نور سلطان نزار بايف يحلم بجعل آستانة «عاصمة السلام العالمي»

مؤسس كازاخستان الحديثة تخلى عن رابع ترسانة نووية عالميًا

نور سلطان نزار بايف يحلم بجعل آستانة «عاصمة السلام العالمي»
TT

نور سلطان نزار بايف يحلم بجعل آستانة «عاصمة السلام العالمي»

نور سلطان نزار بايف يحلم بجعل آستانة «عاصمة السلام العالمي»

قد لا يستوعب الإنسان البسيط في عصرنا الحالي، عصر القوة العسكرية والترسانات النووية، فكرة أن يتخلى زعيم ما عن ترسانة نووية تمتلكها بلاده، ويصبح الأمر أكثر إثارة عندما يدور الحديث عن 1400 رأس نووي. أما بالنسبة للرئيس الكازاخي نور سلطان نزار بايف، الذي ورثت بلاده عن الاتحاد السوفياتي ذلك العدد من الرؤوس النووية، ما يجعلها رابع أكبر قوة نووية عالميًا، فإن التخلي عن السلاح النووي كان قضية مبدأ. وفي الوقت ذاته كان قرارا اتخذه سياسي مخضرم، براغماتي، يدرك أن امتلاك قوة عسكرية تدميرية ليس شرطًا لبناء دولة قوية. بل على العكس قد يتحول إلى سبب رئيسي لعرقلة النمو الاقتصادي والتطور العلمي والتقني في المجتمع، وسيفرض على النخب الحاكمة قوالب محددة في السياسة الخارجية، ويجعل البلاد أسيرة تنافس وربما سباق تسلح وقد يجرها لنزاعات، ويجعلها هدفا لمؤامرات خارجية، بغية إضعافها وزعزعة استقرارها الداخلي.
في كل خطواته كان نور سلطان نزار بايف، رئيس جمهورية كازاخستان في آسيا الوسطى، ينطلق من إدراكه لحقيقة أنه يبني لأول مرة في التاريخ الحديث دولة للكازاخيين، لهذا يطلق عليه كثيرون لقب «باني الدولة الكازاخية»، بينما يطلق عليه رسميا لقب «زعيم الأمة».
لقد اجتاز نزار بايف طريقا طويلة نحو موقعه الحالية، وكانت البداية من قرية تشيمولغان، في مقاطعة ألما آتا السوفياتية، حيث وُلد نزار بايف في السادس من يوليو (تموز) عام 1940 في عائلة لأبوين فلاحين. ومنذ طفولته برز عنده حس المسؤولية، ونظرًا لأنه عايش مع إخوته سنوات المجاعة إبان الحرب العالمية الثانية، قرّر الفتى نور سلطان بعد انتهاء المرحلة المدرسية التوجه للعمل في مجال التعدين، فجرى إيفاده للدراسة في معهد تقني بجمهورية أوكرانيا (السوفياتية أيضًا يومذاك). وبعدما حصل عام 1960 على دبلوم اختصاصي تعدين، بدأ العمل في مجال اختصاصه، وكان يرسل كل شهر نصف راتبه ليساعد والده في إعالة إخوته. ونظرا لتميزه في عمله أوفد بعد ذلك ليكمل تحصيله العملي في معهد هندسة التعدين، وتخرج بعد ثلاث سنوات ليصبح مهندسا متخصصا في صناعة التعدين.
دخل نزار بايف من موقعه المهني إلى المعترك السياسي حين تم تعيينه لأول مرة عام 1972 سكرتيرا للجنة الحزبية (الحزب الشيوعي) في المصنع. وكان مخلصا لعمله، ودودا ولطيفا مع محيطه وأصدقاء العمل، وهي الصفات التي ساعدته في صعود سلم السياسة بسرعة. وفي العام 1976 عيّن سكرتيرًا للجنة المركزية للحزب الشيوعي في جمهورية كازاخستان السوفياتية. ومنذ عام 1948 ولغاية عام 1989 شغل منصب رئيس مجلس وزراء كازاخستان السوفياتية. ومن ثم شغل الموقع السياسي الأهم على مستوى الجمهورية حينها، عندما شغل أيضًا لغاية عام 1991 منصب السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي في جمهورية كازاخستان، وعضوا في اللجنة المركزية للحزب.

