«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

وسط همومها السياسية محليًا وإقليميًا

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا
TT

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

جاءت بداية عام 2017 في تركيا ساخنة وثقيلة، وهي تنبئ بأنه لن يكون أقل من سابقه، من حيث وطأة الإرهاب الذي حوّل عام 2016 إلى واحد من أسوأ الأعوام في تركيا وغيرها، من حيث العمليات الإرهابية وتعددها وتنوع أساليبها وتأثيرها الموجع على مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها السياحة والاستثمار.
5 أيام فقط من العام شهدت هجومين إرهابيين يؤكدان أن تركيا دخلت دوامة الإرهاب، وأنها تخوض حربًا حقيقية على الجبهة الداخلية، فضلاً عن حربها على الجبهة الخارجية منذ دخولها سوريا في 24 أغسطس (آب) 2016، عبر عملية «درع الفرات» التي تستهدف «داعش» والميليشيات الكردية الانفصالية في سوريا معًا، لمنعهم من الاقتراب من حدودها الجنوبية.
كان المئات يحتفلون في أجواء من المرح والسعادة باستقبال العام الجديد في مطعم ونادي «رينا» الليلي الفخم، في منطقة أورتاكوي بمدينة إسطنبول، كبرى مدن تركيا وعاصمتها الاقتصادية، الذي يعد ملتقى الصفوة في تركيا. وبعد منتصف الليل بـ75 دقيقة فقط، كان الموت يدق الأبواب.
فجأة انشقت الأرض عن قاتل محترف داعشي عالي التدريب - بحسب ما وصفته سلطات التحقيق التركية - يفتح نيرانه على الساهرين لاستقبال العام الجديد، فيوقع 39 قتيلاً و65 مصابًا، غالبيتهم من العرب والأجانب. وقد أعلن تنظيم داعش الإرهابي المسؤولية عن هذا الحادث.
وبعد 4 أيام فقط، ووسط استمرار التحقيقات المعقّدة في الهجوم الإرهابي المسلح على نادي «رينا»، استقبلت تركيا ضربة إرهابية جديدة في مدينة إزمير. وحددت سلطات التحقيق في هجوم «رينا» هوية المنفذ بعد طول ارتباك، وتقديم أكثر من صورة لمنفذين محتملين، إذ قال نائب رئيس الوزراء ويسي كايناك، الخميس، إنه من الأويغور، وهي أقلية من أصول تركية تشكل نسبة عالية من سكان إقليم سنكيانغ - أو تركستان الشرقية - في الصين، وأنه «على الأرجح» أيضًا لا يزال في إسطنبول، وهناك من ساعده داخل تركيا.

عملية إزمير
أما في مدينة إزمير (غرب تركيا)، فوقع هجوم بأسلوب مختلف، من خلال استخدام السيارات المفخخة والقنابل وبنادق الكلاشينكوف الرشاشة، إلا أن تدخل قوات الأمن في الوقت المناسب حال دون وقوع مجزرة ثانية، ليسقط قتيلان، أحدهما شرطي، وآخران من الإرهابيين، ويهرب ثالث، وتكون الحصيلة 7 مصابين.
وهنا أعلن كايناك أن هجومًا أكبر كان يجري التخطيط له فيما يبدو، استنادًا إلى كمية الأسلحة التي عثر عليها في موقع تفجير السيارة المفخخة في إزمير، التي لم تكن الوحيدة إذ فجّر الخبراء سيارة أخرى كانت معدة للتفجير. وقال مسؤولون إن من يشتبه بأنهم مسلحون أكراد انفصاليون اشتبكوا مع الشرطة التركية، الخميس، وفجّروا سيارة مفخخة بعد توقيف مركبتهم في نقطة للتفتيش، مما أدى إلى مقتل شرطي وموظف في محكمة.
ولقد سلّط الانفجار وتبادل إطلاق النار خارج المحكمة الرئيسية في إزمير - ثالث أكبر مدينة تركية - الضوء على الأوضاع الأمنية المتدهورة في البلاد بعد 5 أيام من هجوم إسطنبول، بينما أوضح إيرول آي يلديز، والي المدينة، أن الأسلحة التي ضبطها شملت بنادق كلاشينكوف وقنابل يدوية وقذائف صاروخية، لافتًا إلى أن النتائج الأولية تشير إلى تورط حزب العمال الكردستاني.
هذا وذكر مصدر بالشرطة أنه تجري ملاحقة إرهابي ثالث بعد مقتل اثنين في الاشتباكات، كما اعتقل لاحقًا شخصان يعتقد أنهما باعا السيارة التي استخدمت في الهجوم للمهاجمين، وأضاف أن قوات الأمن فجّرت سيارة مفخخة ثانية اشتبهت الشرطة في أن المهاجمين خططوا للهروب فيها.

