تزايد العمليات ضد قوات الجيش والشرطة وتزايد حجم الأسلحة المستخدمة في تلك العمليات.
وحسب الخبير الأمني عبد المحسن، فإن الفكرة الأساسية لـ«داعش سيناء»، كباقي التنظيمات المتطرفة التي تتزيّا بزي الدين، توهم أتباعها أنهم «جماعة المسلمين... ومن عداهم ليسوا بمسلمين»، ومتابعًا أن كل هذه المجموعات تدور في نفس الفلك، فقط تختلف حول الزعامة أو أسلوب تحقيق دولتها وتحقيق أهدافها.

أبرز العمليات الإرهابية
يشار إلى أن من أبرز العمليات الإرهابية التي نفذتها جماعات متطرفة تفجيرات طابا التي راح ضحيتها 34 قتيلا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2004، وتفجيرات شرم الشيخ في يوليو (تموز) عام 2005 التي أودت بحياة 67 شخصا معظمهم من المصريين، وتسببت في إصابة 200 شخص - وبالتالي، تعد أسوأ هجوم إرهابي تعرضت له مصر، واتهم فيه أفراد من منظمة أطلق عليها تنظيم «القاعدة في بلاد الشام وأرض الكنانة». وثلاثة تفجيرات هزت مُنتجع دهب (جنوب سيناء) خلال أبريل (نيسان) عام 2006 راح ضحيتها 23 قتيلا، ويومذاك تبنت التفجيرات جماعة أطلقت على نفسها جماعة «التوحيد والجهاد». ثم كانت هناك «مذبحة رفح الأولى» خلال أغسطس (آب) عام 2012، التي أسفرت عن قتل 16 ضابطًا وجنديًا بالجيش المصري قرب معبر حدودي بمنطقة رفح المصرية بين مصر وإسرائيل، وحينذاك استولى الجناة على مدرعتين لقوات الجيش وحاولوا اقتحام الحدود مع إسرائيل. و«مذبحة رفح الثانية» التي أسفرت عن مقتل 25 جنديًا بعدما أوقف مسلحون في أغسطس 2013 حافلتين تقل عددا من الجنود العائدين من إجازتهم إلى معسكراتهم في شمال سيناء، وأنزلوهم وقتلوهم. ويرى العميد عبد المحسن أن «الحرب بين الدولة المصرية والجماعات الإرهابية مستمرة، إلا أن العمليات الانتحارية للتنظيم الإرهابي تُعبر عن اليأس الذي وصل إليه».

مُقاومة دينية
في سياق موازٍ، قالت دار الإفتاء المصرية إنه على الرغم من حشد التنظيمات التكفيرية المتطرفة كل عناصرها وتكتيل قوتها ومواردها في سيناء وتكثيف عملياتها الإرهابية والتخريبية هناك ضد الدولة المصرية؛ فإنها فشلت حتى الآن بالسيطرة على أي قطعة من أرض سيناء، لتجعلها نقاط تجميع وانطلاق للتوسع في ضم الأراضي وكسب المساحات، وذلك على غرار ما حدث في ليبيا وسوريا والعراق. وأوضحت دار الإفتاء أن «صلابة الدولة المصرية وشجاعة قواتها واستبسال عسكرييها يُعد العامل الرئيسي في منع الإرهابيين من التمركز في سيناء، إضافة إلى إيمان المجتمع السيناوي بأهمية تطهير سيناء من الإرهاب ومساندته قوات الأمن والجيش في حربها ضد تنظيمات العنف هناك».
من جانبه، قال الدكتور خالد الزعفراني، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إن «على الشعب المصري التكاتف خلف القوات المسلحة في الحرب ضد الإرهاب، التي بدأت تشتد من جديد، بعدما تمكنت القوات المسلحة من السيطرة على سيناء خلال الفترة الماضية»، وأضاف: «إن التنظيمات الإرهابية كلما ضعفت وتمكن الجيش من السيطرة على سيناء وتدمير قوتها، تحصل على دعم جديد وتمويل خارجي وداخلي يساعدها على العودة من جديد.... ولكن هذه التنظيمات في النهاية ستنتهي ولن تحقق أي شيء».

