تغير ولاءات المتحاربين يُربك طرابلس

تحشيد ميليشياوي في العاصمة الليبية.. وهروب مئات العائلات إلى الصحراء

مقاتلان ليبيان في طرابلس
مقاتلان ليبيان في طرابلس
TT

تغير ولاءات المتحاربين يُربك طرابلس

مقاتلان ليبيان في طرابلس
مقاتلان ليبيان في طرابلس

دخلت «حكومة الوفاق» التابعة للمجلس الرئاسي إلى العاصمة الليبية طرابلس، أواخر العام الماضي، تحت حماية ميليشيات منتشرة في طرابلس، بعضها تعود أصولها للعاصمة، وبعضها تعود أصولها إلى مدينة مصراتة المشهورة بالحرب والتسليح القوي. ويقول المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر إنه لا يمكن لأي حكومة أن تعمل اعتمادًا على الميليشيات. وراهنًا يوجد في طرابلس ما لا يقل عن عشرين ميليشيا كبيرة بالإضافة إلى عشرات المجاميع المسلحة الصغيرة التي تتخذ من الغابات المجاورة والضواحي البعيدة مقارّ لها. أما الميليشيات الكبيرة فلها تمركزات معروفة.
لا أحد ينام هنا. خرج طابور مكون من خمس سيارات مسلحة واقترب من مقر سجن الهضبة. في المبنى الضخم القريب من طريق مطار طرابلس الدولي المحترق، توجد عشرات من قادة النظام الليبي السابق. من بينهم رئيس مخابرات القذافي وآخر رئيس لحكومته، بالإضافة إلى رئيس جهاز الأمن الخارجي. خلال أقل من أسبوعين تحولت طرابلس إلى برميل بارود كبير. من يريد أن ينتقم ممن؟ كلٌ يضع يده على الزناد ويستعد لإطلاق النار وهو لا يأمن لمن يقف إلى جواره. إنها حروب الإخوة الأعداء. أما السلاح والبارود فمتوافر بلا حدود.
دارت السيارات الخمس حول المقر. هذه تبدو أنها طلعة استكشافية قبل محاولة لاقتحام مقر السجن. من يقف وراءها؟ هل هي قوات تابعة لوزارة الداخلية أم أنها قوات تابعة لوزارة الدفاع؟ وأين المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التابعة له من كل هذا؟ وأين حكومة الإنقاذ المنافسة لها، برئاسة خليفة الغويل؟ في وقت متأخر من الليل ظهرت حركة غير طبيعية في العمارات المجاورة لمبنى السجن من الجهة الشرقية. لقد زاد عدد السيارات المسلحة من خمس إلى أكثر من عشرين كما بدا في وسط العمارات. وبدأت أقدام العناصر الملثمة التابعة للميليشيات تضرب على درجات السلالم. والتمركز على الأسطح.
وبالتوازي مع هذه التحركات الخاطفة والسريعة بدأ فريق آخر من الملثمين في الطرق على أبواب الشقق: اخرجوا.. اهربوا.. توجد حرب هنا. هيا.. هيا. كما أنتم، لا تأخذوا شيئًا لا يوجد وقت. احملوا صغاركم واهربوا فورا. ثم انقطعت الكهرباء عن منطقة الهضبة بالكامل.
في الشوارع المظلمة حيث الريح الباردة التي تضرب بقوة مقبلة من الشمال، تسللت عشرات العائلات وبدأت تهيم في الطرقات بحثا عن مخرج. من لديه أقارب سيذهب إليهم، لكن ما مصير الآخرين الذين لا أقارب لهم ولا أصدقاء يمكن أن يفتحوا لهم أبواب بيوتهم في هذا الوقت المتأخر والمخيف من الليل؟!

