«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

وسط همومها السياسية محليًا وإقليميًا

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا
TT

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

جاءت بداية عام 2017 في تركيا ساخنة وثقيلة، وهي تنبئ بأنه لن يكون أقل من سابقه، من حيث وطأة الإرهاب الذي حوّل عام 2016 إلى واحد من أسوأ الأعوام في تركيا وغيرها، من حيث العمليات الإرهابية وتعددها وتنوع أساليبها وتأثيرها الموجع على مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها السياحة والاستثمار.
5 أيام فقط من العام شهدت هجومين إرهابيين يؤكدان أن تركيا دخلت دوامة الإرهاب، وأنها تخوض حربًا حقيقية على الجبهة الداخلية، فضلاً عن حربها على الجبهة الخارجية منذ دخولها سوريا في 24 أغسطس (آب) 2016، عبر عملية «درع الفرات» التي تستهدف «داعش» والميليشيات الكردية الانفصالية في سوريا معًا، لمنعهم من الاقتراب من حدودها الجنوبية.
كان المئات يحتفلون في أجواء من المرح والسعادة باستقبال العام الجديد في مطعم ونادي «رينا» الليلي الفخم، في منطقة أورتاكوي بمدينة إسطنبول، كبرى مدن تركيا وعاصمتها الاقتصادية، الذي يعد ملتقى الصفوة في تركيا. وبعد منتصف الليل بـ75 دقيقة فقط، كان الموت يدق الأبواب.
فجأة انشقت الأرض عن قاتل محترف داعشي عالي التدريب - بحسب ما وصفته سلطات التحقيق التركية - يفتح نيرانه على الساهرين لاستقبال العام الجديد، فيوقع 39 قتيلاً و65 مصابًا، غالبيتهم من العرب والأجانب. وقد أعلن تنظيم داعش الإرهابي المسؤولية عن هذا الحادث.
وبعد 4 أيام فقط، ووسط استمرار التحقيقات المعقّدة في الهجوم الإرهابي المسلح على نادي «رينا»، استقبلت تركيا ضربة إرهابية جديدة في مدينة إزمير. وحددت سلطات التحقيق في هجوم «رينا» هوية المنفذ بعد طول ارتباك، وتقديم أكثر من صورة لمنفذين محتملين، إذ قال نائب رئيس الوزراء ويسي كايناك، الخميس، إنه من الأويغور، وهي أقلية من أصول تركية تشكل نسبة عالية من سكان إقليم سنكيانغ - أو تركستان الشرقية - في الصين، وأنه «على الأرجح» أيضًا لا يزال في إسطنبول، وهناك من ساعده داخل تركيا.

عملية إزمير
أما في مدينة إزمير (غرب تركيا)، فوقع هجوم بأسلوب مختلف، من خلال استخدام السيارات المفخخة والقنابل وبنادق الكلاشينكوف الرشاشة، إلا أن تدخل قوات الأمن في الوقت المناسب حال دون وقوع مجزرة ثانية، ليسقط قتيلان، أحدهما شرطي، وآخران من الإرهابيين، ويهرب ثالث، وتكون الحصيلة 7 مصابين.
وهنا أعلن كايناك أن هجومًا أكبر كان يجري التخطيط له فيما يبدو، استنادًا إلى كمية الأسلحة التي عثر عليها في موقع تفجير السيارة المفخخة في إزمير، التي لم تكن الوحيدة إذ فجّر الخبراء سيارة أخرى كانت معدة للتفجير. وقال مسؤولون إن من يشتبه بأنهم مسلحون أكراد انفصاليون اشتبكوا مع الشرطة التركية، الخميس، وفجّروا سيارة مفخخة بعد توقيف مركبتهم في نقطة للتفتيش، مما أدى إلى مقتل شرطي وموظف في محكمة.
ولقد سلّط الانفجار وتبادل إطلاق النار خارج المحكمة الرئيسية في إزمير - ثالث أكبر مدينة تركية - الضوء على الأوضاع الأمنية المتدهورة في البلاد بعد 5 أيام من هجوم إسطنبول، بينما أوضح إيرول آي يلديز، والي المدينة، أن الأسلحة التي ضبطها شملت بنادق كلاشينكوف وقنابل يدوية وقذائف صاروخية، لافتًا إلى أن النتائج الأولية تشير إلى تورط حزب العمال الكردستاني.
هذا وذكر مصدر بالشرطة أنه تجري ملاحقة إرهابي ثالث بعد مقتل اثنين في الاشتباكات، كما اعتقل لاحقًا شخصان يعتقد أنهما باعا السيارة التي استخدمت في الهجوم للمهاجمين، وأضاف أن قوات الأمن فجّرت سيارة مفخخة ثانية اشتبهت الشرطة في أن المهاجمين خططوا للهروب فيها.

