الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017

تسهم بما يزيد عن 110 مليارات دولار في اقتصاد المملكة المتحدة

الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017
TT

الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017

الصناعات الإبداعية... سبيل بريطانيا للنمو في 2017

«لو كنت معلومة بسيطة، لفاخرت بالعيش في مجتمع معلومات، لكن بوصفي كائنًا مفكرًا ومُبدعًا، فأنا أتطلع إلى شيء أفضل، إننا نحتاج إلى المعلومات، لكننا نحتاج أيضًا إلى أن نكون نشطين ومهرة ومُثابرين، لاختبار هذه المعلومات، نحتاج إلى أن نكون أُصلاء في تفكيرنا، بكلمة واحدة: أن نكون مبدعين». عن جون هوكنز، مؤلف كتاب «الاقتصاد الخلاق».
منذ نحو عقد من الزمان، والصناعات الإبداعية تعتبر الجزء الأسرع نموًا في الاقتصاد البريطاني، حتى أصبحت هي العلامة التجارية الأهم لبريطانيا. وفي جميع أنحاء العالم، يعتبر «الاقتصاد الإبداعي» جزءًا مهمًا من الاقتصاد العالمي، حيث أصبح لدى الحكومات والقطاعات المختلفة إدراك متزايد لأهمية الاقتصاد الإبداعي، بوصفه مُولّدًا لفرص العمل والثروة والتواصل الثقافي.
ولطالما كانت بريطانيا رائدة في تطوير الصناعات الإبداعية، ليس فقط بوصفها محركًا للاقتصاد، ولكن أيضًا لتعزيز الاندماج الاجتماعي والتنوع الثقافي والتنمية الاجتماعية. وتُسهم الصناعات الإبداعية بما يزيد عن 90 مليار جنيه إسترليني (110.5 مليار دولار) في اقتصاد المملكة المتحدة، وفقًا لآخر إحصاءات عام 2014. وتشير الأرقام إلى أن القطاع ينمو بمعدل يقرب من ضعف معدل نمو الاقتصاد ككل في المملكة المتحدة، حيث يستطيع توليد 9.6 مليون جنيه إسترليني (نحو 12 مليون دولار) في الساعة.
تبرز أهمية الصناعات الإبداعية في بريطانيا، في وقت تزداد فيه التوقعات باستمرار اضطراب النمو الاقتصادي البريطاني خلال عام 2017. ففي العام الماضي، أصبح الاقتصاد البريطاني أكثر تداخلاً من المعتاد مع السياسة. وقرر الناخبون البريطانيون أن الفترة الطويلة من عدم اليقين بشأن الـ«بريكسيت» هي نتيجة أساسية ومنتظرة منذ الأزمة المالية العالمية 2008 – 2009، والانتعاش الضعيف منذ ذلك الوقت. أما الاضطرابات السياسية والتي لا تقتصر على بريطانيا فقط، فمن شأنها أن تشكل توقعات بشأن النمو الضعيف في عام 2017.
ويأتي متوسط التوقعات لنمو الاقتصاد البريطاني في عام 2017 عند 1.3 في المائة فقط، مقابل 2 في المائة في العام الماضي، و2.2 في المائة عام 2015. ويرجع ذلك إلى تأثير توقعات الـ«بريكسيت». ولكن هذا المتوسط يخفي مجموعة واسعة من التوقعات، أحدها يتوقع نهاية متفائلة، بتحقيق نمو بنسبة 2.7 في المائة، في حين، في نهاية متشائمة، هناك توقع بنمو نسبته 0.6 في المائة. ولكن الغالبية تتوقع تباطؤًا كبيرًا في عام 2017، مع تفاقم مخاطر الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2019. ومستويات المعيشة في بريطانيا هي أيضًا عرضة للسقوط، وأحد أسباب التراجع هو تباطؤ النمو الاقتصادي. وهذا يعني انخفاض نمو العمالة، وربما يشهد القطاع تراجعًا واضحًا. وإضافة إلى ذلك، فإن ضعف الجنيه الإسترليني وارتفاع التضخم يؤدي إلى تآكل الأجور الحقيقية. وكذلك تتوقع مؤسسة القرار «Resolution Foundation» - وهي مؤسسة فكرية غير حزبية ومقرها لندن - أن تأتي الأرباح الحقيقية في جميع أنحاء بريطانيا، قريبة أو أقل، من الصفر في النصف الثاني من عام 2017. وكذلك فإن ارتفاع التضخم سيفاقم من تدني القيمة الاسمية لاستحقاقات الرعاية الاجتماعية.
وترتفع توقعات التضخم في أسعار المستهلك في العام الحالي إلى 2.5 في المائة، بعد أن كانت 0.7 في المائة فقط في العام الماضي. ولكن هناك مجموعة واسعة من التوقعات، حيث يرى المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، أن التضخم سيسجل 3.5 في المائة في العام الحالي. كما أن أسعار المستهلكين قد تواجه موجة متجددة من ضعف الجنيه الإسترليني وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، كما أن هناك أثر وصول دونالد ترامب إلى السلطة في أميركا، وهو ما يزيد من الآثار السلبية على الاقتصاد البريطاني في ظل قوة الدولار الأميركي.