مَن يحارب مَن؟
من يحارب مَن؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عنه. فالقوات التي يقودها عسكري قديم يدعى العقيد بادي، بدأت في الدخول إلى طرابلس. لكن لا حكومة التوافق ولا حكومة الإنقاذ المنافسة لها، ولا قادة سجن الهضبة التابعون اسميًا لوزارة العدل، يعلمون بوجهة قوات «بادي»، وما إذا كانت ستحارب مع هذا الفريق أو ذاك. إنها أيام المتاهة.. إنها ليلة طويلة لن ينام فيها أحد في طرابلس. أولا لديك فريق من الجماعة الليبية المقاتلة الموالية في الأصل لتنظيم القاعدة، يريد أن يهاجم سجن الهضبة الذي يديره قيادي في الجماعة نفسها يدعى «أبو حازم». لقد تحول أبو حازم، منذ شهور، إلى خصم لرفاقه القدامى، وهذا أمر شرحه يطول وسترد تفاصيله لاحقًا.
ولديك فريق ثان هو خليط من الجماعة المقاتلة ومن جماعة الإخوان ومن مجموعة الغرياني، أو المفتى الليبي السابق. وأكثر قادة هذا الفريق أصبح لديهم نزوع قوي للانتقام لمقتل أحد الدعاة المحسوبين عليهم، ويدعى الشيخ نادر العمراني. لقد قُتل العمراني في ظروف غامضة، لكن المسؤولية جرى تعليقها في عنق جماعة منافسة تعمل تحت لافتة وزارة الداخلية، رغم أنها لا تتبع الوزارة في أي شيء عدا الحصول على الرواتب الشهرية لعناصرها. بدأ الاحتشاد بين كثير من هذا النوع من الفِرق منذ أواخر الشهر الماضي. ومع بداية الشهر الحالي بدأ فتيل الحرب يشتعل في ضواحي في طرابلس. أصبح في الإمكان سماع دوي الانفجارات ورؤية ألسنة الدخان الأسود وهي تتمايل مع الريح فوق رؤوس العمارات.
أعادت الدبابات تمركزها في ضاحية أبو سليم، وظهرت طوابير السيارات الصغيرة ذات الدفع الرباعي والمحمول عليها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمترًا. وانفجرت عدة صواريخ من نوع «غراد» في محيط منطقة معيتيقة التي يوجد فيها مطار مدني وسجن وعدة معسكرات لجماعات مسلحة متنافسة. اشتعلت حدة الاشتباكات جوار فندق ريسكوس ومجمع قصور الضيافة ومنطقة بن غشير. وسقط حولي عشرة قتلى وأصيب عشرات آخرون.
شغل «أبو حازم» منصب وكيل وزارة الدافع الليبية عقب سقوط نظام القذافي. وفي الوقت الحالي يدير سجن الهضبة. وهو قادم في الأساس من الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان. كانت له علاقات جيدة مع زملائه القدامى، ومن بينهم عبد الحكيم بلحاج، القائد السابق في طرابلس. ومن بينهم أيضًا سامي الساعدي، وعبد الوهاب قائد شقيق أبو يحيى الليبي الذي قتل في غارة أميركية في عام 2012 في باكستان. كل هؤلاء، وغيرهم، أعضاء لهم أهمية في الجماعة الليبية المقاتلة التي تأسست في أفغانستان في أواخر ثمانينات القرن الماضي. لكن خلال السنوات الخمس التي أعقبت مقتل القذافي أصبحت العلاقات فيما بينهم ليست على ما يرام في معظم الوقت. وتصل المنافسة فيما بينهم أحيانًا إلى درجة الاقتتال، كما حدث الأسبوع الماضي.

