هل تراجعت العولمة لحساب النزعات القومية؟

تصاعد دور اليمين الأوروبي المتطرف في الحياة السياسية

هل تراجعت العولمة لحساب النزعات القومية؟
TT

هل تراجعت العولمة لحساب النزعات القومية؟

هل تراجعت العولمة لحساب النزعات القومية؟

شهد العقد الأخير تنامي النزعة الوطنية - القومية الأوروبية في العلاقات الدولية على حساب مسار العولمة، تلك النزعة التي تسعى إلى إضعاف سيادة العولمة الأميركية على أوروبا والعالم. لقد ترافق هذا التوجه مع صعود النزعة الوطنية الروسية التي تسعى إلى إعادة دور الاتحاد الروسي كلاعب رئيسي في العلاقات الدولية من خلال إقامة تكتل دولي من الدول الرأسمالية الناهضة متعاون مع الصين.
إن الميول المشار إليها أعلاه أدت إلى تصاعد دور اليمين الأوروبي المتطرف في الحياة السياسية في عدد من البلدان الأوروبية، على حساب اليمين التقليدي، ومن أبرز إفرازات ذلك، نمو النشاطات الجماهيرية المعادية للهيمنة الأميركية إضافة إلى تحقيقه، أي اليمين المتطرف، نجاحات انتخابية في عدد من البلدان الأوروبية، كذلك تصاعد الكراهية، العنصرية ومعاداة الأجانب، التي ظهرت بصورة واضحة بعد تزايد أعداد لمهاجرين نتيجة الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بعد الاحتجاجات الشعبية العربية.
لقد حققت النزعة الوطنية القومية الأوروبية نجاحات كبيرة، منها: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وما يمثله ذلك من انتكاسة لمشروع الوحدة الأوروبية، رفض الشعب الإيطالي للتعديلات الدستورية التي اقترحتها الحكومة، فعالية الدور الروسي في الشرق الأوسط، المتمثل بالدعم السياسي والعسكري الكبير لسوريا وأثره على تعديل ميزان القوى لصالح النظام السوري، إضافة إلى زيادة التعاون السياسي والعسكري مع إيران ومحاولة تشكيل مركز تعاون استخباري رباعي يضم سوريا والعراق وإيران وروسيا، تحت عنوان لمكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط.
وكذلك ظهور أشكال متنوعة من أنظمة الحماية الاقتصادية، في العلاقات الدولية بهدف الدفاع عن المصالح الوطنية ضد تحكم مفاهيم العولمة القائمة على تحرير الأسواق الوطنية وحرية انتقال البضائع والخدمات بين الدول، كما مثل فوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة، تطورا لافتًا، يمكن أن يؤدي إلى تعزيز النزعة الوطنية القومية الأوروبية، إذا قام بتنفيذ وعوده الانتخابية.
هذه الموضوعات وغيرها، تناولها الباحث لطفي حاتم في كتابه الجديد الذي صدر أخيرًا تحت عنوان «المنافسة الرأسمالية وسمات بنيتها الآيديولوجية». ويشير الباحث، في مقدمته، إلى أن وحدة العالم الرأسمالية المستندة إلى السيادة الدولية لأسلوب الإنتاج الرأسمالي أثارت أشكالاً متعددة من النزاعات الوطنية والدولية الناتجة عن اشتداد نزعتين آيديولوجيتين؛ أولاهما: النزعة الأممية التي يسعى لها الرأسمال الأميركي... وثانيتهما: النزعة الوطنية لدول الرأسمالية الناهضة كرافعة آيديولوجية لصيانة مصالحها الاستراتيجية.
قسم الباحث الكتاب إلى فصلين؛ الأول المعنون «وحدانية التطور الرأسمالي واحتدام المنافسة الرأسمالية»، تناول فيه الاستراتيجية الأميركية، واستراتيجية الدول الرأسمالية الناهضة، واحتدام المنافسة بينهما للسيطرة على العالم، متناولاً سمات كل منها. ففيما يخص الاستراتيجية الأميركية، يرى الباحث أن ركائزها تحدد بكثير من النقاط، منها: ضمان التفوق الاقتصادي العسكري التكنولوجي في العالم لغرض إدامة الزعامة الأميركية، الاستبدال بالشرعية الدولية شرعية أطلسية وقوانين أميركية عابرة لحدودها الوطنية، تفكيك الدول الاتحادية في محاولة لإعادة بنائها بما يتجاوب مع المصالح الأميركية، تخريب الدولة الوطنية والاستبدال بمفهوم السيادة الوطنية سيادة وهمية تحكمها ضوابط عرقية وطائفية وأخيرًا إيكال تدخلها العسكري المباشرة إلى الدول الحليفة لها لخوض الصراعات الإقليمية نيابة عنها، ص 31 و32.
وفيما يخص استراتيجية الدول الرأسمالية الناهضة (روسيا، الصين، الهند)، فإن أبرز سماتها: تشديد النزعة الوطنية كآيديولوجية ضامنة لوحدة البلاد السياسية، واعتماد سياسة دولية قوامها احترام مبادئ الشرعية الدولية ورفض التدخل بالشؤون الداخلية، تطوير قدراتها العسكرية عبر التعاون العسكري المشترك، محاولة بناء مؤسساتها المالية لتقليل الاعتماد على المؤسسات الدولية.
