لم تنجح حكومة الحبيب الصيد التي تسلمت السلطة في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2015 بمواصلة تسيير السلطة في البلاد، فاضطر رئيس الحكومة (آنذاك) إلى الانسحاب خلال شهر يوليو (تموز) 2016 تحت ضغوط سياسية متنوعة. وكان بعض هذه الضغوط متأتيًا من أطراف سياسية لم تساند الحبيب الصيد عند تسلمه مهامه على رأس الحكومة، والبعض الآخر راجعًا - كما تشير عدة أطراف حقوقية واجتماعية - إلى ضغط الشارع التونسي المطالب بالتنمية والتشغيل، وفشل حكومة الصيد في تحقيق ما انتظره التونسيون.
والحقيقة أن حكومة الصيد عانت خلال السنة المنقضية من ضآلة السند السياسي والحزبي الذي يدعمها، وذلك بالنظر إلى أن رئيس الحكومة محايد ولا ينتمي إلى أي حزب سياسي من الائتلاف الحاكم المشكل من حزب «النداء» و«حركة النهضة» وحزبي «الاتحاد الوطني الحر» و«آفاق تونس».
ولقد صوّت البرلمان التونسي، في تجربة يخوضها لأول مرة، على سحب الثقة من الحكومة. وهكذا خرج الحبيب الصيد من رئاسة الحكومة لإفساح المجال أمام مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لتشكيل حكومة «وحدة وطنية» أملاً في ضخ دماء جديدة إلى العمل الحكومي. وألقى الصيد خطابا أمام البرلمان انتقد فيه المبادرة والتحرك المفاجئ لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية والضغوط التي تعرض لها، وحافظ بذلك على رصيد مهم من ثقة التونسيين على الرغم من مغادرته غير المتوقعة لرئاسة الحكومة.
نجاح أمني وفشل اقتصادي
يُذكر أن الحبيب الصيد كان قد حصل على أعلى نسبة تصويت بلغت 188صوتا من إجمالي 217 صوتا في البرلمان التونسي، وذلك بالمقارنة مع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة (حكومتا علي الجبالي وعلي العريّض)، لكن ذلك لم يكفل له البقاء على رأس الحكومة. ويرى المحلل السياسي جمال العرفاوي أن ما يحسب لحكومة الصيد هو أنها «تمكنت من النجاح على المستويين الأمني والعسكري في تحجيم تحركات التنظيمات الإرهابية، وصدت بقوة الهجوم الإرهابي على مدينة بن قردان (أقصى شرق البلاد) خلال شهر مارس (آذار) 2016، وألحقت هزيمة قاسية بتنظيم داعش الإرهابي الذي كان يخطط لبعث (إمارة) متطرفة في بن قردان. أما على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، فإن النتائج كانت ضعيفة للغاية، وكانت نسبة النمو أقل من 2 في المائة. ووصفت أحزاب المعارضة التي يقودها تحالف «الجبهة الشعبية» اليساري بزعامة حمة الهمامي تدخلات الحكومة بالفشل الذريع.
تولّي الشاهد
إثر انسحاب الصيد من رئاسة الحكومة جاء يوسف الشاهد، وهو أصغر رئيس حكومة تونسي على الإطلاق (41 سنة). وهو ينتمي إلى حزب «النداء» ويحظى بدعم قوي من الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي (مؤسس الحزب) ومحمد الناصر، رئيس البرلمان، الذي ينتمي إلى نفس الحزب.
وفي بداية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، تشكلت حكومة الوحدة الوطنية التي هندس لها قائد السبسي من 9 أحزاب سياسية من بينها حزب «النداء» و«حركة النهضة» و3 منظمات نقابية تمثلت في الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابة رجال الأعمال ونقابة الفلاحين. ولكن، على الرغم من الدعم السياسي الذي لاقاه الشاهد في البداية، فإن العلاقة مع الاتحاد العام التونسي للشغل (كبرى نقابات العمال) تأثرت بشكل كبير مع بداية مناقشة ميزانية 2017، إذ توترت نتيجة اقتراح تأجيل الزيادة في الأجور لمدة سنتين (2017 و2018)، وهو مقترح رفضته نقابة العمال وهددت بتنفيذ إضراب عام في الثامن من الشهر الحالي. ونتيجة لهذا الضغط الرهيب الذي سلط على جميع الأطراف، انتهت المفاوضات إلى إلغاء الإضراب وجدولة زيادات تمتد على طول السنة الجديدة.
تحالفات جديدة
غير أن التصويت داخل البرلمان التونسي على ميزانية سنة 2017 كشف تحالفات سياسية جديدة، إذ انضم حزب «الاتحاد الوطني الحر» بزعامة سليم الرياحي وحركة «مشروع تونس» برئاسة محسن مرزوق، الأمين العام المستقيل من حزب «النداء» إلى صفوف المعارضة، وصوتوا ضد قانون المالية، وهو ما يطرح بداية تشكل جديد لأحزاب المعارضة.
وكان «الاتحاد الوطني الحر» انضم إلى الائتلاف الحاكم سواء في عهد الحبيب الصيد أو في حكومة الشاهد إلا أن التصويت الأخير ينبئ بتقوية المعارضة على حساب الأحزاب الحاكمة. ومع هذه التوقعات يرى أكثر من محلل سياسي متابع للشأن السياسي الداخلي في تونس أن قوة التحالف بين حزب «النداء» و«حركة النهضة» وجمعهما نحو 136 صوتًا في البرلمان يجعل من الصعب تمرير أي سياسة غير التي يرتضونها، وذلك باعتبار أن أي قانون يتطلب تصويت 109 أعضاء في البرلمان لتمريره، وهو ما يتوافر لهذين الحزبين القويين دونما الحاجة لبقية الأحزاب السياسية.
ومع نهاية عام 2016 يقود محسن مرزوق وسليم الرياحي ومعهما «هيئة الإنقاذ» بحزب «النداء» بزعامة بوجمعة الرميلي، جبهة سياسية بعيدا عن «النداء» و«النهضة». وفي حال انضمام تحالف «الجبهة الشعبية» إلى هذه الأطراف السياسية المعارضة، فإن المحطات الانتخابية المقبلة، خصوصًا الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها السنة المقبلة، ستشهد منافسة سياسية قوية وقد تفرز مشهدا سياسيا مغايرا لما هو الحال عليه اليوم.