تحقيقات معقّدة
من خلال تحقيقات شديدة التعقيد والسرّية أيضًا، يظهر أن السلطات التركية حددت بدرجة كبيرة هوية منفذ هجوم رأس السنة على مطعم ونادي «رينا» في إسطنبول. وكما سبقت الإشارة، قال نائب رئيس الوزراء كايناك إن المسلح «الهارب حتى الآن» من أقلية الأويغور المسلمة في تركستان الشرقية (سنكيانغ بغرب الصين) «على الأرجح»، وأن أجهزة الأمن التركية حددت «مكان اختبائه المحتمل في إسطنبول»، في حين تتابع ظهور مقاطع فيديو رصدت تحرّكاته من كونيًا إلى إسطنبول، وأماكن وجوده قبل وبعد تنفيذ هجومه المسلح. وذهب نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش إلى أنه تلقى مساعدة من داخل المطعم، في الوقت الذي عبر فيه كثير من المواطنين الأتراك عن اعتقادهم في ضلوع أميركي في الهجوم.
وقال كايناك إن منفذ الهجوم تلقى تدريبًا خاصًا، وأنه عضو في خلية.
وحسب المعلومات المتوافرة، «نفذ الهجوم منفردًا»، خلافًا لما ذكره بعض الناجين من أن هناك أكثر من شخص شاركوا في الهجوم. وأضاف أنه رغم عدم استبعاد احتمال هروبه خارج البلاد، فإن الأرجح أن تؤدي العمليات الأمنية داخل تركيا إلى الوصول إليه.
وبالفعل، تم تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود التركية مع اليونان وبلغاريا، وعلى حدود تركيا المختلفة، وفي الموانئ والمطارات، ويجري تفتيش السيارات والأشخاص الذين يغادرون الأراضي التركية.
كذلك عُلّقت صور للمهاجم على المركز الحدودي في كابي كولي، في إدرنة القريبة من إسطنبول، على الحدود البلغارية، حيث يقوم عناصر أمن بالتدقيق في جوازات السفر.
وينفي هذا ما تردّد من أنباء عن هروب الإرهابي منفّذ الهجوم إلى مدينة الرقّة، معقل «داعش» في شمال سوريا. وكان أحد مسؤولي صفحة «الرقّة تذبح بصمت» المعنية بأخبار المدينة السورية التي جعلها التنظيم الإرهابي عاصمة له، ورصد الانتهاكات من قبل عناصر «داعش» في المدينة، قد أكد أن هناك أنباء عن احتفال عناصر من «داعش» بإطلاق الرصاص ابتهاجًا بوصول منفذ الهجوم إلى الرقّة.
وحسب كايناك، «هوية الإرهابي حددتها قوات الأمن، كما تم تحديد أماكن وجوده المحتملة، وكشفت صلاته أيضًا خلال التحقيقات».

