المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب

يرتكز على الزيت والتوابل

المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب
TT

المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب

المطبخ الإسباني وتأثره بالعرب

يختلف المطبخ الإسباني بين منطقة وأخرى، ويخضع في معظمه للتقاليد المحلية والمناخ السائد والمحاصيل المتاحة والمراحل التاريخية التي مرّت عليه منذ العصر الروماني وحتى الحقبة العربية الأندلسية. وهي أيضًا قريبة من المغرب وتتأثر أيضًا بالمطبخ المغربي الذي لا تفصله عن إسبانيا سوى ثمانية أميال عبر مضيق جبل طارق.
ويستمد المطبخ الإسباني عناصر مكوناته من تاريخ مركب نالت فيه إسبانيا بعضًا من الغزوات والفتوحات وقامت هي أيضًا فيما بعد بكثير من الغزوات، خصوصًا للعالم الجديد والقارة اللاتينية. وبدأت الحضارة في شبه القارة الإيبيرية في القرن السابع قبل الميلاد بمجتمعات بسيطة نشأت من قبائل كانت تعيش على الصيد. وبدأت مجتمعات جنوب إسبانيا في التجارة مع سفن الفينيقيين والإغريق، واستفادوا منهم في تطوير أساليب جديدة للزراعة، والحصول على محاصيل مفيدة مثل الكروم والزيتون. ولم يضف الرومان إلى ذلك في فترة حكمهم لإسبانيا سوى زراعة الفطر الذي ما زال يزرع في أنحاء شمال إسبانيا إلى اليوم.
في العصور الوسطى كان الفتح العربي لإسبانيا عن طريق مضيق جبل طارق وقدم العرب إلى أهل إسبانيا كثيرًا من أنواع الأطعمة التي لم تكن أوروبا تعرفها ومن مصادر بعيدة وصلت إلى بلاد فارس والهند. ولذلك يعد المطبخ الأندلسي هو الأكثر ثراء بين جميع المناطق الإسبانية حيث قدم له العرب الأرز والصرغم وقصب السكر والسبانخ والباذنجان والبطيخ والليمون والخوخ والبرتقال واللوز. وما زالت الأطباق الحديثة تحمل جذور المطبخ العربي فيها.
من العوامل الأخرى التي أثَّرت على المطبخ الإسباني كان اكتشاف أميركا في عام 1492، حيث وصلت إلى إسبانيا محاصيل جديدة مثل الطماطم والخيار والبطاطس والذرة والفلفل الأخضر والبابريكا والفانيليا والكاكاو. واكتشف الإسبان صناعة الشوكولاته من الكاكاو، كما صدروا بدورهم كثيرًا من المحاصيل إلى العالم الجديد، من بينها الأرز والكروم والزيتون وكثير من الحبوب الأخرى.
ويهتم الإسبان بوجبة منتصف اليوم التي تسمى «لا كوميدا»، ويتم تناولها على مدى ساعتين يتخللهما حديث على الطاولة يستمر أحيانًا حتى الرابعة عصرًا. وفي المطاعم يتم تقديم كثير من الوجبات المتنوعة التي تنتهي بتقديم بعض الفاكهة والحلويات. أما في المنازل فيقتصر الأمر على شوربة أو سلاطة إلى جانب وجبة من اللحم أو السمك والمعكرونة أو الأرز ثم الفاكهة أو الجبن. وتقدم السلاطة الخضراء مع معظم الوجبات الإسبانية.
ومن العادات العربية التي اكتسبها الإسبان بدأ الوجبات بالخبز الذي يصاحبه زيت الزيتون والخل والجبن بدلا من الزبد. كما يدخل الأرز في أشهر وجبة إسبانية على الإطلاق وهي وجبة «باييا» المكونة من الأرز والأحياء البحرية وأحيانًا الدجاج والسجق والأرانب. ويقال إن الاسم العربي لهذه الوجبة هو «البقية» وهي جمع مكونات الطعام من اليوم السابق وطبخها معًا في صحن كبير على نار هادئة مع الأرز. وتشتهر هذه الوجبة في كثير من مناطق إسبانيا مثل الأندلس.
ويعتمد الإسبان على كثير من الخضراوات التي حضرت من أميركا بعد اكتشافها وخصوصا البطاطس والطماطم والكوسة والفلفل الأخضر. وجمعت إسبانيا بين هذه المكونات الجديدة وبين مطبخ البحر المتوسط التقليدي الذي يعتمد على زيت الزيتون والبصل والثوم والباذنجان والخرشوف والخص والفطر. وأنتجت إسبانيا بعض الوجبات الخاصة بها مثل وجبة «كوسيدا»، التي تحتوي على الخضراوات والبقول واللحوم أو الدجاج، وهي تنتشر في كل أنحاء إسبانيا. كما تنتشر أيضًا شوربة «غازباتشو» المكونة من الطماطم وبعض الخضراوات والمكونات الأخرى المطحونة، وهي شوربة تؤكل باردة.