ويمثل ترامب حافزًا ماليًا كبيرًا للاقتصاد الأميركي، عبر مزيج من التخفيضات الضريبية ومزيد من الإنفاق على البنية التحتية. لكنه يمثل تهديدًا أيضًا للنظام التجاري العالمي، ربما بدءًا من حرب تجارية مع الصين.
والمملكة المتحدة، باعتبارها اقتصادًا مفتوحًا، فلن تقف كمجرد متفرج، بل ستصبح مُهددة هي الأخرى بالسياسات التوسعية المرتقبة في الولايات المتحدة الأميركية. وليس ترامب التحدي الوحيد أمام المملكة المتحدة، فهي أيضًا عرضة ليس فقط لنتائج مفاوضات الـ«بريكسيت»، ولكن لعدة أحداث أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، أبرزها الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي قد تؤدي بمارين لوبان، زعيم الجبهة الوطنية، إلى السلطة، فضلاً عن آفاق السياسة الإيطالية غير المؤكدة. وتلك جميعها مخاطر جيوسياسية تؤثر على الاقتصاد البريطاني في 2017.
ولسوء الحظ، فإن الشكوك حول الـ«بريكست»، والتحولات في البيئة السياسية العالمية ستصيب الاقتصاد البريطاني - الذي تظهر عليه بالفعل علامات ضعف كبيرة - في عام 2017. فالمملكة المتحدة تعاني من عجز هائل في الحساب الجاري، ومن المتوقع أن يصل إلى 5.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، وفقًا لبيانات مكتب المساءلة عن الموازنة، ومن المتوقع أن يصل صافي دين القطاع العام إلى 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2017 - 2018. ولا يزال نمو الإنتاجية ضعيفًا بشكل رهيب. وأخيرًا، لا يزال الاستثمار في الأعمال التجارية ضعيفًا جدًا، ومتوقع أن يتجه إلى الإنتاج السلبي.
من الواضح أن الصناعات الإبداعية في بريطانيا ستكون هي سبيل الخروج من العثرة المتوقعة للاقتصاد في العام الحالي. ذلك لأن الصناعات الإبداعية تنمو بشكل أسرع من أي قطاع أعمال آخر في معظم المملكة المتحدة، مع 47 مجموعة مختلفة منتشرة في جميع أنحاء البلاد. ولا تزال لندن مسؤولة عن 40 في المائة من جميع وظائف الصناعات الإبداعية وثلث الشركات الإبداعية، وهناك كتل أصغر تزدهر في جميع أنحاء البلاد، وفقًا لتقرير جغرافيا الإبداع في المملكة المتحدة.
كما يقول التقرير، الذي يتضمن خريطة 47 «مجموعة خلاقة» في البلاد: «على الرغم من أنه من المعروف أن الصناعات الإبداعية هي محرك النمو في مدن مثل لندن وبريستول، ومانشستر، وأدنبره، وكارديف، وأن كفاءتها تقل على نطاق واسع في أجزاء أخرى من المملكة المتحدة، فإن الخريطة تؤكد أن المجموعات الإبداعية لها حضور بارز في لندن والجنوب الشرقي (والتي تُكوّن معًا نحو ثلث المجموعات المحددة). ولكن تم العثور أيضًا على أكثر من 5 مجموعات في شمال إنجلترا، واسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية، وجميعها مجموعات صناعية متميزة جدًا. وشهدت أكثر من ثلثي هذه المناطق نموًا أسرع في الصناعات الإبداعية عن قطاعات العمل العام».
وتسهم الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة بنحو 90 مليار جنيه إسترليني تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي. فهي تشكل واحدة من بين 11 وظيفة، وهذا معدل يرتفع بسرعة أكبر من قطاعات أخرى من الاقتصاد. وهذه الوظائف هي أيضًا من بين الأقل احتمالاً أن تتم خسارتها في ظل التطور التكنولوجي والتحول إلى مرحلة «التشغيل الآلي». فكثير من الشركات التجارية في بريطانيا، تمثل نماذج من الإبداع وريادة الأعمال، كذلك فالعلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا والعلوم قوية ومتنامية جدًا في بريطانيا. وارتفع عدد الوظائف في الصناعات الإبداعية بنحو 20 في المائة منذ 2011 إلى 1.9 مليون وظيفة حاليًا، وفق بيانات وزارة الثقافة والإعلام والرياضة.