«الإرهابي الشبح»
على صعيد آخر، نفذت الشرطة التركية عملية مداهمة في حي سليم باشا، على أطراف إسطنبول، فجّر الخميس، اعتقلت خلالها عددًا من المشتبه بأنهم على صلة بالهجوم. وداهمت شرطة مكافحة الإرهاب مصحوبة بقوات من الدرك وقوات خاصة مجمعًا سكنيًا في بلدة سليم باشا الساحلية، الواقعة غرب المدينة، بعد تلقي معلومة عن وجود أفراد بداخله ربما ساعدوا منفذ هجوم «رينا».
هذا وذكرت وسائل الإعلام أن أويغوريين من بين المعتقلين، لكن لم يتضح عدد الأشخاص الذين أمكن اعتقالهم منذ وقوع الهجوم، لكن العدد يرجح أن يكون 36 شخصًا على الأقل يعتقد أنهم - أو بعضهم - على صلة مع منفذه. ولقد نفذت قوات الأمن التركية على مدى 4 أيام حملات في مدن قونية وإزمير وإسطنبول لضبط من يشك بأن لهم صلة بالمنفذ الذي لا يزال هاربًا وكأنه شبح. وتعتقد السلطات التركية أن هذا الإرهابي «الشبح» الذي نشرت له فيديوهات وصور كثيرة ترصد تحركاته، قبل الهجوم وبعده، قد تلقى مساعدة من آخرين، مع أنه نفذ جريمته منفردًا. وهو ما أكده أيضًا كورتولموش، قائلاً إن منفذ الهجوم ربما كان له شركاء آخرين داخل الملهى.
وأردف كورتولموش إن «هذا الاستنتاج نابع من عدم إقدام الإرهابي الذي نفذ الهجوم بحرفية عالية، على الانتحار في مكان الجريمة».
في المقابل، لا يستبعد المحققون تورّط شخص آخر في الهجوم، بعد تحليل الفيديوهات التي سجلتها كاميرات النادي والكاميرات المجاورة له. وفي حين ذكر نائب رئيس الوزراء أن مرتكب مذبحة إسطنبول يعتقد أنه جاء إلى تركيا من جمهورية قيرغيزستان، فإن التحقيقات لا تزال تدرس خيارات أخرى، من بينها أنه ربما جاء من سوريا.
إذ كشفت التحقيقات أن المنفذ جاء إلى تركيا برفقة زوجته وطفليه في 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثم ذهب إلى مدينة قونية (في هضبة الأناضول) لمقابلة أحد عناصر «داعش»، ويدعى «الشيخ يوسف» (يوسف هوجا). واستندت السلطات إلى فيديو تم التقاطه لمنفذ العملية ومعه الشيخ الداعشي في أثناء استقلالهما الحافلة المتجهة من قونية إلى إسطنبول، لكنهما كانا يسيران بشكل منفصل وكأنها لا يعرف أحدهما الآخر. ثم بعد ذلك استقل تاكسي، واستخدم هاتف صاحبه في الاتصال، وأخبر سائق التاكسي بأنه سيدفع له بمجرد وصوله إلى المكان، لكنه نزل واستقل سيارة أخرى للوصول إلى منطقة زيتين بورنو، ثم اختفى عن الأنظار. وترجح السلطات أن يكون الرجل الذي رافق منفذ العملية قد ساعده في تنفيذ الهجوم الإرهابي، وتأمين عملية هروبه من المكان، وهو ما قد يفسّر حرص منفذ الهجوم على إخفاء ملامح وجهه بطريقة جيدة، وعدم وجود صور واضحة له على أجهزة كاميرات المراقبة.