وتشتهر إسبانيا أيضًا بالعديد من الفواكه التي تؤكل طازجة أو مجففة، ومن أشهر أنواع الفواكه في إسبانيا التين والتمر والتفاح والكروم والبرتقال والفراولة والكريز. كما يتم تناول المكسرات بأنواعها بعد تسخينها في الفرن، وهي أيضًا أدخل ضمن مكونات بعض الوجبات والحلويات.
ويعتبر المناخ الإسباني المشمس الدافئ مثاليا لنمو أشجار الزيتون والتي يتم استخراج زيت الزيتون منها، وتنتج إسبانيا أنواعًا جيدة من هذا الزيت، ويستخدم في الطبخ وفي الإضافة إلى أنواع السلاطة. ويؤكل الزيتون المحفوظ أحيانًا كفاتح شهية قبل الوجبات ويقدم في المطاعم مع الخبز وزيت الزيتون قبل تقديم الوجبة الرئيسية.
وتعتمد إسبانيا في مطبخها على المأكولات البحرية مستفيدة من أطول ساحل بحري بين دول أوروبا وأسطول بحري يجوب البحر المتوسط والمحيط الأطلسي وخليج البيسكاي للصيد على مدار الساعة. وتشتهر إسبانيا خصوصًا في المدن الساحلية بأكلات السمك الطازج الذي يؤكل مشويا أو مقليا مع الخبز والسلاطة. وتقدم المطاعم صيفا السردين مشويا على الفحم خصوصا في مدن إقليم الأندلس.
ويعتمد المطبخ الإسباني أيضًا على البقول مثل الحمص والفاصوليا البيضاء والعدس. وهي تستخدم في إعداد أطباق مختلفة من الشوربة أو البقول المطبوخة بالطماطم. وتضاف حبوب العدس إلى السلاطة أحيانا، كما تستخدم الفاصوليا الخضراء والبسلة في كثير من الأطباق من الباييا إلى أطباق الفرن.
وينتشر تناول اللحوم بأنواعها في مختلف أنحاء إسبانيا وهي تؤكل بعد إعدادها بالطرق التقليدية مثل التجفيف والتدخين والحفظ في شكل سجق بالثوم يسمى شوريتزو. ويدخل الدجاج في كثير من الوجبات التي تتكون من صلصة الطماطم والأرز أو البطاطس مع الدجاج. كما تشتهر إسبانيا بالعجة الإسبانية المصنوعة من البيض والبطاطس.
وتنتج إسبانيا كثيرًا من أنواع الجبن وهي تؤكل أحيانًا في وجبات خفيفة تسمى «تاباس» مع الخبز والزيتون وزيت الزيتون. ويفضل البعض تناول الجبن بعد الوجبات بدلاً من الحلوى أو الفواكه.
ويظهر تأثير الحقبة العربية في حكم الأندلس في التوابل التي ما زال الإسبان يستخدمونها في مطبخهم إلى اليوم، ومن أهم هذه التوابل الزعفران الذي يدخل لإكساب الأرز لونا ذهبيا ونكهة مميزة. ويستخدم الإسبان الشطة والثوم والبقدونس والفلفل والخل وعصير الليمون. وكل هذه التوابل تستخدم لتعزيز نكهة وطعم الوجبات وليس لإخفاء طبيعة طعمها، ومعظمها عربي الأصل.
ويبدأ اليوم في العادة بإفطار خفيف يتكون أحيانا من القهوة والشوروس، وهي شرائح مقلية تغمس في الشوكولاته. ولكن وجبة منتصف اليوم تتكون من ثلاثة أطباق وهي الوجبة الرئيسية في اليوم، وتبدأ في الثانية ظهرًا. ويتناول الإسبان وجبة العشاء في وقت متأخر لا يقل عن العاشرة مساء وهي وجبة كاملة تتكون من الأسماك وبعض الفاكهة. وبين الوجبات يشتهر الإسبان بتناول مزات خفيفة تسمى «تاباس».
وللإسبان وجباتهم السريعة أيضًا، ومنها الشوروس والعجة الإسبانية وساندويتشات اللحم، ولكن في السنوات الأخيرة انتشرت مطاعم الوجبات السريعة الأميركية. ولكن الوجبات السريعة لم تؤثر على انتشار المأكولات الإسبانية خصوصًا «التاباس».
من العادات الإسبانية الغريبة تناول 12 حبة من العنب في ليلة رأس السنة من أجل جلب الحظ في السنة الجديدة. ويتناول الإسبان وجبة دسمة في ليلة رأس السنة ويحتفلون حتى ساعات الصباح الأولى.