قيادي «سوفياتي» بارز
خلال الفترة التي صعد فيها نزار بايف كشخصية قيادية على مستوى الحزب الشيوعي السوفياتي، وبينما كان يشغل عضوية اللجنة المركزية وعضوا في مجلس السوفيات الأعلى، شهدت البلاد تحولات جذرية، في ظل سياسة «البيريسترويكا» (إعادة البناء) التي أطلقها آخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشوف. ولم تكن كازاخستان بمعزل عن تلك التحولات، حين شهدت البلاد اضطرابات محدودة، وحركات احتجاجية اشتكى الناس خلالها من تحكم المركز (موسكو حيث مقر السلطة السوفياتية) بكل الأمور.
وهنا أيد نزار بايف المحتجين بصورة كبيرة، الأمر الذي انعكس لاحقا على تأييد واسع له في تولي رئاسة البلاد. مع هذا، لم يكن نزار بايف من دعاة تفكيك الاتحاد السوفياتي، بل مع تحويل الاتحاد السوفياتي إلى دولة كونفدرالية. ولذا شارك منذ عام 1991 بمحادثات كانت تجري في مقر الرئاسة في موسكو حول توقيع اتفاقية اتحادية جديدة، وكان دوما مع الحفاظ على الاتحاد السوفياتي لكن ضمن اتفاقية تنظم العلاقات بين المركز والعواصم وفق أسس جديدة.
وأثناء توقيع الرئيس الروسي بوريس يلتسين والسوفياتي ميخائيل غورباتشوف الاتفاقية الاتحادية الجديدة صيف عام 1991، تم الاتفاق على تعيين نزار بايف رئيسا لحكومة «اتحاد الجمهوريات المستقلة»، أي الإطار الجامع البديل عن الاتحاد السوفياتي. إلا أن محاولة الانقلاب التي وقعت في أغسطس (آب) عام 1991 حالت دون المضي في تطبيق تلك الاتفاقية الاتحادية. وعندها شق نزار بايف طريقه نحو تأسيس جمهورية كازاخستان المستقلة ورئاستها. وفي نهاية أغسطس ذاته أعلن عن انسحابه من الحزب الشيوعي السوفياتي.
أول رئيس استقلالي
وفي الأول من ديسمبر (كانون الأول) عام 1991 شهدت كازاخستان السوفياتية أول انتخابات رئاسية عامة، حصل فيها نزار بايف على 98.7 في المائة من أصوات الناخبين. وبعد أسبوعين على فوزه بالرئاسة أقرّ المجلس الأعلى لجمهورية كازاخستان السوفياتية قانون الاستقلال، وتغيير اسم الدولة إلى «جمهورية كازاخستان»، أما نزار بايف فأصبح لقبه «رئيس جمهورية كازاخستان».
منذ اللحظات الأولى لتوليه الرئاسة وقف نور سلطان نزار بايف أمام مسؤوليات تاريخية، فهو أول رئيس للجمهورية الأولى في التاريخ التي تحمل اسم جمهورية كازاخستان المستقلة، وتسلم الرئاسة في مرحلة مليئة بالتعقيدات الناجمة عن الانفصال عن المركزي الاقتصادي والسياسي، كما لم تكن مؤسسات الدولة حينها خارج حالة الفلتان وسوء الإدارة السائدين في الجمهوريات التي انفصلت للتو عن الاتحاد السوفياتي.
وكانت مسؤوليات الرئيس الكازاخي تمتد على رقعة دولة كبيرة تمتد جغرافيًا بين آسيا وأوروبا، وتحتل المرتبة التاسعة عالميا بمساحتها (مليونان و724.9 ألف كيلومتر مربع) مع مستوى متدن جدا للكثافة السكانية. إذ يبلغ عدد سكان كازاخستان قرابة 18 مليون نسمة، غالبيتهم من المسلمين (70.19 في المائة من مجموعة السكان) و26.21 في المائة من أتباع الديانة المسيحية، فضلا عن نسب ضئيلة من البوذيين وديانات أخرى. هذا كله في كازاخستان التي تقع في الوسط بين العملاقين الدوليين روسيا والصين، وتحدها الأولى من الشمال والغرب، بينما تحدها الصين من الشرق، ومن الجنوب جمهوريات آسيا الوسطى.

داخليا يُسجل للرئيس نزار بايف في السنوات الأولى من حكمه الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وإبعاد شبح العداء القومي عن البلاد. ومن المعروف أن نسبة كبيرة من المواطنين من أصول روسية وأوكرانية وكورية وألمانية يعيشون في كازاخستان. حينها كانت تلك الأقليات تتعرض للضغط في بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وشهدت تلك المرحلة هجرة واسعة للمواطنين الروس على سبيل المثال من عدد من الجمهوريات باتجاه روسيا. إلا أن الوضع في كازاخستان كان مغايرًا، وأظهر نزار بايف في سياسته الداخلية حرصا على مفهوم «وحدة الأمة». وأصر على أن الجميع بغض النظر عن الأصل القومي أو العقيدة الدينية، هم مواطنون يخضعون لقانون واحد هو دستور جمهورية كازاخستان. وحتى اليوم تبقى كازاخستان صورة حضارية للتعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد. أما اقتصاديا فواجهت كازاخستان صعوبات جمة بعد الاستقلال نظرًا لتفكك المؤسسة الاقتصادية السوفياتية، وكان على كل دولة مستقلة حديثا بناء اقتصادها وعلاقاتها الاقتصادية مع دول العالم من الصفر.

عدة محاور
لمواجهة هذا التحدي ركز نزار بايف العمل على محاور رئيسية عدة منها تطوير الصناعات الوطنية، وتهيئة الشروط القانونية لنمو القطاع التجاري الخاص (البيزنس)، وخلق ظروف في البلاد لجذب الاستثمارات الخارجية، فضلا عن الحفاظ على أكبر قدر من التبادل التجاري مع دول الجوار. وعلى الرغم من كل الصعوبات، بدأت كازاخستان تحصد نتائج تلك السياسة، وعلى سبيل المثال كانت نسبة الموطنين بدخل دون المستوى المعيشي قد بلغت 34.6 في المائة في كازاخستان عام 1996، وخلال أربع سنوات، أي بحلول عام 2010 تراجعت نسبة هؤلاء حتى 6.5 في المائة، ما يعني انخفاض الفقر بخمس مرات. أما بالنسبة للاستثمارات الخارجية فقد ارتفعت من 4 مليارات دولار تقريبا في عام 2001 وبلغت نحو 18 مليار عام 2010، وفي عام 2010 حقق الناتج الإجمالي المحلي في كازاخستان نموًا قدره 7 في المائة مقابل 1.2 في المائة عام 2009. وتشير إحصائيات رسمية إلى ارتفاع دخل المواطنين بنحو خمس مرات خلال السنوات الأخيرة، كما تتوفر فرص العمل في السوق، ولهذا فإن كازاخستان في عهد نزار بايف تبقى الجمهورية الوحيدة من جمهوريات آسيا الوسطى التي لا يضطر شبابها للهجرة نحو روسيا أو الصين أو أوروبا بحثا عن فرصة عمل.