اختلاف الولاءات
ظهرت معظم المشكلات بين المجاميع المسلحة التي يديرها قادة من «الجماعة الليبية المقاتلة» بسبب اختلاف الولاءات في العاصمة، إذ إن الغالبية العظمى من قادة هذه الجماعة ينشطون فقط في طرابلس. ومن النادر أن تجد لهم مقاتلين أو تشكيلات مسلحة خارج العاصمة. على سبيل المثال كان المقاتلون التابعون لـ«الشيخ الساعدي» يعملون جنبا إلى جنب مع المقاتلين التابعين لـ«أبو حازم»، لكن مجموعة من أنصار الساعدي شاركت في عمليات لم يرض عنها «أبو حازم». كما أن موالين للساعدي أصبحت لديهم علاقات عسكرية قوية مع قادة في جماعة الإخوان. أضف إلى ذلك أن الساعدي مسؤول في دار الإفتاء التي يرأسها الغرياني.
الشيخ العمراني الذي قُتل قبل أسبوعين، كان محسوبا على جماعة الساعدي وعلى جماعة دار الإفتاء وعلى جماعة الإخوان المسلمين أيضًا. وهذا التيار لم يعد ينسجم مع التيار الذي يقوده «أبو حازم». أما أهمية هذا الأخير فتكمن في عدد السجناء الذين يخضعون لإدارته ونوعهم. غالبيتهم سجناء من عهد النظام السابق، لكن يوجد أيضًا سجناء من تيارات مختلفة. من بينهم سجناء تابعون لتنظيم داعش، جرى القبض عليهم أثناء قدومهم من منطقة الحرشة والزاوية إلى العاصمة. وتعد الحرشة والزاوية مناطق نفوذ لخليط من قادة المتطرفين. من بينهم فرع للجماعة الليبية المقاتلة بقيادة أبو المنذر. ومن بينهم فرع آخر يديره رجل خطير يدعى «هدية»، ولدى هؤلاء اتصالات وتنسيق مع فرع من فروع جماعة الإخوان في غرب طرابلس.
ومن بين الاتهامات الموجهة إلى «أبو حازم» أنه يستغل سجناء النظام السابق للتفاوض بشأنهم وتحقيق مصالح سياسية له. كما أن احتجازه لعناصر تابعة لجماعات أخرى جعل السجن في مرمى النيران. حين بدأت التحركات العسكرية على أرض طرابلس لم يكن أحد يعلم على وجه الدقة مَن يريد أن يهاجم مَن، ولماذا. المتهمون بقتل الشيخ العمراني كانوا يتحصنون في منطقة معيتيقة. والمتهمون بالتعاون مع قادة من النظام السابق يتمترسون خلف مواقعهم في منطقة الهضبة. والمتهمون بقتل مخزن أسرار أبو المنذر ويدعى «بوخشيبة»، يتحصنون في ضاحية «أبو سليم»، وهم متهمون أيضًا بالتعاون مع كل من تنظيم داعش وتنظيم جند الحق التابع له (في الحرشة والزاوية.
وفي الأول من الشهر الحالي، انطلقت مجموعة من السيارات المدججة بالمدافع والمقاتلين الذين يحملون الأسلحة الرشاشة وقذائف الـ«آر بي جيه»، إلى «أبو سليم». وبدأت الاشتباكات مع مجموعة محسوبة على الجماعة الليبية المقاتلة بقيادة رجل يدعى درمان. المشكلة هنا تكمن في أن مجموعة درمان لديها تعاون مع متطرفي «الحرشة والزاوية».. أي من «داعش» و«جند الحق». وهذان التنظيمان لديهما تعاون مع المجموعة المتمركزة في أبو سليم. كانت حرب متداخلة يتقاتل فيها رجال كانوا حتى عصر اليوم يتناولون طعام الغداء مع بعضهم بعضًا. والآن جرى اجتياح معسكر 77 وغابة النصر. لتشتعل النار بعد ساعات أمام بوابة سجن الهضبة.