ألاعيب «داعش»
على صعيد آخر، مارس تنظيم «داعش» كثيرًا من الألاعيب لتضليل سلطات التحقيق منذ اللحظات الأولى لهجوم إسطنبول، إذ كذّبت السلطات التركية الشائعات التي تحدثت عن وصول منفذ الهجوم إلى مدينة الرقّة السورية، أو إمكانية هروبه خارج الحدود التركية، مؤكدة أن تنظيم داعش يحاول الترويج لهذه الشائعات حول مكان اختباء منفذي العملية «لتضليل الجهات الأمنية، وصرف الأنظار عن المنفذين الحقيقيين، وأماكن وجودهم». وكشفت التحقيقات عن كثير من محاولات التضليل التي قام بها التنظيم الإرهابي لإرباك جهات التحقيق، مثل الزعم بأن العملية استغرق تنفيذها 7 دقائق، وهي المدة التي دخل وخرج فيها المواطن الكازاخستاني الذي نشرت صورته من قبل على أنه منفذ الهجوم، ثم نشر جواز سفر مواطن من قيرغيزستان تم التحقيق معه في إسطنبول قبل سفره إلى بلاده على أنه المنفذ أيضًا.

اتهامات لأميركا
على صعيد آخر، كشفت سلطات التحقيق عن أن منفذ الهجوم استعمل قنبلة صوتية أميركية الصنع لإصابة رواد المطعم بحالة من عدم التركيز، بسبب صوتها واحتوائها في الوقت نفسه على غاز يصيب بالدوار وعدم التركيز، وعرضت لقطات للقنبلة، وتبين أنه تم طمس الرقم المسلسل لها.
وأثار الكشف عن هذه القنبلة ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا، حيث اعتبر كثيرون أن أميركا «ضالعة في الهجوم» بسبب وجود هذه القنبلة التي يندر استخدامها خارج الجيش الأميركي. ونشرت صحيفة «يني عقد» القريبة من الحكومة التركية، الأربعاء، على موقعها الإلكتروني، وكذلك على «تويتر» صورتين مركّبتين تتعلقان بالرئيس الأميركي باراك أوباما. الصورة اليمنى للإرهابي الذي هاجم مطعم «رينا» بعد استبدال وجهه بوجه الرئيس أوباما، واليسرى عبارة عن صورة عادية لأوباما. وعلى الفور انتشرت الصورة المركّبة في الإنترنت كالنيران في الهشيم. وللعلم، يوجد أكثر من مائة ألف مشترك في حساب الصحيفة على موقع «تويتر»، ويعتبر موقعها في الإنترنت من أكثر المواقع التركية زيارة في الشبكة العالمية. وقد ترافقت التغريدات مع تعليقات ساخرة ولاذعة، مثل: «هذه أوضح صورة للقاتل».
والعبارة نفسها وردت في العنوان الرئيسي للمادة التي نشرتها الصحيفة. وتتكون هذه المادة من فقرة واحدة: «في الشبكات الاجتماعية تنتشر آراء تؤكد أن الولايات المتحدة تقف وراء الهجوم الإرهابي في نادي رينا».