يأتي اهتمام بريطانيا بالصناعات الإبداعية تماشيًا مع استراتيجية النمو الجديدة، التي تناولتها قمة الـ20 في شنغهاي، في سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي تقوم بالأساس على تعزيز التحول الاقتصادي، والاستفادة من إمكانات النمو في القطاعات الناشئة، مثل اقتصاد الإنترنت، والاقتصاد الأزرق - وهو نوع من الاقتصاد يؤكد على حماية الإدارة المستدامة للموارد المائية - والاقتصاد الأخضر. وتطوير مفهوم اقتصاد الإنترنت سيكون لخلق بيئة مواتية لتمكين الفئات الضعيفة والمحرومة، وبخاصة النساء والشباب والمعوقين والفقراء، من التنمية.
وتقوم استراتيجية بريطانيا لتطوير قطاع الصناعات الإبداعية على 4 محاور؛ وهي: الاستثمار المشترك بين القطاع العام والخاص لتطوير أعمالهم الإبداعية المستدامة، والابتكار من أجل توسيع الاقتصاد في جميع مجالات الأعمال التجارية بما فيها القطاع العام، وزيادة الشمولية وخلق فرصة للأشكال الإبداعية الناشئة والاعتراف بقيمة التداولات المحلية والشراكات القائمة، وكذلك فتح مسارات تكنولوجية مبتكرة جديدة إلى الأسواق العالمية.
فالابتكار هو العنصر الرئيسي للنمو الاقتصادي، وأصبحت الحكومات بحاجة فعلية إلى تسهيل مزيد من التعاون الدولي وتشجيع نشر المعرفة عبر الحدود، للحفاظ على النجاح في الابتكار، حسبما يقول تقرير مؤشر الابتكار العالمي. ويشير تقرير صادر عن جامعة «كورنيل» و«إنسياد»، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، إلى أن تدفقات المعرفة عبر الحدود تمكّن الابتكار - من خلال شبكات الابتكار العالمية - بأن يعود النفع بصورة أكبر على الاقتصاد العالمي؛ لأنها ستؤدي إلى زيادة الاستثمار في الصناعات السابقة التي لا ترتبط بالابتكار، وإضافة إلى ذلك، فإنه يسمح بمزيد من الاستثمارات عبر الحدود.
والتدفق الحر للبيانات هو، في حد ذاته، سائق كبير للابتكار؛ لأنه يتيح تبادل الأفكار والمعلومات ونشر المعرفة، وكذلك التعاون بين الأفراد والشركات. وتؤثر تدفقات البيانات عبر الحدود بشكل حاد على قدرة الشركات على القيام بالأعمال التجارية على الصعيد الدولي، فهي تخفض التكاليف المتعلقة في مجالي التجارة والمعاملات، وكذلك التكاليف التشغيلية الأخرى المتعلقة بتنفيذ المشروعات. ويقدّر تقرير، صدر مؤخرًا عن لجنة التجارة الدولية الأميركية، أن الإنترنت يقلل من تكاليف التجارة بنسبة 26 في المائة في المتوسط. إضافة إلى ذلك، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدم الإنترنت للتجارة عبر منصات عالمية لديها قدرة للبقاء على قيد الحياة ومواصلة أعمالها بشكل جيد ومُربح، يصل لنحو 54 في المائة، وهي نسبة أعلى بـ30 في المائة من تلك الشركات التي تعمل بالطرق التقليدية.
وهناك عدد من الآثار الاقتصادية الأخرى الناتجة عن اعتماد الاقتصادات على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تأتي في مقدمتها المساهمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي. فالنتائج من مختلف بلدان العالم تؤكد الأثر الإيجابي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات على النمو؛ على سبيل المثال، يُسهم نمو قطاع التكنولوجيا بنحو 10 في المائة في تحقيق زيادة بنسبة 1.4 في المائة في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، وفي الصين، يمكن أن تصل هذه النسبة إلى 2.5 في المائة.
باختصار، تكمن استراتيجية بريطانيا الجديدة في تحقيق النمو بطريقة مستدامة ومبتكرة وأكثر تخصصًا، وتشجيع المرونة التي تحتاجها أي دولة للوصول إلى اقتصاد ناجح في القرن الـ21. وإضافة إلى النسب المئوية والنمو المرتفع المتولد من الصناعات الإبداعية، تعود أهمية تلك الصناعات إلى دورها المتوقع في إحداث موجة صاعدة للمعرفة الاقتصادية، وكونها قائدة للصناعات والخدمات الأخرى، عبر تزويدها بالمحتوى الرقمي الذي يُترجم مباشرة إلى ميزة تنافسية وطاقة إبداع لقطاعات الاقتصاد الأخرى، وكذلك عبر احتضان رأس المال الإبداعي والعاملين الإبداعيين عمومًا.