تحقيقات معقّدة
من خلال تحقيقات شديدة التعقيد والسرّية أيضًا، يظهر أن السلطات التركية حددت بدرجة كبيرة هوية منفذ هجوم رأس السنة على مطعم ونادي «رينا» في إسطنبول. وكما سبقت الإشارة، قال نائب رئيس الوزراء كايناك إن المسلح «الهارب حتى الآن» من أقلية الأويغور المسلمة في تركستان الشرقية (سنكيانغ بغرب الصين) «على الأرجح»، وأن أجهزة الأمن التركية حددت «مكان اختبائه المحتمل في إسطنبول»، في حين تتابع ظهور مقاطع فيديو رصدت تحرّكاته من كونيًا إلى إسطنبول، وأماكن وجوده قبل وبعد تنفيذ هجومه المسلح. وذهب نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش إلى أنه تلقى مساعدة من داخل المطعم، في الوقت الذي عبر فيه كثير من المواطنين الأتراك عن اعتقادهم في ضلوع أميركي في الهجوم.
وقال كايناك إن منفذ الهجوم تلقى تدريبًا خاصًا، وأنه عضو في خلية.
وحسب المعلومات المتوافرة، «نفذ الهجوم منفردًا»، خلافًا لما ذكره بعض الناجين من أن هناك أكثر من شخص شاركوا في الهجوم. وأضاف أنه رغم عدم استبعاد احتمال هروبه خارج البلاد، فإن الأرجح أن تؤدي العمليات الأمنية داخل تركيا إلى الوصول إليه.
وبالفعل، تم تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود التركية مع اليونان وبلغاريا، وعلى حدود تركيا المختلفة، وفي الموانئ والمطارات، ويجري تفتيش السيارات والأشخاص الذين يغادرون الأراضي التركية.
كذلك عُلّقت صور للمهاجم على المركز الحدودي في كابي كولي، في إدرنة القريبة من إسطنبول، على الحدود البلغارية، حيث يقوم عناصر أمن بالتدقيق في جوازات السفر.
وينفي هذا ما تردّد من أنباء عن هروب الإرهابي منفّذ الهجوم إلى مدينة الرقّة، معقل «داعش» في شمال سوريا. وكان أحد مسؤولي صفحة «الرقّة تذبح بصمت» المعنية بأخبار المدينة السورية التي جعلها التنظيم الإرهابي عاصمة له، ورصد الانتهاكات من قبل عناصر «داعش» في المدينة، قد أكد أن هناك أنباء عن احتفال عناصر من «داعش» بإطلاق الرصاص ابتهاجًا بوصول منفذ الهجوم إلى الرقّة.
وحسب كايناك، «هوية الإرهابي حددتها قوات الأمن، كما تم تحديد أماكن وجوده المحتملة، وكشفت صلاته أيضًا خلال التحقيقات».

