اللغة العربية.. الضحية المزدوجة للدارجة والفرنسة

نقاش كان دائمًا مؤجلاً في المغرب

من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي
من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي
TT

اللغة العربية.. الضحية المزدوجة للدارجة والفرنسة

من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي
من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي

يتزايد النقاش في المغرب بشأن أوضاع اللغة العربية، ليتخذ أبعادًا غير مسبوقة على مستوى المسألة اللغوية، بشكل عام، خاصة بعد إصرار البعض، أخيرًا، على الدعوة لاعتماد الدارجة المغربية في التدريس، بشكل أضاف، برأي المدافعين عن العربية، إلى «تغول» الفرنسية «تشويش» التلهيج.
وتحولت المناظرة الشهيرة، التي جمعت، قبل ثلاث سنوات، بين عبد الله العروي، المفكر والمؤرخ والأستاذ المبرز في اللغة والحضارة العربية، ونور الدين عيوش، رجل الإشهار (الإعلان) ورئيس «مؤسسة زاكورة للتربية»، وأبرز الداعين لاعتماد الدارجة في التدريس، إلى لحظة أساسية في النقاش اللغوي بالمغرب، يتم استحضارها وتوظيفها، بشكل خاص، من طرف المنتقدين لدعوات «التلهيج»، والتي كان آخر فصولها إصدار «مؤسسة زاكورة للتربية»، قبل أيام، «قاموس الدارجة المغربية»، وذلك «من أجل جعل اللغة العربية المغربية حية ومستمرة»، على رأي الواقفين خلف الإصدار، الذي اعتبر محاولة، من بين أخرى، يرى عدد من المدافعين عن اللغة العربية، في المغرب، أنه تتحكم فيها «خلفيات سياسية وآيديولوجية» تسعى إلى «تغيير منظومة القيم المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية»؛ لذلك ذهب البعض إلى وصف قاموس الدارجة بـ«المسخ اللساني»، الذي «يستحق التتويج بأسوأ إصدار في السنة»، نظرًا لـ«محتواه الصادم والتافه أحيانًا».
ويتحدث عدد من المهتمين بالمسألة اللغوية في المغرب، عن «فوضى عارمة تعيشها السياسة اللغوية»، مشددين على أن «النقاش حول اللغات في المغرب كان دائمًا مؤجلاً»، في وقت يرى فيه المدافعون عن العربية أن لغة الضاد «لا تطرح مشكلاً»، من جهة أن «المغرب لديه هوية عربية إسلامية أمازيغية»، علاوة على أنه «جزء من فضاء مغاربي وعربي، لا يمكن عزله عنه»، وأن التدريس بالدارجة يروم، كما قال العروي، في المناظرة الشهيرة، «تقويض الوحدة الوطنية»، وأن من شأنه أن يؤدي إلى «تقوقع البلاد» و«يفصل المغاربة عن ثقافتهم العليا ومحيطهم الثقافي العام»، مع إشارته إلى أن «الدارجة لا تستطيع أن تكون لغة ثقافة رفيعة متقدمة في مستوى اللغات الأجنبية»، ودعوته، في المقابل، إلى «عدم التفريط في اللغة العربية»؛ فيما شدد الدكتور فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمغرب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن لغة الضاد، التي اعتبرت، على الدوام، جزءًا من تكوين الإنسان المغربي، «تعيش وضعًا غير طبيعي في المجال التداولي المغربي»، مرجعًا ذلك إلى «عدد من الالتباسات التي كانت نتيجة تراكمات امتدت من زمن سابق على الاستقلال إلى يومنا هذا».
وتحدث بوعلي، في هذا السياق، عن عوامل ثقافية وسياسية واجتماعية تداخلت في تشكيل هذا الوضع، مما يستدعي، من وجهة نظره، «تدخل الدولة لضبط العلاقة القائمة بين اللسان والهوية بطريقة تعيد الاعتبار لأهمية هذين الركنين في تشكيل الوجود الفردي والجماعي للمواطن»، خاصة وأن «اللغة العربية، التي اعتبرت على الدوام جزءًا من تكوين الإنسان المغربي، والعربي عمومًا، ونصت جل الدساتير على رسميتها، ما زالت تعيش على هامش الأجرأة الفعلية لرسميتها في كل القطاعات من تعليم وإدارة وشأن عام، وخصوصًا في الإعلام»، مشددًا على أنه «يكفي أن نذكر بالإجراءات الجديدة من أجل التراجع على مكتسب التعريب في المدرسة المغربية، مما سيجعل العربية لغة متاحف ومنابر وليست لغة علم ومعارف».