لبنان بين انكماش 9% وفاتورة إعمار بـ5 مليارات دولار

غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

لبنان بين انكماش 9% وفاتورة إعمار بـ5 مليارات دولار

غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية استهدفت حياً سكنياً في قرية دير الزهراني جنوب لبنان 15 أغسطس (أ.ف.ب)

يتواصل تدفق المؤشرات الاقتصادية السلبية في لبنان على منواله الحاد، مع تمدّد حال «عدم اليقين»، واستمرار تراكم الخسائر المالية والإعمارية الناجمة عن المناوشات والعمليات العسكرية في الجنوب، ووسط تصاعد القلق من احتمالات التصعيد الحربي، ربطاً باستحقاقات انتخابية خارجية، وبتعقيدات جولات المفاوضات المباشرة، وتأثيرات المواجهات في المنطقة.

وحفل التقرير المحدث الصادر عن وكالة «ستاندرد آند بورز» الدولية، بإشارات لافتة لإعادة هيكلة الترقبات لدى المؤسسات المالية الدولية، على المديين القريب والمتوسط، بنتيجة رصد المؤشرات الاقتصادية والمالية المرتبطة بمنحى التحديات الشائكة ذات الصلة بالسياسات الكبرى، مثل المخاطر الأمنية، وضعف النمو الاقتصادي، وقلّة الموارد الماليّة العامّة، واحتياجات إعادة الإعمار الكبيرة.

وبرز في تحديثات المؤسسة الدولية، ترقب انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 8 إلى 9 في المائة خلال العام الحالي، بخلاف الجدول السابق الذي توقع تحقيق نموّ بنسبة 3 في المائة للناتج المحلي البالغ نحو 35.8 مليار دولار بنهاية العام السابق، ومعززاً بالمعطيات المحلية التي تظهر خفض سقوف التطلعات بنجاح الموسم السياحي الصيفي، والمترجم رقمياً بتراجع حركة المطار والوافدين خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، وبالتالي ضعف مساهمته في تقليص أرقام انحدار الاقتصاد.