السياسة الخارجية
وفي السياسة الخارجية كان نزار بايف يدرك أهمية التكامل الاقتصادي مع دول الجوار، فأطلق مبادرة تشكيل اتحاد جمهوريات آسيا الوسطى، وتم تأسيس ذلك الاتحاد، كما أنه صاحب مبادرة تأسيس «منتدى التفاعل وتدابير الثقة في آسيا». وكان هو من اقترح تشكيل «الجمهورية الأوراسية (الأوروبية الآسيوية) الاتحادية الذي تطور لاحقا وأخذ شكل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي يضم روسيا وبيلاروس (روسيا البيضاء) وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، وله الكثير غيرها من المبادرات التي ترمي إلى التكامل الإقليمي وإعادة بناء علاقات متينة مع الجمهوريات السوفياتية سابقًا.
كذلك اعتمد نزار بايف نهج الانفتاح على جميع أطراف المجتمع الدولي. وعلى الرغم من علاقاته المميزة مع روسيا، فلقد تجنب سياسة الأحلاف، وتبنى موقفا حياديا في النزاعات الدولية، وحصل على الاحترام الدولي ما جعل كازاخستان تحظى بشرف رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لعام 2010، ورئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي لعام 2011.
وحاليًا تربط كازاخستان علاقات طيبة جدًا مع كل دول العالم، وفي مقدمتها القوى الكبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
العنوان العريض لسياسته الخارجية صاغه نزار بايف عندما أتخذ قراره بالتخلي عن رابع ترسانة نووية عالميا، ورثتها بلاده عن الاتحاد السوفياتي، إلا أنه لم يقدم على تلك الخطوة قبل أن يحصل على ضمانات أمن بلاده من القوى الكبرى، عبر مفاوضات معقدة تُوجت عام 1994 بتوقيع كل من كازاخستان وروسيا وبريطانيا والولايات المتحدة مذكرة «حول ضمانات الأمن على ضوء انضمام كازاخستان لمعاهدة عدم الانتشار النووي»، ولاحقا انضمت كل من فرنسا والصين إلى مذكرة الضمانات الأمنية تلك.
وفي العام ذاته سلمت كازاخستان للولايات المتحدة يورانيوم معد لتصنيع 24 قنبلة نووية، وفي عام 1995 سلمت لروسيا كل الأسلحة النووية التي كانت على الأراضي الكازاخية. وفي عام 2008 تم ترشيح نور سلطان نزار بايف لجائزة نوبل لقاء مساهمته في عدم الانتشار النووي.

قره باغ وسوريا
وخلال السنوات الأخيرة يحاول نور سلطان نزار بايف أن يمنح كازاخستان موقع الدولة التي تساهم في صنع السلام. وبعد استقباله مفاوضات حول النزاع في إقليم قره باغ، ومن ثم حول النزاع في أوكرانيا، فإنه أعرب مؤخرا عن استعداده للتعاون مع مبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واستضافة مفاوضات بين النظام والمعارضة لتسوية الأزمة السورية. ولقد ساهم موقفه هذا بتحقيق شهرة غير مسبوقة لمدينة آستانة، العاصمة التي قرر نزار بايف تشييدها في منطقة شبه صحراوية بشمال البلاد، لتكون العاصمة الحديثة لكازاخستان. وخلال ست سنوات تقريبا تم إنجاز ذلك المشروع الضخم، وتحوّلت المدينة الصغيرة إلى مدينة عملاقة، شيدت وفق مخططات عصرية، تتناسب مع الثقافة وبنية المجتمع الكازاخيين. ولم تقتصر مشاركة نزار بايف على إطلاقه مبادرة بناء العاصمة الجديدة، بل وزاد الأمر عن ذلك حيث لعبت أفكاره دورا رئيسيا في التصميم الهندسي للمدينة، التي تجمع اليوم بين حداثة الغرب وتقاليد الشرق، ويأمل الرئيس الكازاخي اليوم بأن يجعل منها مصنعًا للسلام العالمي، بعدما رسخها كمركز للسلم الأهلي والتقدم العلمي والتقني في بلاده.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.