صراع «الحكومتين»
وفي اليومين التاليين بدأ قادة سياسيون من المحسوبين على «اتفاق الصخيرات» والمجلس الرئاسي وحكومته يتخذون تدابير احتياطية لحماية ما تبقى من مقرات لهم في العاصمة. فقد كانت ميليشيات تابعة لحكومة الإنقاذ التي يرأسها الغويل، قد استولت على بعض المقار التابعة لحكومة الوفاق. ومن بين المشكلات التي يواجهها القادة السياسيون في طرابلس، سواء كانوا من المجلس الرئاسي أو من حكومة الإنقاذ، هي سرعة تغير ولاءات الميليشيات. فإذا لم يتمكن المجلس الرئاسي من صرف رواتب هذه الميليشيا، اتجهت بكشوف الصرف إلى حكومة الإنقاذ. ومن أشهر المجاميع التي فاجأت الطرابلسيين بتغيير ولائها بسبب تأخر الراتب، مجموعة ما يعرف بـ«الحرس الرئاسي» التي انتقلت بكل بساطة من حراسة مقار مجلس السراج إلى حراسة مقار الغويل.
غالبية الميليشيات تتقاضى رواتب من خزينة الدولة. وهذا النظام جرى وضعه على يد الحكومات التي جاءت بعد سقوط نظام القذافي. وكان الحكام الجدد الذين ظهروا في العاصمة منذ عام 2012 قد قرروا الاعتماد على الميليشيات في حماية المقار الحكومية والسفارات الأجنبية والمنشآت العامة وحراسة الحدود، في مقابل تخصيص ملايين الدولارات كرواتب شهرية لعناصر هذه الميليشيات.
وفي الحرب الأخيرة ظهر في الخلفية تنافس بين المجلس الرئاسي وحكومة الإنقاذ على شراء ولاءات الميليشيات بتخصيص أجولة من الدولارات لقائد هذه الميليشيا أو تلك. ويقول كوبلر إن العاصمة بصدد تشكيل حرس نظامي يتولى حماية المقار الحكومية والسفارات والمنشآت المهمة. ووجد البرلمان الليبي الذي يعقد جلساته في شرق البلاد الفرصة ليقول قبل يومين إنه لا يمكنه أن يتعامل مع مجلس رئاسي يعتمد على ميليشيات.
إلا أن الواقع على الأرض يتغير سريعًا. فبمرور الوقت وتراجع درجة الثقة في المتحاربين داخل طرابلس، أرسل عدد من القادة المحسوبين على اتفاق الصخيرات والمجلس الرئاسي طالبين النجدة من أبناء عمومتهم في مدينة مصراتة ذات التسليح القوي. كان معظم مقاتلي مصراتة يحاربون تنظيم داعش في سرت، تحت اسم «قوات البنيان المرصوص». وصدرت الأوامر: «تعالوا لنجدتنا في طرابلس. اتركوا سرت وتعالوا». كيف هذا.. والحرب لم تنته بعد في سرت؟! وجرى التوجيه بإصدار بيان يعلن انتهاء القتال في سرت وتطهيرها من «داعش». وهو أمر أغضب كثيرًا من القادة العسكريين في «البنيان المرصوص». لكن هذا لم يمنع من توجيه أرتال من جبهة سرت لحماية مقار المجلس الرئاسي في طرابلس.
وفي الشوارع، كانت النيران تشتعل في العاصمة. وسمع صوت قذائف المدفعية في منطقة بن غشير. ثم ارتفع هدير الانفجارات في ضاحية أبو سليم. وغطى الدخان الأسود سماء المدينة.
يشغل العمراني عضوية دار الإفتاء الليبية. وتعرض في مطلع الشهر الماضي للاختطاف. وأبدى عدد من قيادات الجماعة الليبية المقاتلة تعاطفًا. وشارك بعضهم في ندوة تدعو إلى سرعة الإفراج عنه بحضور ابنته، سارة، التي ألقت كلمة مؤثرة أبكت بعض الحاضرين. لكن جرى بعد ذلك بنحو ثلاثة أسابيع بث شريط فيديو يتضمن اعترافات من أحد الشهود على واقعة قتل العمراني على يد إحدى الجماعات المحسوبة اسميًا على وزارة الداخلية التابعة للمجلس الرئاسي.
ولم يستغرق حشد المقاتلين للانتقام وقتًا طويلاً. فجأة بدأت التحركات في مناطق اسبيعة وسوق السبت وسوق الخميس. وقامت قوة مسلحة مشتركة، تضم عناصر من كتائب طرابلس ومصراتة، ومحسوبة على الغرياني بمداهمة مبنى جهاز مكافحة الجريمة الموجود في منطقة اسبيعة. وتتهم الجماعة المحسوبة على الغرياني أحد مسؤولي الجهاز بقتل العمراني بسبب خلافات في التوجه الديني.
وبدأت قوات الردع المستهدفة من قوات الغرياني تستعد للدفاع عن نفسها في قاعدتها الرئيسية في منطقة «امعتيقه» والمناطق والطرق المحيطة بها. وأخرجت أسلحتها الثقيلة. ومن الجانب الآخر احتشدت قوات تابعة لـ«بادي» في منطقة صلاح الدين وطريق المطار. وبالتزامن مع هذا دخلت السيارات الخمس لاستطلاع منطقة الهضبة تمهيدًا للهجوم على السجن. لم يكن عليها أي شيء يدل على هويتها أو تبعيتها لأي كتيبة أو ميليشيا. وجرى على الفور تحريك الدبابات إلى باب المقر، وزيادة عدد الحراسة حول السجن ونشر القناصين وتزويد أفراد الحراسة في أبراج السجن بقذائف «آر بي جيه».