«الإرهابي الشبح»
على صعيد آخر، نفذت الشرطة التركية عملية مداهمة في حي سليم باشا، على أطراف إسطنبول، فجّر الخميس، اعتقلت خلالها عددًا من المشتبه بأنهم على صلة بالهجوم. وداهمت شرطة مكافحة الإرهاب مصحوبة بقوات من الدرك وقوات خاصة مجمعًا سكنيًا في بلدة سليم باشا الساحلية، الواقعة غرب المدينة، بعد تلقي معلومة عن وجود أفراد بداخله ربما ساعدوا منفذ هجوم «رينا».
هذا وذكرت وسائل الإعلام أن أويغوريين من بين المعتقلين، لكن لم يتضح عدد الأشخاص الذين أمكن اعتقالهم منذ وقوع الهجوم، لكن العدد يرجح أن يكون 36 شخصًا على الأقل يعتقد أنهم - أو بعضهم - على صلة مع منفذه. ولقد نفذت قوات الأمن التركية على مدى 4 أيام حملات في مدن قونية وإزمير وإسطنبول لضبط من يشك بأن لهم صلة بالمنفذ الذي لا يزال هاربًا وكأنه شبح. وتعتقد السلطات التركية أن هذا الإرهابي «الشبح» الذي نشرت له فيديوهات وصور كثيرة ترصد تحركاته، قبل الهجوم وبعده، قد تلقى مساعدة من آخرين، مع أنه نفذ جريمته منفردًا. وهو ما أكده أيضًا كورتولموش، قائلاً إن منفذ الهجوم ربما كان له شركاء آخرين داخل الملهى.
وأردف كورتولموش إن «هذا الاستنتاج نابع من عدم إقدام الإرهابي الذي نفذ الهجوم بحرفية عالية، على الانتحار في مكان الجريمة».
في المقابل، لا يستبعد المحققون تورّط شخص آخر في الهجوم، بعد تحليل الفيديوهات التي سجلتها كاميرات النادي والكاميرات المجاورة له. وفي حين ذكر نائب رئيس الوزراء أن مرتكب مذبحة إسطنبول يعتقد أنه جاء إلى تركيا من جمهورية قيرغيزستان، فإن التحقيقات لا تزال تدرس خيارات أخرى، من بينها أنه ربما جاء من سوريا.
إذ كشفت التحقيقات أن المنفذ جاء إلى تركيا برفقة زوجته وطفليه في 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثم ذهب إلى مدينة قونية (في هضبة الأناضول) لمقابلة أحد عناصر «داعش»، ويدعى «الشيخ يوسف» (يوسف هوجا). واستندت السلطات إلى فيديو تم التقاطه لمنفذ العملية ومعه الشيخ الداعشي في أثناء استقلالهما الحافلة المتجهة من قونية إلى إسطنبول، لكنهما كانا يسيران بشكل منفصل وكأنها لا يعرف أحدهما الآخر. ثم بعد ذلك استقل تاكسي، واستخدم هاتف صاحبه في الاتصال، وأخبر سائق التاكسي بأنه سيدفع له بمجرد وصوله إلى المكان، لكنه نزل واستقل سيارة أخرى للوصول إلى منطقة زيتين بورنو، ثم اختفى عن الأنظار. وترجح السلطات أن يكون الرجل الذي رافق منفذ العملية قد ساعده في تنفيذ الهجوم الإرهابي، وتأمين عملية هروبه من المكان، وهو ما قد يفسّر حرص منفذ الهجوم على إخفاء ملامح وجهه بطريقة جيدة، وعدم وجود صور واضحة له على أجهزة كاميرات المراقبة.

