خيارات أوباما للرد على القرصنة الروسية محدودة

إدارته تسعى لرد اعتبارها دون تصعيد المواجهة مع موسكو

خيارات أوباما للرد على القرصنة الروسية محدودة
TT

خيارات أوباما للرد على القرصنة الروسية محدودة

خيارات أوباما للرد على القرصنة الروسية محدودة

على مدار الشهور الأربعة الماضية، جمعت وكالات الاستخبارات الأميركية ومساعدو الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما قائمة طويلة من الخيارات المتاحة للرد على القرصنة الروسية خلال فترة الانتخابات الرئاسية الأخيرة. تراوحت الخيارات بين كشف العلاقة المالية التي تربط الرئيس فلاديمير بوتين بدوائر الفساد في بلاده، إلى «الإبداع في الرد» الذي تجلى في الاستيلاء على شفرة الكومبيوتر الذي تستخدمه روسيا في تصميم أسلحتها النووية.
ورغم تعهد أوباما يوم الجمعة الماضي بإرسال «رسالة واضحة لروسيا»، كعقاب وأيضا كرادع في المستقبل، قوبلت بعض الخيارات بالرفض بسبب عدم فعاليتها وأخرى بسبب خطورتها. ولو أن الخيارات كانت أفضل، بحسب ما قاله أحد مساعدي الرئيس المشاركين في المناقشات، لكان الرئيس قد اتخذ إجراء في حق روسيا منذ فترة.
ففي أسابيعه الأخيرة بالبيت الأبيض، فقد وضعت النقاشات الدائرة بغرفة الاجتماعات الرسمية بالبيت الأبيض، الرئيس الحذر بطبعه، أمام تحدٍ معقد وتدخل فيه حسابات كثيرة، وهو التحدي نفسه الذي سيرثه الرئيس المنتخب دونالد ترامب قريبا. والتحدي باختصار هو كيف تستخدم أقوى ترسانة في العالم للفضاء الإلكتروني في الوقت الذي توجد فيه الولايات المتحدة في وضع معقد داخليا وخارجيا، كما تبيّن خلال فترة الانتخابات.
وفي مؤتمر عقد الجمعة الماضي، تحت رعاية مركز «بلفير للعلوم والعلاقات الدولية» التابع لجامعة هارفارد، تساءل ديفيد بيترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية في إدارة أوباما: «هل هناك شيء ما نستطيع أن نفعله في مواجهتهم، شيئا يرونه ويشعرون بتأثيره ويكون واضحا بنسبة 98 في المائة أننا من قام به، دون أن يضر بهم لدرجة تدفعهم إلى الثأر لكرامتهم؟».
لكن فكرة كشف علاقة بوتين بدوائر الفساد في بلاده نحيت جانبا بعدما اقترح بعض مساعدي الرئيس بأن ذلك لن يمثل صدمة للروس. لكن هناك أيضا بعض المقترحات يمنع بعضا من كبار المسؤولين بالدائرة المحيطة ببوتين من التصرف في أرصدتهم السرية في بنوك أوروبا وآسيا. وهناك خيار آخر يتمثل في استخدام سلاح العقوبات بالرجوع إلى قرار صدر منذ نحو عام بمنع سفر كبار المسؤولين الروس بوحدة الاستخبارات الحربية الروسية التي تقول وكالات التجسس الأميركية إنها سرقت رسائل البريد الإلكتروني من اللجنة الوطنية الديمقراطية، وأيضا من رئيس لجنة حملة كلينتون، ثم قامت بتسليمها لموقع «ويكيليكس»، إلا أنه من المتوقع أن تتناول وسائل الإعلام المتعطشة لمثل هذه الأخبار هذا التطور وستعمل على تضخيمه، نيابة عن الكرملين.
غير أن جهاز الأمن القومي، وقيادة أمن الفضاء الإلكتروني، وهي الجهة المسؤولة عن سلامة الشبكات الإلكترونية، خرجا بأفكار جديدة، بحسب مسؤولين، رفض البنتاغون بعضها.
ستستخدم هذه الخطط، في حال تنفيذها، ترسانة أسلحة من طراز عالمي من أسلحة الفضاء الإلكتروني التي تكلف تجميعها مليارات الدولارات في عهد الرئيس أوباما بهدف كشف أساليب القرصنة الروسية التي يفضلها الجواسيس الروس؛ وذلك باستخدام البديل الرقمي لما يعرف بالضربات الاستباقية. لكن انتقاء الأميركيين للأهداف ودقة تنفيذ الثأر ربما يتسبب في كشف برامج كانت الولايات المتحدة قد زرعتها سرا داخل الشبكات الروسية لاستخدامها في صراعات قد تنشأ بين البلدين في الفضاء الإلكتروني مستقبلا.