اختلاف المطبخ الإسباني باختلاف الأقاليم

> تبقى وجبات وعادات كل إقليم مختلفة عن الأقاليم الإسبانية الأخرى. وهذه لمحات عن المطبخ الإسباني في بعض المناطق الإسبانية:
< الأندلس: ينقسم المطبخ الأندلسي إلى قسمين: ريفي وساحلي، وكلاهما يعتمد على زيت الزيتون. والطبق الأندلسي الذي حقق شهرة واسعة هو طبق شوربة غازباتشو، وتتكون من شوربة طماطم يتم تناولها باردة. ويدخل الزيتون والجبن والخبز ضمن المقبلات. ويتناول أهل الأندلس كثيرًا من الأسماك المطهية بأساليب متنوعة.
< اراغون: وهي منطقة تقع عن سفوح جبال البيرانيس وتشتهر برعي الماشية، ولذلك فإن أهم أطباق مطبخ اراغون لحم الغنم المشوي الذي يقدم مملحًا بالفلفل والثوم. وتقدم الأسماك أيضًا مشوية بالزيت والثوم. وتنتج المنطقة أيضًا كثيرًا من اللحوم المحفوظة وأنواع الجبن وتدخل الخضراوات والفاكهة الطازجة التي تزرع محليًا ضمن التنوع الغذائي السائد في المنطقة.
< إقليم الباسك: ويعتمد مطبخ الباسك على اللحوم والأسماك، خصوصًا سمك الباكالاو المقلي في الزيت والثوم. وتلعب الطيور دورًا مهمًا في الوجبات، خصوصًا الإوز والدجاج. كما يعتمد مطبخ الباسك أيضًا على الحبوب بأنواعها وعلى الزيتون والتين.
< جزر الكناري: تختلف جزر الكناري عن إسبانيا في موقعها الجغرافي في المحيط الأطلسي وتجارتها التاريخية مع العالم الجديد التي جعلت منها بوتقة لمختلف أنواع الأغذية وأساليب الطبخ. وهي تعتمد على الأسماك بصفة رئيسية، كما تعد البطاطس من الأغذية السائدة في هذه الجزر. ويضم مطبخ الكناري كثيرًا من أنواع الجبن والخضراوات والفواكه. ويُسهِم موقع الجزر المداري في زراعة كثيرٍ من محاصيل المناطق الحارة مثل الموز والمانغو والأفوكادو، وجميعها تدخل ضمن النظام الغذائي المحلي. ويدخل ضمن مكونات المطبخ المحلي أيضًا صلصات من أصل برتغالي تسمى «موخو» تستخدم بنكهات مختلفة في الطبخ وتضاف إلى اللحوم. وهناك كثير من أنواع الحلويات المحلية التي لا توجد في أي منطقة أخرى في إسبانيا.



مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.


ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
TT

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد الرعي البدوية من جهة أخرى، لتبدو كمساحة يلتقي فيها طموح المستقبل مع جذور الماضي في تفاعل يومي مستمر.