صورة سيناء
على صعيد آخر، يقول الدكتور محمد طه، أستاذ اللغة العربية والحضارة في مصر، في شرحه أهمية سيناء التاريخية والاستراتيجية والحضارية «سيناء مُلتقى القارتين الأفريقية والآسيوية والجسر البري الذي يربط بينهما، ولقد كانت منذ القدم ممرًا للقوافل والجيوش. وهي تأخذ شكل المثلث تستلقي قاعدته الشمالية على امتداد البحر الأبيض المتوسط (من بور فؤاد غربا إلى رفح شرقًا) بطول يبلغ قرابة 200 كلم، أما رأسه فيقع جنوبًا عند منطقة رأس محمد (التي تبعد عن ساحل البحر الأبيض بنحو 390 كلم). ويبلغ امتداد الحد الغربي لمثلث سيناء نحو 510 كم (ويشمل هذا الامتداد خليج السويس وقناة السويس)، أما امتداد الحد الشرقي فيصل إلى نحو 455 كم (ويشمل خليج العقبة والخط الوهمي للحدود السياسية الشرقية لمصر)، وتبلغ المساحة الكلية لشبه جزيرة سيناء نحو 61.000 كم مربع... أي ما يقارب من 6 في المائة من إجمالي مساحة مصر مليون كم مربع.

من الفراعنة... إلى الإسلام
وتابع طه «لسيناء دور كبير على مر العصور، ففي عهد الفراعنة اقتفى أحمس الأول فلول الهكسوس المنهزمة ورفض أن يقيموا بأرض سيناء ولم يتركهم، إلا بعد أن طردهم حتى تل الفارعة على مشارف غزة. وفي أيام تحتمس الثالث أعظم ملوك الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة الملقب بـ(الفاتح العظيم) عبرت جيوشه سيناء في حروبه 17 مرة ووصلت الإمبراطورية المصرية في عهده إلى بلاد فارس وآسيا الصغرى. أما في العهد المسيحي فكانت سيناء المكان الآمن للعذراء، كان لسيناء شرف استقبال المسيح (عليه السلام) وأمه مريم وهو ما زال طفلاً... في رحلة الهروب إلى مصر خوفا من هيرودوس الذي أمر بقتل الطفل الوليد. ثم في العهد الصليبي كانت سيناء مسرحًا لعمليات الصليبيين العسكرية، أما في العهد الإسلامي فكانت سيناء طريق دخول الفتح الإسلامي لمصر الذي انطلق بعد ذلك حتى وصل إلى أوروبا ومكث بها سنوات طويلة، وهكذا ساهمت في امتداد الإمبراطورية الإسلامية من الشرق إلى الأقصى إلى إسبانيا في قارة أوروبا».
وأضاف طه أن «حادثة الفاروق عمر بن الخطاب (ر)، خليفة المسلمين، مع عمرو بن العاص خير دليل بأن فتح مصر ودخول الإسلام إليها تم عن طريق أرض سيناء، حيث مكث فيها بجنوده في منطقة المساعيد الحالية. وهذا الاسم أطلق عليه من القائد عمرو بن العاص وليس ابتكارًا عشوائيًا، ما يؤكد أن أرض سيناء أرض أمن وسلام، كما كانت سيناء الطريق الذي سارت عليه قوات صلاح الدين الأيوبي لمواجهة الصليبيين في موقعة حطين بفلسطين والانتصار عليهم عام 1187م».

«عبقرية» المكان
وعن مظاهر «عبقرية» سيناء، قال طه «إن لسيناء وضعا جغرافيًا متميزًا، فشمال سيناء هو حلقة الوصل والنقطة الحرجة بين ضلعي الشام ومصر، وهما ضلعان في وحدة استراتيجية واحدة عبر التاريخ. أما جنوب سيناء فهو الحصن المنيع وسط الجبال والممر الاستراتيجي في متلا والجدي، فضلا عن شرم الشيخ النقطة الحاكمة في أقصى الجنوب عند التقاء أو افتراق خليجي السويس والعقبة». مضيفا: «ومن مظاهر عبقرية سيناء أيضًا أنها كانت محط أطماع إسرائيل، وكثيرًا ما تعرّضت لمحاولات الاستيلاء عليها بين الحين والآخر، تمامًا كما حصل في فترات مُتباعدة من التاريخ؛ وكلها محاولات باءت كلها بالفشل بفضل وطنية أهل سيناء الذين رفضوا كل محاولات الانفصال عن مصر».
واستطرد طه «كذلك من عبقرية سيناء ذلك تنوعها البيئي الذي أوجد ثراءً حيويًا لا مثيل له، وإذا طبقت معايير الحماية الطبيعية على سيناء لتحوّلت كلها إلى محمية طبيعية كبرى، فكل شبر في وديانها وكل نبات على أرضها وكل صخرة في جبالها، وكل كائن حي يسعى فوق ترابها أو يسبح في مياهها ثروة بيئية تستحق الحماية والرعاية. وحاليًا تضم سيناء نحو ثلث عدد المحميات الطبيعية في مصر ففيها 7 محميات، إلى جانب 165 نوعًا من النباتات النادرة، منها 44 لا توجد إلا في هذه المنطقة. وتوجد أحدث المحميّات، وهي محمية طابا، على الشريط الساحلي لمصر على خليج العقبة، الذي يتميز بمواقعه الطبيعية وتكويناته الصخرية الرائعة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.