أشار الباحث إلى أن المنافسة بين الاستراتيجيتين أدت إلى تنامي النزعة الوطنية القومية، وأثر ذلك على صعود شعبية القوى اليمينة المحافظة، ليس بسبب البرامج التي تقدمها للناخب، بل احتجاجًا على سياسة اليمين الوسط الذي حكم أغلبية الدول الأوروبية خلال العقود الأخيرة.
يعطي الباحث أهمية لموضوع اليمين المتطرف في الدول الرأسمالية وسماته، في الظروف الراهنة، ويعطي توصفيًا مكثفًا بنقاط مكثفة، منها:
1- منظمات اجتماعية تعتمد الوطنية المترابطة وروحًا عنصرية توسعية، فكرًا آيديولوجيًا محركًا لفعاليتها السياسية.
2- تشكل قاعدة اجتماعية من شرائح طبقية متعددة يشدها الإحباط الاجتماعي الناتج عن الأزمات الاقتصادية الملازمة لتنازع تطور بنية الاقتصاد الرأسمالي.
3- تبلور توجهات اليمين المتطرف خشية الطبقة الرأسمالية الوطنية من فقدان مواقعها الاقتصادية التي أضعفتها حركة اندماجات الشركات الكبرى، ص 53.
في القسم الثاني يتناول الباحث مفهوم اليمين العربي المتطرف وسماته الفكرية، مركِّزًا على أسباب صعود اليمين الإسلامي السلفي التي يرجعها إلى عجز الدول الوطنية العربية، وعبر مراحل تطورها، عن إنجاز قوى اجتماعية يشكل فكرها السياسي مرجعية وطنية لضبط مسار تطورها، مشيرًا إلى أن غياب التيار الليبرالي في البينة السياسية للبلدان العربية أدى إلى ضعف المكانة الاجتماعية للدولة الوطنية وضياع آيديولوجيتها الوطنية. ويرى الباحث إلى أن ما أنتجه الإسلام السلفي الإرهابي من موضوعات فكرية تتجاوب وميول العولمة الرأسمالية، خصوصًا فيما يتعلق بسعي «السلفية الجهادية» إلى إلغاء الدولة الوطنية واستبدالها بدولة الخلافة المرتكزة على استبدال المصالح الوطنية والقومية الملموسة بمصالح إسلامية أممية افتراضية. وبهذا المنحى تتلاقى السلفية الإسلامية مع أممية رأس المال العابر للحدود الوطنية، مشيرًا إلى أن «السلفية الجهادية» تنهج العنف الإرهابي لتفكيك الدولة الوطنية ونظمها السياسية لغرض بناء دولة الخلافة الإسلامية التي تستند، حسب رأيه، على كثير من المرتكزات، منها:
أ- تحويل الدولة الوطنية وسلطتها التنفيذية إلى إمارات تشدها روح آيديولوجية تحددها أطر مذهبية إسلامية.
ب- بناء دولة الخلافة الإسلامية على مبدأ وحدة السلطات مع إعلاء مركزية السلطة التنفيذية المتمثلة بسلطة الأمير.
ج - تعمل الإمارة الإسلامية على حل الجيوش الوطنية واستبدالها بفصائل إنكشارية مسلحة.
د- البرنامج الاقتصادي لـ«السلفية الجهادية» يرتكز على إعلاء شأن القطاع التجاري لإدارة الثروات الوطنية بالترابط مع الشركات الاحتكارية الرأسمالية.
ه- سيادة العنف الفكري يعتمد على آيديولوجية تعتمد التجربة التاريخية الإسلامية الرافضة للحوار والتنوع الفكري.
بعد تحليل طبيعة السلفية الجهادية الإسلامية، يتوصل الباحث إلى أن «(السلفية الجهادية) الإرهابية، تشكل يمينًا عربيًا متطرفًا أفرزته الميول المتناقضة لرأسمال معولم، وبهذا السياق تختلف (السلفية الجهادية) الإسلامية عن اليمين الأوروبي المتطرف في موقفها من الدولة الوطنية، فبينما يسعى اليمين الأوروبي المتطرف إلى إعادة بناء الدولة الوطنية بروح عنصرية، نجد الفعالية السياسية لـ(السلفية الجهادية) الإسلامية تتلاقى وأممية رأسمال المال الهادفة إلى إضعاف وتخريب الوطنية» (ص 60).
أخيرًا يختتم الباحث كتابه بتناول تغيرات السياسة الدولية وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط التي شهدت احتجاجات شعبية لم تحقق الأهداف المرجوة منها، بسبب كثير من العوامل، منها، أولاً: فشل الاحتجاجات الشعبية في تقديم البديل الوطني الديمقراطي، ثانيًا: بسبب غياب كتلتها الوطنية المناهضة للاستبداد، ساعدت الاحتجاجات الشعبية على نهوض تيار الإسلام السياسي وانتشار فصائله المتطرفة الهادفة إلى تقويض الدولة الوطنية، ثالثًا: أشارت الاحتجاجات الشعبية إلى عجز النظم السياسية العربية التسلطية المتسمة بغياب الديمقراطية وتوارث السلطة عن إنتاج قوى اجتماعية قادرة على موازنة المصالح الوطنية مع المصالح الدولية، رابعًا: فشل وتعثر الدبلوماسية الأميركية وعدم وضوح توجهاتها السياسية في التعامل مع المطالب الشعبية.
المنافسة الرأسمالية وسمات بنيتها الآيديولوجية
المؤلف: د. لطفي حاتم
دار النشر: دار الحكمة، القاهرة 2016
عدد صفحات الكتاب: 148 من القطع الكبير.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».