ألاعيب «داعش»
على صعيد آخر، مارس تنظيم «داعش» كثيرًا من الألاعيب لتضليل سلطات التحقيق منذ اللحظات الأولى لهجوم إسطنبول، إذ كذّبت السلطات التركية الشائعات التي تحدثت عن وصول منفذ الهجوم إلى مدينة الرقّة السورية، أو إمكانية هروبه خارج الحدود التركية، مؤكدة أن تنظيم داعش يحاول الترويج لهذه الشائعات حول مكان اختباء منفذي العملية «لتضليل الجهات الأمنية، وصرف الأنظار عن المنفذين الحقيقيين، وأماكن وجودهم». وكشفت التحقيقات عن كثير من محاولات التضليل التي قام بها التنظيم الإرهابي لإرباك جهات التحقيق، مثل الزعم بأن العملية استغرق تنفيذها 7 دقائق، وهي المدة التي دخل وخرج فيها المواطن الكازاخستاني الذي نشرت صورته من قبل على أنه منفذ الهجوم، ثم نشر جواز سفر مواطن من قيرغيزستان تم التحقيق معه في إسطنبول قبل سفره إلى بلاده على أنه المنفذ أيضًا.

اتهامات لأميركا
على صعيد آخر، كشفت سلطات التحقيق عن أن منفذ الهجوم استعمل قنبلة صوتية أميركية الصنع لإصابة رواد المطعم بحالة من عدم التركيز، بسبب صوتها واحتوائها في الوقت نفسه على غاز يصيب بالدوار وعدم التركيز، وعرضت لقطات للقنبلة، وتبين أنه تم طمس الرقم المسلسل لها.
وأثار الكشف عن هذه القنبلة ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا، حيث اعتبر كثيرون أن أميركا «ضالعة في الهجوم» بسبب وجود هذه القنبلة التي يندر استخدامها خارج الجيش الأميركي. ونشرت صحيفة «يني عقد» القريبة من الحكومة التركية، الأربعاء، على موقعها الإلكتروني، وكذلك على «تويتر» صورتين مركّبتين تتعلقان بالرئيس الأميركي باراك أوباما. الصورة اليمنى للإرهابي الذي هاجم مطعم «رينا» بعد استبدال وجهه بوجه الرئيس أوباما، واليسرى عبارة عن صورة عادية لأوباما. وعلى الفور انتشرت الصورة المركّبة في الإنترنت كالنيران في الهشيم. وللعلم، يوجد أكثر من مائة ألف مشترك في حساب الصحيفة على موقع «تويتر»، ويعتبر موقعها في الإنترنت من أكثر المواقع التركية زيارة في الشبكة العالمية. وقد ترافقت التغريدات مع تعليقات ساخرة ولاذعة، مثل: «هذه أوضح صورة للقاتل».
والعبارة نفسها وردت في العنوان الرئيسي للمادة التي نشرتها الصحيفة. وتتكون هذه المادة من فقرة واحدة: «في الشبكات الاجتماعية تنتشر آراء تؤكد أن الولايات المتحدة تقف وراء الهجوم الإرهابي في نادي رينا».

