دخل الأفراد يتزايد في أميركا لكن من دون عدالة

الفئة الأغنى ما زالت تحصد غالبية ثمار النمو

بحسب تصريحات البيت الأبيض الأخيرة فقد أدت ثماني سنوات من حرب الخنادق في واشنطن إلى تراجع حصة الفئة الأغنى (نيويورك تايمز)
بحسب تصريحات البيت الأبيض الأخيرة فقد أدت ثماني سنوات من حرب الخنادق في واشنطن إلى تراجع حصة الفئة الأغنى (نيويورك تايمز)
TT

دخل الأفراد يتزايد في أميركا لكن من دون عدالة

بحسب تصريحات البيت الأبيض الأخيرة فقد أدت ثماني سنوات من حرب الخنادق في واشنطن إلى تراجع حصة الفئة الأغنى (نيويورك تايمز)
بحسب تصريحات البيت الأبيض الأخيرة فقد أدت ثماني سنوات من حرب الخنادق في واشنطن إلى تراجع حصة الفئة الأغنى (نيويورك تايمز)

هل من حل لإيقاف وتيرة الظلم المتسارعة؟ فقد حققت العائلات الأميركية أعلى وتيرة لزيادة الدخل منذ شرعت الحكومة في عمل هذا النوع من الإحصائيات في الستينات من القرن الماضي.
لكن الارتفاع كان أعلى ضمن الفئة الأغنى، التي لا تمثل سوى 1 في المائة من السكان، حيث زاد مستوى الدخل مقارنة بالحال عن بداية تولي أوباما الرئاسة.
فقد قاد أوباما أكثر الإدارات تقدمية منذ عهد الرئيس السابق ليندون جونسون منذ نحو نصف قرن، بأن رفع الضرائب على الأغنياء، كي يوسع شبكة الأمان للفئات الأقل حظا.
وبحسب تصريحات البيت الأبيض الأخيرة، فقد أدت ثماني سنوات من حرب الخنادق في واشنطن إلى تراجع حصة الفئة الأغنى، أو طبقة الواحد في المائة، من 16.6 في المائة إلى 15.4 في المائة من الدخل القومي، وفي المقابل أدى ذلك إلى زيادة حصة الخُمس الفقير من العائلات الأميركية بواقع 0.6 في المائة لتصل حصتها الإجمالية 4 في المائة من الدخل القومي.
ساعدت تلك السياسات أيضا في ميل الحزب الجمهوري يمينا أكثر من ذي قبل، مما أدي إلى ظهور حزب الشاي الذي لا تزال تتسبب معارضته القوية لجهود الحكومة في إعادة توزيع الدخل في هزات للسياسة الأميركية. ولم تفعل تلك السياسات ما يهدئ الأوضاع، بل زادت من حدة سخط وغضب الطبقة العاملة من الأميركيين البيض الذين شعروا بأنهم باتوا في العربة الأخيرة لقاطرة التقدم، وهو ما أدى إلى انتصار دونالد ترامب الذي اقترح خطة ضريبة جاءت بمثابة هدية فخمة للأثرياء.
المسألة هنا لا تعني أنه كان على الرئيس أوباما أن يفعل أكثر مما فعل، فربما قد فعل كل ما بوسعه في ظل الظروف المتاحة، لكن المسألة هي أن تقليل الفوارق بين الطبقات بشكل كبير قد يستلزم أمورا بغيضة وكارثية لم نشهدها بعد ولا يتمنى أي منا أن يراها.
فمن روما القديمة إلى نهاية القرن التاسع عشر، ومن الثورة الروسية إلى عصر «الدخل المضغوط» في الولايات المتحدة في منتصف القرن العشرين، قد أظهرت جميع المحاولات أن دفع الاتجاه العام ناحية مزيد من توزيع الدخل، سواء في الولايات المتحدة أو في العالم بصفة عامة، قد يكون شبه مستحيل.
تلك هي الجدلية الكئيبة التي تناولها والتر شايدل، أستاذ التاريخ بجامعة ستانفورد في كتابه بعنوان «المساواة العظيمة» (مطابع جامعة برينستون) المتوقع صدوره قريبا. ويذهب الكاتب في جدله بالقول إن فقط «الحرب النووية هي القادرة على القيام بإعادة توزيع مصادر الثروة. فالتاريخ يقول إن السياسية السلمية قد أثبتت عدم عدالتها في مواجهة التحديات المتزايدة القادمة».