أما ثقافة الطهي الأذربيجانية، فلا تزال ترتكز على عادات متوارثة ومكونات محلية أصيلة؛ مع انتشار اللحوم المشوية على الأسياخ، وأطباق الأرز الغنية بالتوابل، والخبز المسطّح المحشو بالأعشاب، إلى جانب التين والرمان، والزعفران. وقد تأثرت هذه الأطباق تاريخياً بطرق التجارة التي عبرت «طريق الحرير». ويعكس هذا التنوع شغفاً واضحاً لدى المزارعين والطهاة، ما برز خلال رحلة «أفضل 50 مطعماً» مع الشيف فيليم هيليه، صاحب المطعم الذي يحمل اسمه في أوستند البلجيكية، والمصنف في المرتبة 62 ضمن القائمة الموسعة لأفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2025، وذلك في أثناء تصوير فيلم وثائقي عن المشهد الطهوي في البلاد.

الشيف فيليم هيليه يتعرف على المطبخ الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

هذا الشغف، إلى جانب الإرث الطهوي العريق وتنوع النكهات، يشكّلان مصدر إلهام لافت، ولا سيما لدى الطهاة العالميين. وفي هذا السياق، يقول هيليه: «أذربيجان تجسّد الضيافة في أبهى صورها. ثمة قوة كامنة في أهلها، وطريقة فريدة في تواصل بعضهم مع بعض. إن ما تختزنه من تقاليد وحِرفية يستحق أن يكتشفه العالم».

ومن العاصمة باكو إلى قرية باسغال التاريخية، وصولاً إلى لانكاران في أقصى الجنوب، تبرز مجموعة من الأطباق، التي تختصر هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالنكهات، والعميق في أساليب الطهي البطيئة.

يدخل لحم الضأن في الكثير من الأطباق (أفضل 50 مطعما)

غوتاب

على طول أزقة «إتشري شهر» (المدينة القديمة في باكو)، تنتشر أكشاك تقدّم خبز الغوتاب الساخن المُحضّر في الحال. وتجري العملية بسرعة لافتة؛ إذ يُفرد العجين ويُحشى بالأعشاب المفرومة أو اليقطين أو الجبن أو اللحم، ثم يُطوى على هيئة نصف دائرة ويُخبز على صاج محدّب يُعرف بـ«الساج». ويقول هيليه، بينما كان يعجن داخل أحد الأكشاك: «من اللافت كم الوصفات، التي يمكن ابتكارها من مكونات بسيطة مثل الدقيق والملح والماء». ويضيف: «مذاقه يجمع بين الملوحة والطزاجة، والحموضة والحلاوة في وقت واحد». ويُفضَّل تناول الغوتاب ساخناً، إما مع قليل من الزبادي أو مرشوشاً بالسماق كوجبة خفيفة بين الوجبات.

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

حلوى باسغال

تُشبه هذه الحلوى لوح طاقة كثيفاً بلون أخضر لافت، وتُعد من الأطعمة التقليدية الراسخة في منطقة باسغال منذ قرون. تُحضَّر بصورة أساسية من القمح المُنبت، الذي يُحمَّص لنحو ثماني ساعات، قبل أن يُطحن إلى مسحوق ناعم. ثم تُضاف إليه حبات الجوز، إلى جانب الشمر والقرنفل والكركم المطحون، لتتكوّن عجينة غنية ومفتتة، تُربط بالعسل أو الدبس. ويؤكد السكان المحليون أن قطعة واحدة منها تكفي لإمداد الجسم بالطاقة طوال اليوم.

يأتي هذا الطبق بمثابة تمهيد للأطباق الدسمة، على المائدة الأذربيجانية التقليدية، ويُقدّم في مرق عظام خفيف. وتتكون دوشبارا من قطع صغيرة جداً من العجين المحشو بلحم الضأن، تشبه «الوانتون» أو «التورتيليني». ولا يتجاوز حجم القطعة فص ثوم، وتكفي ست أو سبع قطع لفتح الشهية.