وجاء التعديل في تقدير النموّ، من الإيجابي المعتدل إلى السلبي الحاد، بنتيجة تحليل تداعيات الصراع الحربي الأخير، وتأثيراته المتفاقمة على قطاعي البناء والسياحة وعلى ثقة المستثمرين، وحيث تقدّر الحكومة تكاليف إعادة إعمار البنى التحتية العامّة والمنازل المتضرّرة بحوالي 5 مليارات دولار، أيّ ما يعادل 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي التقديري للعام الحالي.

بالمقابل، توقّعت وكالة التصنيف أن تسهم إعادة الإعمار بدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المائة خلال السنوات الثلاث التالية، في حال انخفضت حدّة الأعمال العدائيّة الواسعة النطاق، فيما يتكفل تصحيح مسار الاقتصاد بتسريع عجلة النموّ، من خلال مساهمة الإعمار في انتعاش قطاعات الخدمات المتنوّعة، وزيادة الاستهلاك، وتحسّن مستويات السيولة، وتدفقات التحويلات الماليّة. بالتوازي مع ترقب انخفاض في متوسّط التضخّم إلى 14 في المائة في العام المقبل، و10 في المائة لعام 2028، جراء ارتفاع نسبة الدولرة في الاقتصاد بشكل كبير واستقرار سعر الصرف.

تقدم إصلاحي

ومع حجب التوقعات بإمكانية إحراز أي تقدّم ملموس على المدى القصير بشأن إعادة هيكلة الدين العامّ الذي يتطلّب إنجاز إصلاحات في السياسات الماليّة ودعم المانحين واستقرار الوضع الأمني، فقد أحرزت الحكومة تقدماً ملحوظاً في مجموعة من الإصلاحات التي يشترطها صندوق النقد الدولي للموافقة المحتملة على برنامج التسهيلات المالية الموسّعة. بينما برز تنويه الوكالة الدولية بتعثّر الانتهاء من مشروع قانون الاستقرار المالي (الفجوة)، وتوقع مزيد من التأخير نتيجة تغير الوضع الأمني والتحول المحتمل في أولويّات السياسة العامّة.

ومن المتوقع، حسب الترقبات المحدثة، تحقيق فوائض في موازنة الحكومة بنحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي، و1 في المائة للعام المقبل، بعدما حققت 5 في المائة خلال العام الماضي، لكن ذلك لن يمنع تحوّل أرصدة الميزانيّة إلى عجز بنسبة 1 إلى 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعامي 2028 و2029 ، في ظل قيود تمويلية مستمرة، وضغوط الإنفاق مع ارتفاع فاتورة الأجور في القطاع العامّ، التي تشكّل أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي، والزيادة في الإنفاق على الأمن ودعم السكان المتضرّرين من العدوان الأخير على لبنان.

مبنى متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية على قرية أنصار جنوب لبنان في 15 أغسطس (إ.ب.أ)

تراجع متوقع في العجز

كما يتوقع تحقيق انخفاض نسبي في متوسّط العجز في الحساب الجاري، ليبلغ 17 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2026 و2029، مقابل نسبة 22 في المائة للفترة الممتدّة بين عامي 2023 و2025. وبذلك يظل هذا العجز مرتفعاً رغم إمكانية تمويله من تحويلات المغتربين الوافدة إلى لبنان، ومن ادخارات القطاع الخاصّ المقيم بالعملة الأجنبيّة.

تجدر الإشارة إلى أن وكالة«ستاندرد آند بورز»، أبقت تصنيف لبنان بالعملة المحليّة على المدى الطويل عند درجة «سي سي سي +» (CCC+) مع نظرة مستقبليّة مستقرّة. كما حافظت على التصنيف الطويل والقصير الأمد للديون السياديّة بالعملات الأجنبيّة عند مستوى «التخلّف الانتقائي عن الدفع»، وتصنيف العملة المحليّة على المدى القصير عند الدرجة «سي». علماً بأن الحكومة السابقة، برئاسة حسان دياب، أعلنت في ربيع عام 2020، قرار الامتناع عن دفع مستحقات سندات الدين الدولية، بإجمالي يقارب 31.5 مليار دولار.

