برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع

جمع في فلسفته خليط المتغيرات التي أفرزتها الثورة العلمية في زمانه

برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع
TT

برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع

برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع

حينما نسمع اسم الفيلسوف «هنري برغسون»، نتذكر رجلا جند حياته ليكون ضد «النزعة المادية»، واستحواذ العلوم الفيزيائية ذات التوجه الميكانيكي، منذ القرن السابع عشر، على تصورات الإنسان الحديث. ونتذكر في الوقت نفسه، اشتغاله على إعادة الاعتبار للجوانب الروحية المفقودة، وإعلانه خيار «الحدس» باعتباره المعبر الحقيقي عن دفق الحياة وسيلانها، حيث جعل منه البديل عن التحليل والتفكيك العلمي المشوه للظواهر. فلنلق إذن نظرة على فلسفة هنري برغسون التي جمعت في داخلها كل خليط المتغيرات التي أفرزتها الثورة العلمية في زمانه.
كان برغسون، في نهاية القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين، فيلسوف فرنسا «الرسمي» والمعبر عن هويتها وأصالتها. ولد في باريس عام 1859، وسيقضي نحبه فيها أيضا سنة 1941، درس بالمدرسة العليا للأساتذة، وحصل على شهادة التبريز في الفلسفة، ثم على الدكتوراه عام 1889، فعمل أستاذا للثانوي، لينصب أستاذا بـ«الكوليج دو فرانس». ثم جرى تعيينه، بعد ذلك، عضوا في الأكاديمية الفرنسية. كما حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1928، له الكثير من الكتب المترجمة إلى العربية، نذكر منها: «بحث في المعطيات المباشرة للوعي»، و«التطور الخلاق»، و«الطاقة الروحية»، و«منبعا الأخلاق والدين». تميز أسلوبه بالشاعرية والبلاغة الأخاذة، حيث كان يسعى، دائما، إلى نقل أفكاره إلى القارئ بأقل تكلفة، مبعدا إياه، ما أمكن، عن المفاهيم المجردة والجامدة. وهو ما يتماشى مع أطروحته العامة القائلة بـ«الديمومة» ودفق الحياة.
* عجز العقل عن إدراك الحياة ككل
في كتاب هنري برغسون: «l' évolution créatrice «الذي ترجمه جميل صليبا (انظر الطبعة المشتركة من طرف مجموعة الروائع الإنسانية ببيروت - واليونيسكو بباريس سنة 1981)، واختار له عنوان «التطور المبدع»، نجد فكرة أساسية هي مدار الكتاب، مفادها أن العقل قد أعد من أجل ضمان اندماجنا مع بيئتنا تماما. بعبارة أخرى، يؤكد برغسون عبر كتابه، ولمرات كثيرة، أن عقلنا هو نتاج الاحتكاك بالمادة الصلبة، وهو لا ينتصر إلا معها، ولا يقدر أبدا على إدراك الحياة ككل. فهو أمر لم يتدرب عليه منذ نشوئه الأول. فالعقل لن يكون في وطنه الحقيقي، إلا مع المواد الجامدة. فهي أول من تفاعل وتكيف معها، منذ ظهور الإنسان في العصور البدائية. فمعها تشكلت الأطر والمقولات العقلية الأساسية التي نشتغل بها كإرث إلى حد الساعة. فمنطقنا ومفاهيمنا، هي، في الأصل، منطق ومفاهيم الأشياء الصلبة. فتعاملنا منذ وجودنا الأول، مع أدوات العمل واحتكاكنا بها، هو من حدد لنا ملامح وشكل عقلنا. لهذا فالعقل يحقق نتائج مبهرة في مجال المادة، لكنه يعجز عن إعطاء تصور واضح عن طبيعة الحياة الحقيقية. وكيف يمكنه ذلك وهو، بحسب برغسون، مجرد جزء منها وفيض تابع لها؟ فهو ليس سوى مظهر من مظاهرها.
يشبه برغسون العقل بحصاة حملتها موجة البحر، فإذا كان لا يمكن للحصاة أن ترسم ملامح الموجة، فبالمثل لا يمكن للعقل أن يرسم ملامح الحياة. فهو ليس إلا راسبا من الرواسب التي خلفتها حركة التطور خلال سيرها في طريقها. لهذا فهو غير مؤهل لإدراك تيار الحياة الذي أنجب العقل. فهو قاصر عن ذلك. ومن يقول العكس، كمن يقول بأن الجزء يساوي الكل.
يؤكد برغسون على أننا لسنا عقولا محضة في هذه الحياة، بل نحن عقول يحيط بها سديم غامض. فالحياة وهي تتطور، أنتجت لنا شعلة مضيئة هي العقل. لكن هذا العقل ملفوف بقوى غامضة لا يستطيع أن يكشفها بأدواته، لأنه، ببساطة، قد تشكل بإطارات صالحة للتعامل مع المواد الصلبة، وليس للتعبير عن مجمل الحياة، وإعطاء صورة واضحة عنها في كل ما فيها من تدفق وسيلان وديمومة. الأمر الذي دفع برغسون إلى الدعوة إلى ضرورة عدم الفصل، بين نظرية المعرفة ونظرية الحياة. فهما معا وبتضافر، يمكنهما إعطاء الصورة الكاملة للحياة.