فالبروفسور شايدل هنا لا يقدم نظرية موحدة حول التفاوت، لكن بالعودة لوقائع التاريخ، توصل الكاتب لنموذج محدد: فمنذ العصر الحجري حتى العصر الحالي، ومنذ وعى الإنسان معنى الادخار، فقد أدى النمو الاقتصادي دوما إلى تفاوت كبير في الدخول، لكن شيئا واحدا مهولا يمتلك القوة القادرة على إيقاف تلك الآلية، لكنه ليس بالشيء اللطيف للأسف؛ إنه العنف، فلحظات المساواة الكبيرة في التاريخ لم تحدث لأسباب متشابهة، بحسب الكاتب: «لكن الوسيلة واحدة وهي تحطيم النظام القائم».
فانهيار الإمبراطورية الرومانية في النصف الثاني من القرن الخامس، الذي كان داء الطاعون أحد أقوى أسبابها، أدى إلى حدوث كبرى حالات المساواة في أوروبا بعد انهيار الإنتاج، ومصادرة الأصول الضخمة للطبقة الأرستقراطية، وتحطم الشبكة التجارية والبنية المالية لروما.
لكن التفاوت عاد مجددا بداية من عام 1300 عندما تكدست الثروات في يد خمسة في المائة فقط من السكان بمدينة بيدمونت الإيطالية، لكن طاعونا آخر دخل تاريخ البشرية تحت اسم الموت الأسود «بلاك ديث» أدى إلى تغيير كل ذلك عندما تسبب في موت نحو ربع سكان أوروبا في القرن الرابع عشر، مما قلص من حصة أثرياء مدينة بيدمونت بواقع 35 في المائة أو يزيد.
من المفترض أن تضايق نظرة شايدل المحبطة الساسة الليبراليين وعلماء الاجتماع الذين يفضلون بطبيعتهم العيش في عالم تكون فيه الأحداث قادرة على تحريك الأنظمة السياسية والاجتماعية بصورة أكثر عدلا وإنصافا، أي في عالم توزع فيه ثمار النمو بعدالة من دون الحاجة للطاعون أو المقصلة أو انهيار الدولة.
إن الفهم الشائع لتفاوت الدخل، على الأقل حتى وقت قريب، كان ألطف من فهمهم الحالي، فبحسب طرح الخبير الاقتصادي الأميركي، روسي المولد، سايمون كزنتس، في الخمسينات، فقد زاد التفاوت خلال المراحل الأولى لعصر الثورة الصناعية حين حصلت الأقلية الناجحة على فرص جديدة، لكن التفاوت كان يستقر في أوقات ويتراجع في أوقات أخرى مع انتشار التعليم العام، وزيادة الأجور وتطبيق التأمين الاجتماعي، وجميعها عناصر ساهمت بشكل سلمي في زيادة مستوى دخل الشرائح الدنيا من المجتمع.
وبحسب برانكو ميلانوفيتش، أستاذ الاقتصاد بالدراسات العليا بجامعة سيتي بنيويورك: «تفسح تحليلات البروفسور شايدل المجال أمام قوى التغيير الناعمة»، إذ إن كتابه «التفاوت العالمي» الذي صدر العام الحالي (عن مطابع جامعة هارفارد) يتبنى وجهة نظر أكثر تعاطفا مع تحليل سايمون كزينيتس.
وتساءل ميلانوفيتش في تعليقه عن أطروحة البروفسور شايدل قائلا: «لهذا الحديث معنى واضح، لكن هل أرى حقا أن تلك هي القصة الكاملة لكيفية تراجع حدة التفاوت؟ الإجابة لا».
ويجادل روبرت جوردان، المؤرخ الاقتصادي بجامعة نورثويست الذي نشر مؤخرا كتاب «صعود وهبوط النمو الأميركي» (بينستون)، أيضا، في أن رؤية شمايدل أضيق مما ينبغي، فالمجتمعات وأنظمتها السياسية قد تحتاج للصدمات الكبيرة كي تتصدى لهوة التفاوت المتسعة، لكن أحيانا يكون العنف أمرا لا مفر منه.
قدم الرئيس الأميركي السابق فرانكلين روزفيلت حزمة من البرامج الاقتصادية الجديدة التي عرفت باسم الصفقة الجديدة «ذا نيو ديل» باعتبارها جهدا شعبيا كبيرا لتعويض نقص فرص التوظيف وزيادة الدخل والإنفاق في مواجهة فترة الكساد التي اجتاحت الولايات المتحدة في الثلاثينات، ولم تكن الحرب هي ما فكر فيه، وفق جوردان.
واعتبر جوردان أن «خلق وضع سياسي صحيح يستلزم إحداث صدمة كبيرة، لكن هكذا هي السياسة التي تغير الأشياء»، مضيفا أن «فترة الكساد العظيم أوجدت فرصة سياسية كبيرة، مثلما حدث عندما أوجد اغتيال الرئيس جون كينيدي لحظة سياسية فارقة لسلفه لندون جونسون».
ولا تزال لكمات العنف أقوى تأثيرا مقارنة بغيرها من المؤثرات، فقد وفرت الصفقة الجديدة دفعة كبيرة في سبيل تحقيق المساواة عن طريق زيادة عضوية النقابات، وتوفير الوظائف للفئات الأقل حظا في التعليم وزيادة نسب الضرائب. لكن الحرب العالمية الثانية كانت أشبه بتغيير للعبة، فقد رفعت من مستويات الدخل للفئة القابعة في قاع المنظومة الاجتماعية بزيادة الطلب على العمالة غير الماهرة لخدمة الجهود الحربية.
وعززت حالة التماسك الاجتماعي وروح التضحية التي أوجدتها الحرب من المساواة المجتمعية وروح الجماعة التي دعمت بدورها الاتجاه لزيادة الضرائب على الطبقات العليا وتقليل الأرباح الضخمة التي طالما جناها كبار التنفيذيين. فخلال الفترة بين عامي 1939 - 1945 تراجع نصيب فئة العشرة في المائة الأغنى في المجتمع بواقع 10 في المائة أو أكثر، ولم تعاود الارتفاع مجددا سوى في حقبة الثمانينات.
لكن أيا كانت العناصر التي ساهمت في كبح جماح حالة التفاوت الكبيرة، فقد تبخرت جميعا الآن.
لكن كثيرا من علماء الاجتماع - لا أشير هنا للساسة ذوي النزعة اليسارية فقط - يودون لو أن هناك طرقا ما تعود بنا لوتيرة تفاوت أقل مثل رفع الحد الأدنى للأجور بتحديد مستوى دخل أساسي عالمي للمساعدة في الحد من الفقر، ورفع ضريبة الدخل على الأغنياء بدرجة كبيرة تتزامن مع فرض ضريبة على الثروات، وتخفيف قوانين الملكية الفكرية، وفرض القيود على الاحتكار، وتنسيق المعايير الدولية المتعلقة بالعمل، وربما تخصيص حصة من رأس المال لكل مواطن بحيث يستفيد الجميع من عائدات الاستثمار المرتفعة.
فلنحلم، وفق التعبير الصريح للبروفسور شايدل: «فأي تفكير جدي في الوسائل المطلوبة لحشد تأييد غالبية الساسة لدعم ذلك، سيفاجأ بأن عليه أن يبدأ من الصفر».
إذن ما الاستنتاج الذي نستطيع الخروج به من تلك الجدلية؟ هل نحن في حاجة إلى حرب عالمية أخرى، سواء باستخدام أسلحة نووية أو من دونها؟ دعونا لا نتمنى حدوث ذلك، فانهيار الدول أمر مستبعد خارج أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، هل المطلوب قيام ثورة إذن؟ لكن احتمالية قيامها ضئيلة في ضوء غياب تحد آيديولوجي قوي للرأسمالية.
فوفق ما أبلغني به شايدل: «من المرجح أن تستمر حالة عدم الاستقرار وتفاوت الثروات التي تسود العالم، وما علينا فعله هو أن نمنع أنفسنا من القلق ونتعلم كيف نحب ما نحن عليه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.