وحذرت من إمكان خفّض تصنيف الدين بالعملة المحليّة، في حال زيادة احتمال إدراج الدين بالعملة المحليّة من ضمن عمليّة إعادة الهيكلة، بينما ستعمل على تحسين التصنيف في حال تحقيق تقدّم إضافي في الإصلاحات التي من شأنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج أفضل للماليّة العامّة، وتحسين أفضل في النموّ الاقتصادي، وتفتح الباب أمام تمويل خارجي بشروط ميسّرة.

وقد نشرت الحكومة إحصاءات الدين عن نهاية عام 2024 بعد تأخير طويل. حيث بلغ الدين العامّ حوالي 152 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ، أي ما يعادل حينها 46.3 مليار دولار، منه حوالي 43 مليار دولار، تمثل أصول سندات «اليوروبوندز» والفوائد المتأخّرة والمستحقّة. علماً بأن الأسعار السوقية لهذه السندات «المعلّقة» الدفع، من الأصول والفوائد، تبلغ حالياً نحو 30 في المائة من قيمتها الاسمية، بعدما انحدرت إلى أدنى مستوياتها لتسجل 6 في المائة فقط من قيمتها، بُعيد اندلاع حرب غزة وإسنادها اللبناني في خريف عام 2023.


إغلاق الشركات في ألمانيا يقترب من أعلى مستوياته في 20 عاماً

منظر عام لمدينة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
منظر عام لمدينة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

إغلاق الشركات في ألمانيا يقترب من أعلى مستوياته في 20 عاماً

منظر عام لمدينة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
منظر عام لمدينة فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

شهدت ألمانيا إغلاق 187 ألفاً و744 شركة العام الماضي، وهو أعلى عدد من حالات إغلاق الشركات في نحو 20 عاماً، وفقاً لتحليل سنوي مشترك أجرته شركة «كريديت ريفورم» و«مركز لايبنيتس للبحوث الاقتصادية الأوروبية (ZEW)» ونُشر يوم الثلاثاء.

وارتفع عدد الشركات المغلقة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024. وكانت آخر مرة سجلت فيها ألمانيا عدداً أكبر من حالات إغلاق الشركات في عام 2007، عندما بلغ العدد نحو 208 آلاف شركة. وشهد العام الماضي ثاني زيادة متتالية في عدد حالات الإغلاق.

وقال باتريك لودفيش هانتسش، رئيس قسم البحوث الاقتصادية في «كريديت ريفورم»: «ديناميكية الأزمة تنتشر الآن في جميع قطاعات الاقتصاد... وعلى خلاف السنوات السابقة، فإنه تتوقف الآن أيضاً عن العمل شركاتٌ كانت تتمتع بوضع جيد».

وأظهر التحليل ارتفاع عدد حالات إغلاق الشركات في جميع القطاعات تقريباً خلال العام الماضي. وكان الاتجاه أوضح في قطاع الضيافة، حيث أغلق نحو 15 ألف شركة تعمل في المطاعم والإقامة الأبواب في عام 2025، بزيادة 15 في المائة مقارنة بعام 2024.

ووفقاً للخبراء، فقد استمر أيضاً الاتجاه السلبي الذي يشهده قطاع الرعاية الصحية منذ نحو 10 سنوات. وبلغ عدد حالات الإغلاق فيه نحو 11 ألفاً، أي نحو ضعف العدد المسجل في عام 2008. كما أغلق نحو 5 آلاف و500 عيادة طبية العام الماضي، بزيادة 23 في المائة مقارنة بعام 2024، وغالباً ما كان السبب تقاعد الأطباء وعدم العثور على من يتولى إدارة عياداتهم.

كما شمل الإغلاق نحو 11 ألف شركة صناعية، بزيادة 10 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وأوضحت الباحثة في «مركز لايبنيتس للبحوث الاقتصادية الأوروبية (ZEW)»، ساندرا جوتشالك، أن 13 في المائة فقط من نحو 190 ألف حالة إغلاق مسجلة العام الماضي كانت ناجمة عن إجراءات إعسار، مشيرة إلى أن غالبية الشركات تنهي أنشطتها دون ضجة تذكر.