دولما

أحد أشكال ورق العنب المحشي، وقد أدرجتها «اليونيسكو» ضمن التراث الثقافي غير المادي. ويعود اسمها إلى الكلمة الأذربيجانية «دولدورماك»، وتعني «محشو». تُحشى أوراق العنب أو شجر الزان أو الكرنب بلحم الضأن المفروم والأرز والأعشاب، ثم تُطهى ببطء حتى تنضج، مع اختلاف النكهات بحسب كل منطقة.

الشيف فيليم هيليه أثناء تصويره برنامجه في أذربيجان (أفضل 50 مطعما )

كباب

يُعد الكباب مألوفاً لدى كثيرين: أسياخ من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج تُشوى على الفحم. وفي أذربيجان، غالباً ما يُكتفى بالملح والفلفل، دون تتبيل إضافي. وعن ذلك، يقول هيليه: «الأمر يتعلق بنقاء نكهة اللحم»، مشيراً إلى سلالة خراف كاراباخ ذات الذيل الدهني المحلية. ويُلف اللحم في خبز «لافاش» الرقيق، لإبراز طعمه الطبيعي.

الشيف فيليم هيليه (أفضل 50 مطعما)

بلوف

ربما يعد هذا الطبق الأهم في أذربيجان. وتختلف أنواعه بحسب المناطق، لكن مكوناته الأساسية تشمل أرز «سادري» المطهو على البخار والمُعطر بالزعفران، مع طبقات من المشمش المجفف والخوخ والكستناء، ولحم الضأن أو البقر أو السمك المطهو ببطء. وفي بعض المناطق، يُلف الأرز بحواف من الخبز ليشكّل قشرة مقرمشة بعد الخَبز، بينما تُضاف في مناطق أخرى الزبادي والزبدة والبيض لتكوين طبقة تشبه البودينغ. في هذا السياق، يقول هيليه في أثناء تذوق «شاه بلوف»: «هناك توازن رائع بين حلاوة الزبيب وملوحة الأرز، إلى جانب نكهة العجين المحمص ـ إنه طعام الروح بحق».

أطباق مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

شكي بيتي

يُعد هذا الطبق المطهو ببطء من لحم الضأن، أحد أعمدة المطبخ الأذربيجاني. يُحضّر «شكي بيتي» في أوانٍ فخارية صغيرة أسطوانية، تُعرف باسم «دوبو»، حيث تُرص طبقات من اللحم والحمص والكستناء والخوخ، وتُغطى بالبصل المفروم ومرق الزعفران، ثم تُخبز في فرن حجري لمدة تصل إلى ست ساعات. ويُؤكل على مرحلتين: يُسكب المرق أولاً ويُؤكل مع الخبز، ثم يجري تناول بقية المكونات الطرية، أحياناً مع السماق. ويقول هيليه: «تكمن قوته في بساطته، إذ يمكنك تذوق جودة اللحم، ومع القليل من المكونات الإضافية تتحول بفضل الطهي البطيء إلى طبق رائع».

سمك مشوي على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

خبز التندير

نادراً ما تخلو مائدة في أذربيجان من الخبز. وقد أدرجت «اليونيسكو» خبز التندير ضمن التراث غير المادي. تُلصق أقراص العجين بجدران فرن طيني عميق، يُعرف باسم «تندير»، حيث تلتصق وتنتفخ قبل أن تُسحب قبل الاحتراق. والنتيجة خبز مقرمش من الخارج وطري من الداخل، يُؤكل مع كل شيء، من مختلف أنواع الجبن والمربى أو مع الكباب واليخنات. يُمزّق خبز التندر وهو ساخن، ويُستخدم لامتصاص المرق أو لف قطع اللحم الطرية.

لافانغي

يُعد هذا الطبق من أبرز أطباق جنوب أذربيجان، حيث يُحشى الدجاج أو السمك أو الباذنجان، بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم يُخبز ببطء في فرن «تندير» لعدة ساعات. يتميز الطبق بتنوع كبير في النكهات والقوام، من القشرة المدخنة والمكسرات المحمصة إلى الحشوة الحلوة الحامضة، ويبرز بشكل خاص عند تحضيره مع السمك. ويقول هيليه: «كانت النكهة غنية جداً، مع قشرة مقرمشة واضحة. والحشوة كانت مبتكرة في رأيي، بمزيج الجوز وحموضة البرقوق، ما منح الطبق حيوية مميزة».


الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