مسلسل الإرهاب
* مرّت تركيا في عام 2016 بواحد من أكثر أعوامها دموية، حيث تصاعدت الهجمات الإرهابية وضربت قلب المدن الكبرى ومواقع استراتيجية وسياحية في قلب العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول.
وكانت في مجملها هجمات انتحارية، وباستخدام سيارات مفخخة، وغالبيتها استهدف الشرطة إلى جانب المدنيين، وتوزّعت المسؤولية عنها ما بين تنظيم داعش الإرهابي وحزب العمال الكردستاني ومنظمة صقور حرية كردستان، القريبة منه.
كثير من الهجمات الإرهابية ضربت أنحاء مختلفة في تركيا، أبرزها هجوم السلطان أحمد في الثاني عشر من يناير (كانون الثاني) الذي افتتح به سجل العمليات الإرهابية في 2016، حين استهدف هجوم انتحاري في منطقة ديكيلتاش في ميدان السلطان أحمد بإسطنبول مجموعة من السياح، مخلفًا 10 قتلى و15 مصابًا، غالبيتهم من الألمان. وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن هذا الهجوم.
وفي السابع عشر من فبراير (شباط)، وقع هجوم بسيارة مفخخة في أثناء مرور سيارة عسكرية بالقرب من مقر قيادة القوات الجوية في منطقة كيزلاي، بوسط العاصمة أنقرة، مما أسفر عن مقتل 29 شخصًا وإصابة 61 آخرين، غالبيتهم من العسكريين، وتبنّت جماعة صقور حرية كردستان الهجوم.
ووقع هجوم ثان في أنقرة، في الثالث عشر من مارس (آذار)، في استهداف آخر للعاصمة السياسية للبلاد، حيث وقع هجوم انتحاري بالقرب من ميدان كيزيلاي، مما أدى إلى مقتل 37 شخصًا وإصابة 125 آخرين، وتبنته أيضًا حركة صقور حرية كردستان التي أعلنت مسؤوليتها عن هذا الهجوم أيضًا.
وسبق هذا الهجوم الإرهابي هجوم وقع في التاسع عشر من مارس استهدف السياح مرة أخرى بهجوم انتحاري وقع في شارع الاستقلال بميدان تقسيم، قلب إسطنبول السياحي، وتبنى «داعش» الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص، منهم إيرانيان وإسرائيلي وإصابة 36 آخرين.
وفي 27 أبريل (نيسان)، أقدم انتحاري على تفجير نفسه بالقرب من جامع أولو الشهير بمدينة بورصة، ليُسقط 13 مصابًا دون تسجيل قتلى، وتبناه تنظيم صقور حرية كردستان.
وفي الأول من مايو (أيار)، قتل 3 من عناصر الشرطة وأصيب 22 آخرون، في هجوم انتحاري شنّه تنظيم داعش الإرهابي بالقرب من مديرية أمن غازي عنتاب (جنوب تركيا، قرب الحدود السورية).
وفي 7 يونيو (حزيران)، استهدف هجوم إرهابي سيارة تابعة للشرطة في منطقة فزناجيلار في إسطنبول بالقرب من محطة للحافلات العامة، خلف 11 قتيلاً، من بينهم 7 من عناصر الشرطة و36 مصابًا.
وفي 8 يونيو، استهدفت سيارة مفخخة مديرية الأمن في بلدة مديات، التابعة لمحافظة ماردين (جنوب تركيا)، قتل فيه شرطي ومدنيان وأصيب 30 آخرون على الأقل، ونسبته السلطات إلى العمال الكردستاني.
وفي مساء 28 يونيو، وقع هجوم انتحاري ثلاثي في صالة الخطوط الدولية بمطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، أعقبه إطلاق نار على المسافرين المنتظرين، مما تسبب في مقتل 47 شخصًا وإصابة 237 آخرين، ونسب إلى تنظيم داعش الإرهابي.
وفي 21 أغسطس، شهدت مدينة غازي عنتاب هجومًا انتحاريًا استهدف حفل زفاف في أحد الشوارع بالمدينة الجنوبية شبه الحدودية، مما أسفر عن مقتل 56 شخصًا وإصابة 91 آخرين، ونفذه تنظيم داعش.
وقبل أن يلملم العام أوراقه الأخيرة وقع في 10 ديسمبر (كانون الأول) الحالي هجومان، أحدهما بسيارة مفخخة والآخر نفذه انتحاري بالقرب من استاد «فودافون أرينا» لكرة القدم، بمنطقة بشيكتاش في مدينة إسطنبول، استهدفا قوات مكافحة الشغب، وأسفرا عن مقتل 44 شخصًا، 37 من قوات شرطة مكافحة الشغب و7 مدنيين، وإصابة 149 آخرين.
ثم كان هجوم مطعم «رينا» في إسطنبول الذي شكل حلقة الوصل بين عام منتهٍ بأحداثه الإرهابية المتتابعة وبداية عام جديد أكثر سخونة على ما يبدو.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.