البُعد القَبَلي
الذي أسهم في صب مزيد من الزيت على نيران طرابلس، من الخفاء، مجموعة سياسيين كانوا يخشون على ما يبدو من اتهامهم بالوقوف وراء حرب أخرى كانت تدور رحاها بالدبابات بين قبيلة القذاذفة وقبيلة أولاد سليمان في سبها على بعد 600 كيلومتر جنوب العاصمة. من بين ما ظهر من اجتماعات جرت حول هذا الموضوع أن أي اشتباكات في طرابلس من شأنها أن تبعد الأنظار عن سبها وما يجري فيها من اقتتال. وزادت وتيرة التحركات العسكرية في العاصمة خصوصًا قرب منطقة اسبيعة. وبدأت التحذيرات للمواطنين من خطورة التحرك في الطرق والشوارع. وعمم المجلس البلدي في منطقة غريان، غرب طرابلس تنبيها للمواطنين القاطنين في الجبل الغربي من مغبة استخدام طريق اسبيعة في حال توجههم للعاصمة.
ودعا الغويل الليبيين إلى الوحدة وقطع الطريق على من سماهم بالعابثين بأمن الوطن والمواطن. وأصدر أعضاء في المجلس الرئاسي بيانات مماثلة. لكن مَن يسمع؟! لقد وصف أحد هؤلاء الأعضاء قياديًا ميليشاويًا بأنه «لن يستمع للتحذيرات.. إنه يفقد عقله حين يستمع لصوت الرصاص». وبدأ القلق يصل إلى الدول الكبرى. وتلقى رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج اتصالات للاطمئنان. وظهرت طائرة مراقبة أجنبية ذات لون أبيض في سماء العاصمة. طائرة معروفة من دون طيار.
مع هذا اشتعلت الاشتباكات في عدة مناطق. كان هناك خوف من جانب بعض الميليشيات المحسوبة على «الإخوان» وعلى عدد من قادة الجماعة المقاتلة، من تهريب «أبو حازم» لسجناء الهضبة. وفي اليوم التالي تمكنت إدارة السجن من تحديد هوية السيارات الخمس التي تستطلع الأوضاع في منطقة السجن. إنها لمجموعة تاجوراء. والآن تمركزت هذه السيارات أمام بوابة مبنى التموين المقابل للسجن. وبدأ الرماة يجهزون قواذف الـ«آر بي جيه» للرد. لكن السيارات تراجعت واختفت داخل المنطقة السكنية حيث تتمركز باقي قواتها هناك. وصدرت تعليمات بملاحقتها والقبض على من فيها. وبدأت المطاردات ليلاً داخل منطقة العمارات.
وخلال ذلك أصدرت القوات التي تتمركز داخل عمارات الهضبة وعمارات صلاح الدين، تعليمات للسكان بمغادرة بيوتهم. وفعلت ذلك بينما كانت عناصرها تحتل الأسطح وتحولها إلى مواقع للقناصين. وخرج تحت جنح الليل وفي ريح الشتاء الباردة أكثر من 230 عائلة بأولادهم وأطفالهم، وتوجهوا إلى الوديان الجنوبية، لينضموا إلى عدة مئات من أهالي طرابلس الهاربين من الاحتراب الميليشياوي في العاصمة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.