وقد تسبب الكشف عن بعض أدوات وكالة ناسا للفضاء المستخدمة في اختراق شبكات الكومبيوتر في زيادة احتمال وجود الروس بالفعل داخل الشبكات الأميركية، خاصة بعد أن أرسلوا تحذيرات بأنهم قادرون على الرد. دفع كل هذا الرئيس أوباما إلى التساؤل عن عواقب تصعيد الروس للمواجهة، وما إذا كانت خسائر الولايات ستفوق خسائر الروس.
من جهته، قال مايكل ماكفول، أحد كبار مساعدي أوباما للأمن القومي الذي عين لاحقا سفيرا لدى روسيا إنه «لا تواجد خيارات مناسبة متاحة أمامه (أوباما)». فأوباما هو الرئيس الذي سعى، في أول عام له بالبيت الأبيض، إلى الاستيلاء على أكثر أسلحة الفضاء الإلكتروني تطورا في العالم القادرة على تدمير أجزاء من منشآت إيران النووية. أما اليوم، ومع نهاية فترته الرئاسية، فإنه يواجه تحديا جديدا في مجال المواجهات الإلكترونية.
فبحسب كبار المسؤولين، فقد وصل الرئيس إلى استنتاجين. الأول هو أن الشيء الوحيد الذي يعد أسوأ من عدم استخدام السلاح، هو استخدامه من دون كفاءة. أما الثاني، فهو في حال اختار أوباما الانتقام، فهو يصر على التمسك بما أطلق عليه «التصعيد المحكم»، أي ضمان القدرة على إنهاء الصراع بشروط الولايات المتحدة، لا خصمها.
فقد أشار أوباما خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد الجمعة قبيل مغادرته إلى جزر هاواي لقضاء عطلته السنوية إلى آخر مهامه في الرئاسة، قائلا: «لا نزال مصممين على هدفنا لتوجيه رسالة للروس ولغيرهم أن يكفوا عن فعل هذا الشيء، لأننا قادرون على الرد»، مضيفا: «لكن، من المهم أيضا أن نفعل ذلك بشكل منظم ومحبك. وسيكون جزء من تلك الإجراءات معلنا، وسيكون الجزء الآخر معلوما فقط لقيادتهم، وليس الجميع».
ورفض أوباما استعراض العضلات بصورة كبيرة، لكنه أكد أن «الهدف هو جعل الروس يشعرون بحجم ما اقترفوه، وأن يشعرهم أن تبعات ذلك ستكون فادحة في المستقبل، لكن في نفس الوقت، يجب أن يتم ذلك بشكل لا يتسبب في مشكلات لنا».
وفي ضوء الغضب الكبير الذي أبداه الديمقراطيون والجمهوريون الأسبوع الماضي من التصرف الروسي، باستثناء ترامب نفسه الذي وصف ما توصلت إليه الاستخبارات الأميركية بأنها اتهامات سياسية تقف وراءه، علينا أن نتذكر أن محاولة استقطاب نتائج الانتخابات هي فن أميركي أصيل.
فقد سبق أن حاولت الولايات المتحدة في السابق التأثير على نتائج الانتخابات الإيطالية عام 1948. بحسب توثيق الكاتب تيم وينر في كتابه بعنوان «تركة من رماد»، بهدف إبعاد الشيوعيين عن الحكم. وبعد ذلك بخمس سنوات، أدارت وكالة الاستخبارات الأميركية «سي أي إيه» انقلابا على محمد مصدق، الرئيس الإيراني المنتخب بطريقة ديمقراطية، لتقوم بعده بتعيين الشاه مع بريطانيا.
وقالت الوكالة في أحد تقاريرها الذي رفعت عنه السرية إنه «جرى تنفيذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بمحمد مصدق وبحكومته من الجبهة الوطنية بتوجيهات من وكالة الاستخبارات الأميركية كجزء من السياسة الخارجية الأميركية، واعتمدتها أعلى جهات في الحكومة الأميركية».
إلى ذلك، كانت هناك حالات تدخل مشابهة عبر السنين في غواتيمالا، وتشيلي، وحتى في اليابان، واعتبرت من تداعيات ديمقراطية ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث هيمن الحزب الديمقراطي الليبرالي على مقاليد الحكم في الخمسينات والستينات بفضل ملايين الدولارات التي دفعتها الاستخبارات الأميركية كدعم سري. الفارق الوحيد هذا العام أن تلك الجريمة وجهت للولايات المتحدة بسواعد روسية، ومساعدة من مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء التي اقتبست رسائل بعينها وروجتها.
* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