إن العقل لا يصل بحسب برغسون، سوى إلى مظاهر الأشياء وسطحه، ولن يصل إلى عمقها أبدا. فهو حينما يشتغل في عالم المادة، يصول ويجول، ويشعر بالثقة الهائلة، بل يحقق نتائج مذهلة. لكن حينما يجرؤ على الذهاب أبعد من ذلك، ساعيا إلى استيعاب الحياة الباطنية، يتكدر صفوه ويفقد ثقته في ذاته، ويدخل في جو من عدم الراحة. لكن إذا كان العقل لا يقدر إلا على اقتحام العالم السطحي من الحياة، أي عالم الفينومين بتعبير كانط، وغير قادر على الغوص في عالم الباطن (النومين بتعبير كانط أيضا)، فهل يعني أن علينا التوقف عن فهم طبيعة الحياة، والاكتفاء بالنظرة الميكانيكية فقط، ونقلع عن العالم الباطني؟ يجيب برغسون، بأن الحياة لم تخلق عقولا هندسية فقط، بل طورت أيضا، دروبا شعورية أخرى. فماذا لو قربنا الشعور ومزجناه بالعقل؟ ألن نحصل على نظرة شاملة ولو سريعة الزوال؟ هنا تبدو لنا بوضوح، النزعة «الصوفية» عند فيلسوفنا برغسون.
إن العقل لا يدرك إلا الأشياء التي تدر عليه منفعة. لهذا فهو يشتغل بتحليل وتفكيك الظواهر للتحكم فيها. وهذا نابع من أصله المادي. إنه يقطع الأشياء إلى أجزاء لاستيعابها. لكن يقع في الزيف، حين يحاول أن يطبق المنهج نفسه على الحياة، التي تتسم بالديمومة والحركية والتتابع والاتصال، إذ لا يحصل سوى على صورة مشوهة ومزيفة. لهذا وجب، بحسب برغسون، اللجوء إلى الحدس، باعتباره تعاطفا واتصالا مباشرا بالعالم من دون تفتيت.
كان برغسون مؤمنا بالعلم. لكنه لم يكن يريد السقوط في عيوبه، وهي قتل الحياة وجعلها صماء عن طريق تقسيمه، وجعل اتصاله منفصلا. فقدر العلم هو تزييف الحقيقة، وعدم البلوغ إلى عمقها، الذي ما هو إلا تيار متدفق. فالعالم متصل الحلقات وليس مجزأ. فالتجزئة عمل صناعي، يقوم به العقل قصد السيطرة على الطبيعة السطحية. لكن لا ولن يصل، بحسب برغسون، إلى كنه العالم ومعناه.
إن العقل وهو يقوم بعمله يوظف عنده اللغة بوصفها أداته الرئيسة. لهذا فهي مثله عاجزة عن التعبير عن باطن الأشياء بأمانة كاملة. فمثلا، إذا أخذنا العالم الداخلي للإنسان، فإننا نجده يتميز بالحركية الدائبة، والسيلان غير المنقطع، والهيجان المستمر، والدينامية المتصلة. وعندما تأتي اللغة قصد إدراك هذا العالم، فإنها تشوهه وتفقده كل حركيته، لتجعل منه شيئا ساكنا وجامدا. فعندما أحاول مثلا، التعبير عن مكنوناتي، فسأكون مضطرا إلى فصلها بمنهج تحليلي، لأقول: أحاسيسي، أفكاري، عواطفي، نوازعي، انفعالاتي، أنا أحب أو أكره، أو أنا فرح أو أحزن. لكن الأصل، هو أن عالمي الداخلي وحدة كلية. فاللغة الخادمة للعقل، تجعل حياتي الباطنية، طبعا، مجرد لقطات خاطفة، على الرغم من أنها ليست كذلك في الحقيقة.
والأمر نفسه يقال عن الزمان. فاللغة تقتل تدفقه وتجمده، وتعزل عناصره عن بعضها البعض. فالماضي والحاضر والمستقبل هي، في الحقيقة، مكونات غير معزولة، وتتحرك بترابط واندماج شامل. إنها تيار دافق وجارف. لكن اللغة تحللها إلى أجزاء، وهو ما لا يعبر، طبعا، عن الحقيقة. لهذا نجد برغسون يقول: «الديمومة هي تقدم مستمر لماض يقضم المستقبل، ويتضخم بتقدمه إلى الأمام». بعبارة أخرى، لا وجود للحظة الراهنة إلا وهي منغمسة في الماضي. فالحاضر تدوس عليه ذكريات الماضي كجبل جليدي يتضخم، فيجعل اللحظة الموالية مختلفة تماما. وهو ما يفسر لنا إلحاح برغسون على فكرة تعذر الشعور بالحالة نفسها مرتين. فالماضي ليس ذكريات في درج معين، أو شيئا ندونه في سجل. طبعا لا. إنه تراكم تلقائي يشتغل بطريقة آلية، ويلاحقنا في كل لحظة، وينضم إلى الوعي الحاضر، ويزدحم عند بابه بكل ثقله، منجذبا إلى المستقبل الذي يقرض منه ويحتل حيزا على الدوام.
إن الحياة ليست ساكنة ومتجمدة ومنفصلة. بل هي متدفقة ومتحركة ومتصلة. أما حينما نقوم بفصل الحالات عن بعضها البعض، باستخدام العقل وأداته اللغة، فإننا وإن ربحنا الحقيقة السطحية، فنحن نخسر الحقيقة الباطنية.
نخلص إلى أن طموح الفيلسوف هنري برغسون، كان إعادة الاعتبار إلى الجوانب الروحية المغيبة، جراء انتشار النزعة الميكانيكية في العلم، وإبراز قصور العلم بنظرته التحليلية للعالم، وعدم قدرته على الوصول إلى حقيقة ديمومة الحياة، معلنا أن العقل الإنساني وجب أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع. وذلك لن يتأتى إلا إذا عمل جنبا إلى جنب مع الطاقات الروحية الخبيئة التي طريقها هو الحدس.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.