مسلسل الإرهاب
* مرّت تركيا في عام 2016 بواحد من أكثر أعوامها دموية، حيث تصاعدت الهجمات الإرهابية وضربت قلب المدن الكبرى ومواقع استراتيجية وسياحية في قلب العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول.
وكانت في مجملها هجمات انتحارية، وباستخدام سيارات مفخخة، وغالبيتها استهدف الشرطة إلى جانب المدنيين، وتوزّعت المسؤولية عنها ما بين تنظيم داعش الإرهابي وحزب العمال الكردستاني ومنظمة صقور حرية كردستان، القريبة منه.
كثير من الهجمات الإرهابية ضربت أنحاء مختلفة في تركيا، أبرزها هجوم السلطان أحمد في الثاني عشر من يناير (كانون الثاني) الذي افتتح به سجل العمليات الإرهابية في 2016، حين استهدف هجوم انتحاري في منطقة ديكيلتاش في ميدان السلطان أحمد بإسطنبول مجموعة من السياح، مخلفًا 10 قتلى و15 مصابًا، غالبيتهم من الألمان. وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن هذا الهجوم.
وفي السابع عشر من فبراير (شباط)، وقع هجوم بسيارة مفخخة في أثناء مرور سيارة عسكرية بالقرب من مقر قيادة القوات الجوية في منطقة كيزلاي، بوسط العاصمة أنقرة، مما أسفر عن مقتل 29 شخصًا وإصابة 61 آخرين، غالبيتهم من العسكريين، وتبنّت جماعة صقور حرية كردستان الهجوم.
ووقع هجوم ثان في أنقرة، في الثالث عشر من مارس (آذار)، في استهداف آخر للعاصمة السياسية للبلاد، حيث وقع هجوم انتحاري بالقرب من ميدان كيزيلاي، مما أدى إلى مقتل 37 شخصًا وإصابة 125 آخرين، وتبنته أيضًا حركة صقور حرية كردستان التي أعلنت مسؤوليتها عن هذا الهجوم أيضًا.
وسبق هذا الهجوم الإرهابي هجوم وقع في التاسع عشر من مارس استهدف السياح مرة أخرى بهجوم انتحاري وقع في شارع الاستقلال بميدان تقسيم، قلب إسطنبول السياحي، وتبنى «داعش» الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص، منهم إيرانيان وإسرائيلي وإصابة 36 آخرين.
وفي 27 أبريل (نيسان)، أقدم انتحاري على تفجير نفسه بالقرب من جامع أولو الشهير بمدينة بورصة، ليُسقط 13 مصابًا دون تسجيل قتلى، وتبناه تنظيم صقور حرية كردستان.
وفي الأول من مايو (أيار)، قتل 3 من عناصر الشرطة وأصيب 22 آخرون، في هجوم انتحاري شنّه تنظيم داعش الإرهابي بالقرب من مديرية أمن غازي عنتاب (جنوب تركيا، قرب الحدود السورية).
وفي 7 يونيو (حزيران)، استهدف هجوم إرهابي سيارة تابعة للشرطة في منطقة فزناجيلار في إسطنبول بالقرب من محطة للحافلات العامة، خلف 11 قتيلاً، من بينهم 7 من عناصر الشرطة و36 مصابًا.
وفي 8 يونيو، استهدفت سيارة مفخخة مديرية الأمن في بلدة مديات، التابعة لمحافظة ماردين (جنوب تركيا)، قتل فيه شرطي ومدنيان وأصيب 30 آخرون على الأقل، ونسبته السلطات إلى العمال الكردستاني.
وفي مساء 28 يونيو، وقع هجوم انتحاري ثلاثي في صالة الخطوط الدولية بمطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، أعقبه إطلاق نار على المسافرين المنتظرين، مما تسبب في مقتل 47 شخصًا وإصابة 237 آخرين، ونسب إلى تنظيم داعش الإرهابي.
وفي 21 أغسطس، شهدت مدينة غازي عنتاب هجومًا انتحاريًا استهدف حفل زفاف في أحد الشوارع بالمدينة الجنوبية شبه الحدودية، مما أسفر عن مقتل 56 شخصًا وإصابة 91 آخرين، ونفذه تنظيم داعش.
وقبل أن يلملم العام أوراقه الأخيرة وقع في 10 ديسمبر (كانون الأول) الحالي هجومان، أحدهما بسيارة مفخخة والآخر نفذه انتحاري بالقرب من استاد «فودافون أرينا» لكرة القدم، بمنطقة بشيكتاش في مدينة إسطنبول، استهدفا قوات مكافحة الشغب، وأسفرا عن مقتل 44 شخصًا، 37 من قوات شرطة مكافحة الشغب و7 مدنيين، وإصابة 149 آخرين.
ثم كان هجوم مطعم «رينا» في إسطنبول الذي شكل حلقة الوصل بين عام منتهٍ بأحداثه الإرهابية المتتابعة وبداية عام جديد أكثر سخونة على ما يبدو.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.