وقالت جوتشالك: «تغلق شركات بشكل متصاعد أبوابها لأن أصحابها يتقاعدون ولا يجدون من يخلفهم. ويحدث نحو ثلث حالات الإغلاق الطوعي حالياً لأسباب مرتبطة بالتقدم في السن، وهي نسبة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل ما بين 10 سنوات و15 عاماً».


«معنويات المستثمرين الألمان» ترتفع بأكثر من المتوقع في أغسطس رغم ضغوط الطاقة

جانب من أفق مدينة فرنكفورت والحي المالي في ألمانيا (رويترز)
جانب من أفق مدينة فرنكفورت والحي المالي في ألمانيا (رويترز)
TT

«معنويات المستثمرين الألمان» ترتفع بأكثر من المتوقع في أغسطس رغم ضغوط الطاقة

جانب من أفق مدينة فرنكفورت والحي المالي في ألمانيا (رويترز)
جانب من أفق مدينة فرنكفورت والحي المالي في ألمانيا (رويترز)

أفاد معهد «زِد إي دبليو» للأبحاث الاقتصادية، الثلاثاء، بأن معنويات المستثمرين الألمان تحسنت بأكثر من المتوقع في أغسطس (آب) الحالي، لترتفع إلى 34.2 نقطة، مدفوعة بالنتائج الفصلية الإيجابية وارتفاع طلبات التصدير؛ مما ساعد على تعويض تأثير ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات النقل.

وكان المحللون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم يتوقعون ارتفاع المؤشر إلى 30 نقطة، مقارنة مع 26.3 نقطة في يوليو (تموز) الماضي.

وقال رئيس معهد «زِد إي دبليو»، أخيم وامباخ: «يتعزز الاتجاه الإيجابي في التوقعات خلال أغسطس الحالي، ويرجع ذلك على الأرجح إلى النتائج الفصلية الجيدة والمستويات المرتفعة مؤخراً للصادرات».

كما تحسنت قراءة «المعهد» تقييمَ المستثمرين للوضع الاقتصادي الحالي إلى -61.1 نقطة من -77.6 نقطة في يوليو الماضي، متجاوزةً أيضاً توقعات المحللين.

واستندت نتائج الاستطلاع إلى آراء 185 محللاً ومستثمراً مؤسسياً خلال الفترة من 10 إلى 17 أغسطس الحالي.

وأوضح وامباخ أن الاقتصاد الألماني استفاد من الإنفاق الحكومي الفيدرالي على البنية التحتية، لكنه حذر بأن انخفاض منسوب المياه في نهر الراين إلى مستويات قياسية يمثل خطراً على النشاط الاقتصادي.

وكان منتجو المواد الكيميائية وشركات المرافق ومصانع الصلب والتجار الزراعيون في ألمانيا قد حذروا من ارتفاع التكاليف واضطرارهم إلى خفض الإنتاج نتيجة الانخفاض القياسي في منسوب النهر.

وقال أولريش وورتبرغ، الخبير الاقتصادي في مركز «هيلابا» للأبحاث، إن استطلاع «زِد إي دبليو» يعكس استمرار تعافي معنويات المستثمرين.

وأضاف: «تميل أرقام اليوم إلى دعم توقعات رفع (البنك المركزي الأوروبي) أسعار الفائدة».

وأدى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي بفعل الحرب مع إيران إلى إبطاء وتيرة التعافي الذي طال انتظاره في أكبر اقتصاد بأوروبا. وكانت وزارة الاقتصاد الألمانية قد خفضت في أبريل (نيسان) الماضي توقعاتها للنمو لعامي 2026 و2027.

ومع ذلك، فقد أفادت الوزارة الأسبوع الماضي ببدء ظهور مؤشرات على زخم إيجابي، مشيرةً إلى أن المشترين الأجانب قدموا طلبات شراء من منتجي السلع الألمانية كثيفة استهلاك الطاقة؛ مما منح الشركات الألمانية ميزة تنافسية، في وقت تضرر فيه المنافسون الآسيويون بشدة من ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط.