زيغمونت باومان: من «الحداثة الصلبة» إلى الحداثة «السائلة»

تلمّس موضوعات العصر بعين فاحصة وناقدة تشهد عليها تجربته السياسية والفلسفية

زيغمونت - باومان
زيغمونت - باومان
TT

زيغمونت باومان: من «الحداثة الصلبة» إلى الحداثة «السائلة»

زيغمونت - باومان
زيغمونت - باومان

زيغمونت باومان، سوسيولوجي وفيلسوف بولندي. ولد في بوزنان سنة 1925، لأبوين يهوديين اضطرا لمغادرة بولندا بعد الغزو النازي سنة 1939 في اتجاه الاتحاد السوفياتي. واختارا سنة 1953 التوجه إلى إسرائيل. غير أن ذلك لم يَرُق للسوسيولوجي المعادي للصهيونية. ففي مقابلة له عام 2011 مع مجلة «بوليتكا» البولندية، انتقد باومان إسرائيل بقوله إنها لم تكن مهتمة إطلاقا بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كعذر لشرعنة أفعالها المتوحشة، مشبها الجدار الفاصل الذي أقامته في الضفة الغربية، بالجدران التي وضعتها النازية في وارسو (الغيتو)، عندما قتل آلاف اليهود في الهولوكوست.
سبق لزيغمونت أن اشتغل في المخابرات العسكرية البولندية كمدرس في العلوم السياسية. وخلال تلك الفترة (1939 – 1953)، درس السوسيولوجيا في أكاديمية وارسو، على يد كبار السوسيولوجيين البولنديين، أمثال ستينسلو أوسوسكي وجوليان هوتشفيلد. غير أنه سيغادر قسم السوسيولوجيا نحو قسم الفلسفة، بسبب حظر علم الاجتماع في بولندا، لأنه «علم اجتماع بورجوازي». وفي عام 1954، أصبح محاضرا في جامعة وارسو، حيث استقر بها إلى عام 1968، خلال وجوده في قسم الاقتصاد في جامعة لندن. وشغل منذ 1971 كرسي الأستاذية في قسم علم الاجتماع في جامعة ليدز، حيث أصبح، فيما بعد، رئيسا للقسم. ومنذ ذلك الوقت، كانت كتب باومان تنشر باللغة الإنجليزية على وجه الحصر، إلى أن عد منذ العقد التاسع من القرن الماضي، أحد أبرز أوجه حركة مناهضة العولمة النيوليبرالية.
نشر بومان ما يقارب السبعة والخمسين كتابا، ونحو مائة مقال. ونالت أعماله كثيرًا من الجوائز العالمية، من بينها جائزة أميرة استورياس في إسبانيا عام 2010. وهي أعمال تشمل مجالات مختلفة مثل: العولمة، والحداثة، وما بعد الحداثة، والاستهلاك، والنظام الأخلاقي، والبيروقراطية، والعقلانية، والإقصاء الاجتماعي، ومن أهمها: دراسة عن «الحركة الاشتراكية البريطانية» (كتابه الأول الذي نشر بالبولندية سنة 1959 وتم تنقيحه وترجمته إلى الإنجليزية سنة 1972)، «حياة بلا روابط» (2005)، «ثراء الأقلية» (2014). ومن كتبه المترجمة إلى العربية، نجد: «الحداثة السائلة»la modernité liquide (الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2016)، «الحداثة والهولوكوست» (مدارات، 2014)، «الحب السائل: حول هشاشة العلاقات بين الناس» (الشبكة العربية 2016)، «الحرية» (مدبولي 2012)، «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة» (مشروع كلمة 2016). ويمكن تفسير هذا الاهتمام العربي المتأخر بفكر ونصوص ريغمونت، بالحاجة إلى تفكير نقدي يواكب مستجدات العصر والإشكالات التي يطرحها مجتمع الاستهلاك اليوم، بالنظر إلى حدة أطروحته التي يمزج فيها بين مجالات عدة: السوسيولوجيا، الفلسفة، الأدب، الاقتصاد، السياسة.
مر تفكير زيغمونت في مساره الفكري والفلسفي، بأربع مراحل لا تنقطع فيها الواحدة عن الأخرى، بل يمكن النظر إليها كوحدة ناظمة لمجموع أطروحته النقدية، نجملها فيما يلي:
المرحلة الأولى «مرحلة بولندا»، وهي التي كتب فيها كثيرًا من النصوص باللغة البولندية: امتدت إلى ما يقارب العقد من الزمن (1957 - 1968)، حيث تأثرت أعماله بالماركسية الأرثوذوكسية، التي سيتمرد عليها بعد نفيه من بلده الأصلي إلى بريطانيا، بسبب نقده للمجتمع الشيوعي البولوني وللاتحاد السوفياتي.
المرحلة الثانية: (1971 – 1982)، حين درس علم الاجتماع النقدي متأثرًا بجورج سيمل وأنطونيو غرامشي. وفيها اكتشف عوالم الفرد والمجتمع والتنظيمات الاجتماعية، وبلور رؤية المجتمع الصلب الذي ينطبق على طور الرأسمالية الإنتاجية، القائمة على الصناعة والتجارة والتبادل واستغلال الموارد الطبيعية والمواد الأولية.
المرحلة الثالثة: (1987 - 1991)، التي تميزت بنقده الجذري للحداثة، بما هي السبب في كثير من المآسي التي عاشتها البشرية طوال القرن العشرين، حيث تنامى العنف في أشكاله الفظيعة. فأبشع «الجرائم في تاريخ الإنسان لم ينشأ من خرق النظام، بل عن اتباعه بشدة وبلا أخطاء. فلم تكن الهولوكست جريمة ارتكبتها مجموعة من الغوغاء، بل نفذتها مجموعة محترمة ومنظمة ترتدي زيا رسميا، وتتبع القانون، وتتحرى الدقة في تعليماتها» («الحداثة والهولوكوست» ص245). وهو في هذا، يتفق مع حنة آرنت في وصفها للشر السياسي التافه الذي طبع تاريخ الفاشية الألمانية، حيث تنسب المسؤولية للنظام القمعي الذي ارتكب الجرائم، وليس لإيخمان الذي حوكم سنة 1963 بتهمة المسؤول عن جرائم الحرب. كما تميزت هذه المرحلة بأفول دور المثقف. ففي حواره (فبراير/ شباط 2008) مع كاترين بورتفين (ترجمه إلى الفرنسية جيريم دافيس ولورينا جاليوت): «مثلت الثمانينات نهاية مرحلة تاريخية مهمة كان فيها دور المثقفين حاسما، إذ انتهى حلم كبير أسس له فلاسفة الأنوار كحلم يعد بمجتمع مثالي ويضمن السعادة للبشر، مجتمع يحكمه العقل البشري بفضل الإبداع والعمل البشريين. أفلت فكرة المجتمع المثالي تلك مع نهاية الألفية الثانية، حين وضع حد لها عنوة. وهذا ما يسميه بنهاية اليوتوبيات أو الآيديولوجيات المرتبطة بنهاية الدولة - الأمة. ويتجسد ذلك، في نظره، في التناقض الحاصل بين مجال السياسة ومجال السلطة. ففي العالم المعاصر، بعد انهيار الدولة - الأمة، تتجه السلطة نحو الأعلى، نحو عالم ما بعد الدولة - الأمة (المعولم)، في حين تنحدر السياسة نحو الأسفل (المجال الوطني) وتظل حبيسة الدول المحلية - الوطنية. وبهذا لم يعد المثقف قادرا على التأثير في السياسيين المحليين لأنه يدرك أن السلطة والقوة ليستا بيده بل تتجاوزانه.
المرحلة الرابعة: (1992 إلى اليوم)، حيث اشتهر على نطاق واسع بنقده لما بعد الحداثة، كمرحلة عممت فيها ثقافة الاستهلاك والحرية الفردية، وفيها أطلق (سنة 1998) مفهوم المجتمع السائل (مجتمع الاستهلاك والحرية الفردية) لتعويض المجتمع ما بعد الحداثي. ففي المجتمع السائل، كمجتمع استهلاكي يمثل نموذج الاقتصاد النيوليبرالي، الذي يسم الحقبة الراهنة من تطور الرأسمالية العالمية، يندمج الفرد بفضل استهلاكه وقدرته على إشباع رغباته في السوق. وقد ترجمت أعماله في هذه المرحلة إلى لغات عالمية عدة.
يصعب اختصار كل أفكار هذا الفيلسوف النقدي في هذا المقال، بالنظر إلى كثافتها وصعوبة التوليف بينها من دون تخصيصها مدخلاً تفصيليًا لجميع رؤاه، حول العنف والهوية والديمقراطية والسياسة والعولمة. في تحديده للفرق بين الحداثة الصلبة والحداثة السائلة، يقول: «لم أنظر الآن، ولا أنظر الآن، إلى الصلابة والسيولة باعتبارهما ثنائية متعارضة، بل أنظر إليهما على أنهما حالتان متلازمتان تحكمهما رابطة جدلية. إن البحث عن صلابة الأشياء والحالات هو ما دفع إلى إذابتها، وأبقى على استمرارية الإذابة، ووجه مسارها. فلم تكن السيولة خصما معاديا، بل أثر من آثار البحث عن الصلابة، ولم يكن لها أبٌ سواه، حتى عندما أنكر ذلك الأب أنها ابنته الشرعية» (الحداثة السائلة، ص 27). فالجدل يقضي بكون حالات لم تعرف من قبل حداثة صلبة، لكنها الآن في صلب الحداثة السيالة، ويتوجب عليها أن تتقن المشي على رمال متحركة. لأن ما يجري في عالم اليوم، لا تحكمه لا اتفاقية وارسو (حول حق الأقليات في تقرير المصير) ولا اتفاقية ويستفاليا حول الدولة - الأمة (الوطنية)، لجهة أن الحدود السيادية لم تعد كما كانت، أي أن العلبة السوداء للسيادة الوطنية، بتعبير سيلا بنحبيب، يتوجب فتحها. فالمهاجرون يتدفقون من كل حدب وصوب، كما تتدفق الأموال والسلع والمعلومات. لقد صار كل شيء معولما حتى ما نعتقد أنه حبيس حميميتنا الخاصة. لهذا «نستطيع أن نسمى ما نذهب إليه، في اللحظة الحالية، بأنه أزمة الديمقراطية، انكماش الثقة. نعتقد أن قياداتنا ليس فقط غبية وفاسدة، لكنها أيضا حمقاء. الفعل يستلزم القوة لتتمكن من اتخاذ القرارات. وبالطبع، نحتاج السياسة، التي تعطيك القدرة لتقرر ما تحتاجه». ومن كان عليهم أن يمارسوا السياسة توجهوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يعتبره باومان «مجرد فخ»، بحيث نعتقد أننا ننتمي إليه، لأنه يمنحنا السلطة في حذف هذا أو ذاك من قائمة الأصدقاء، أو السلطة في إضافة هذا أو ذاك. في حين أن الصداقة أبعد ما تكون، وأن تختزل في «وخز الفأرة». الصداقة لقاء والتقاء، شعور وتعبير، تبادل وتفاعل وانفعال، لأن هناك «قيمتين لطالما كان صعبًا التوفيق بينهما؛ الأمن والحرية. فإذا كنت تريد الأمن، فعليك أن تتنازل بقدر معين من الحرية. وإذا كنت تريد الحرية، فعليك أن تتنازل بقدر معين من الأمن. هذه المعضلة ستستمر إلى الأبد». فالصراع الدائر الآن، يتمحور حول علاقة الفرد بالمجتمع، ولم يعد يتعلق الأمر بنقص الأمن، بل بنقص الحرية. فالأمن توفره كل العدسات المحيطة بك من كل الجهات، وأحيانًا من حيث لا تعلم. وهذا ما يضفي على سؤال الهوية بعدا جديدا: «سؤال الهوية تبدل، من شيء تولد به إلى مهمة، والمهمة تكمن في أنه يتوجب عليك صنع مجتمعك الخاص»، مجتمع تنتمي إليه لا أن ينتمي إليك، كما هو حال مواقع التواصل الاجتماعي. فأية علاقة تربط بين المجتمع والفرد ومواقع التواصل الاجتماعي؟ الفرد جزء من المجتمع، ولا يستطيع الفكاك منه ولا تعويضه بشبكات التواصل الاجتماعي أو عالم التقنية (العبودية الرقمية)، في حين أن الشبكات الاجتماعية هي جزءٌ من الفرد وتنتمي إليه.
تكمن إذن راهنية فكر وفلسفة ريغمونت باومان في تلمسه لموضوعات العصر بعين فاحصة وناقدة، تشهد عليها تجربته السياسية والفلسفية، بحيث لم يستطع الاتحاد السوفياتي ولا الشيوعية البولونية، ولا كبر سنه من مواصلة نقده للحاضر لاستشراف المستقبل المشرق.

* كتب المقال قبل رحيل الفيلسوف باومان



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».