وعن دور الإعلام في تقوية أو إضعاف اللغة العربية، وخصوصًا الإعلام المرئي، قال بوعلي: «لا يستطيع أحد أن ينكر الأثر البالغ لوسائل الإعلام على الفرد والمجتمع، فهناك ما يشبه الإجماع على أن في وسع وسائل الإعلام أن تنهض بالشعوب في مجال التعليم من أدنى الدرجات إلى أرفعها وأرقاها، وأن ترقى بلغاتها وتطورها بحيث تتمكن من التعبير عن الحاجات المعاصرة. لكن بدل أن تؤثر اللغة في الإعلام صارت خاضعة لسلطانه وتستسلم بطواعية لدفقه اللغوي وتدفقه المعلوماتي. بل غدا الأمر أكثر خطورة عندما يغدو الإعلام وسيلة لهدم العربية من خلال اعتماد اللغة الأجنبية أو التلهيج في التواصل والدبلجة وتهميش لغة الضاد بشكل ينبئ بوجود سياسة ممنهجة تروم القضاء على الهوية اللغوية للمتلقي. لكن في الجانب الآخر يمكننا الإشادة ببعض القنوات العربية التي مكنت المتلقي المغربي من اكتشاف مخزون لغة الضاد عبر استعمالها الدقيق في التواصل».
وبخصوص وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت أسهمت في «إعادة» الشباب المغربي إلى لغته العربية، كما يرى البعض، أم أضعفها، شدد الخبير المغربي المتخصص في المسألة اللغوية في الوطن العربي، على أن «وسائل التواصل الجديدة طرحت إشكالاً مضاعفًا على لغة الضاد. حيث نقلت التواصل العامي من الشارع إلى الفضاء الرقمي بشكل لا يحترم قواعد اللغة ولا أبجدياتها، بعد أن فرضت مراسلات البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والمدونات والمواقع الإلكترونية، لغة مكتوبة جديدة غصت بالتعابير المستحدثة، وطالت استخداماتها الرسوم والصور والرموز والإشارات، مما أدى إلى ضعف اللغة العربية، وهيمنة اللهجات العامية، وأصبحت اللغة العربية عند كثير من الناس هي لغة الإعلام، والصحافة اليومية الهجينة».
وبخصوص دور المجامع العربية في الحفاظ على سلامة اللغة العربية، لاحظ بوعلي أن هذه المجامع، على الرغم من ريادتها العلمية والمعجمية، قد «همشت وغدت ندواتها منتديات للمطارحة الفكرية من دون تأثير على الواقع العملي»، مشددًا، في هذا السياق، على أن «الإشكال ليس في المؤسسات العلمية ولكن في القرار السياسي الذي تتحكم فيه نخب لا تستطيع الانتصار للغتها».
وجوابًا عن سؤال إن استوعبت اللغة العربية العلوم الحديثة، قال بوعلي إن «اللغة مرتبطة بتطور أبنائها»، وأن «اللغة كائن حي يعكس تطور أبناء المجتمع وتخلفهم»، ولذا فـ«العربية تعاني مما يعانيه المجتمع من مد وجزر. والمنجز في العلم والمعرفة كثير واستطاعت مجامع ومعاهد التعريب مواكبته من خلال قواميس ومعاجم متعددة اللغات. ففي أي مؤسسة بحثية من هذا القبيل ستجد معاجم للسياحة والتقنيات والإعلاميات وغيرها. لكن غياب التنزيل على الواقع العملي والاستفادة من هذه الكنوز يضيع فرصًا كبيرة للاستفادة من المخزون العلمي العربي».
ولاحظ بوعلي أن التجربة التراثية أثبتت أن «العربية قادرة على استيعاب العلوم والمعارف الكونية واللدنية، واخترقت بذلك الآفاق البعيدة». غير أنه استدرك قائلاً: «لكن نعود ونكرر: غياب الإرادة الحقيقية لدى الممسكين بالشأن العام للنهوض بلغة الضاد هو الذي يعرقل أي إثبات لقدراتها في الواقع العملي والعلمي».
وعن مستقبل بعض وجهات النظر التي تدعو إلى اعتماد الدارجة في التعليم، قال كاتب: «مقاربات في المسألة اللغوية بالمغرب»، المؤلَّف الذي يشدد فيه على أن «وجود المجتمع من خلال تمثلاته المؤسساتية لا يتم إلا من خلال أمنه اللغوي»، إن «اعتماد الدارجة في التعليم محاولة قديمة قدم الهجوم على اللغة العربية. وربما الذي لا ينتبه إليه أن الاهتمام بالعامية قد بدأ مبكرًا في الغرب الإسلامي بحكم التماس والاتصال بين المسلمين والمسيحيين على أرض الأندلس، وبحكم تنامي الرغبة لدى المنصرين في تنفيذ مشروع الاسترداد وتنصير المسلمين وإلحاقهم بالعالم المسيحي، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، لأن أبسط أبجديات البحث اللساني تقتضي التمييز بين نسقين لسانيين: اللغة العالمة التي تقدم المعارف والعلوم، ولغة التواصل العامي، وبالتالي فإن أي إخلال بهندستهما الوظيفية يؤدي إلى خلل في بناء المعارف. لذا سنجد أن دهاقنة هذا الزعم بعيدون كل البعد عن البحث العلمي اللساني الرصين والمؤسس كما تحيل عليه لائحة المشاركين في الندوات المنظمة لهذا الغرض».
وختم بوعلي حديثه، بالتشديد على أنه لا يجد أساسًا علميًا، لطرح موضوع اعتماد الدارجة في التعليم والدفاع المستميت عنه، مشددًا على أن طرح هذا الموضوع «تتحكم فيه خلفيات سياسية وآيديولوجية في قلبها تغيير منظومة القيم المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية».



لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».


هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي