استقالة رينزي.. خيبة أمل أوروبية وانتصار للشعبويين

الرئيس طالبه بتأجيلها والمعارضة تدعو إلى انتخابات مبكرة

احتجاجات خارج مقر رئيس الحكومة الإيطالي ماتيو رينزي بروما أمس (أ.ب)
احتجاجات خارج مقر رئيس الحكومة الإيطالي ماتيو رينزي بروما أمس (أ.ب)
TT

استقالة رينزي.. خيبة أمل أوروبية وانتصار للشعبويين

احتجاجات خارج مقر رئيس الحكومة الإيطالي ماتيو رينزي بروما أمس (أ.ب)
احتجاجات خارج مقر رئيس الحكومة الإيطالي ماتيو رينزي بروما أمس (أ.ب)

طلب الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، أمس، من رئيس الوزراء ماتيو رينزي تأجيل استقالته للمدة الكافية للإشراف على إقرار ميزانية البلاد لعام 2017. وأكّد مكتب الرئاسة ذلك، بعد أن اجتمع رينزي بالرئيس عقب إعلانه نيته الاستقالة نتيجة الهزيمة المدوية للاستفتاء الذي طرحه لاجراء تعديلات دستورية.
وأعلن رينزي نيته الاستقالة أمس، غداة هزيمته في الاستفتاء على الإصلاحات، ما أشاع أجواء فرح لدى الشعبويين وأثار القلق في أوروبا.
وقال رينزي، حتى قبل الإعلان الرسمي عن رفض إصلاحاته في الاستفتاء بنسبة 59.11 في المائة، إن «مسيرتي رئيسا للحكومة تتوقف هنا». وأضاف رينزي اليساري الوسطي، البالغ من العمر 41 عاما: «خسرت، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك».
وجاءت ردود فعل قادة الاتحاد الأوروبي وفق التوقعات، إذ عبر أغلبهم عن أسفهم وخيبة أمل. وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمس، إنها «تأسف لاستقالة رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي»، لكنها تحترم قراره بعد هزيمته في استفتاء على تعديلات دستورية. وأضافت للصحافيين في مدينة أسن قبل مؤتمر لحزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي: «(أنا) حزينة، لأن الاستفتاء في إيطاليا لم يأت بالنتيجة التي كان يتمناها رئيس الوزراء، لأنني كنت دائما مشجعة لسياساته الإصلاحية. لكنه قرار خاص بإيطاليا وعلينا أن نحترمه». وأردفت: «من وجهة نظري، سنواصل عملنا في أوروبا، ونركز على ما يجب التركيز عليه».
من جهته، قال وزير المالية الفرنسي ميشال سابين، إن هزيمة رئيس وزراء إيطاليا في الاستفتاء «لن يغير مكانة البلاد في أوروبا». وأوضح لدى وصوله إلى اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: «إيطاليا بلد قوي.. بلد مرتبط بالمشروع الأوروبي، وأعرف أن هذا لن يكون له تأثير على رغبتنا في مواجهة الصعوبات في أوروبا وبناء أوروبا أكثر ديناميكية».
من جانبها، اعتبرت المفوضية الأوروبية أن الرفض الإيطالي للإصلاحات الدستورية «لن ينعكس سلبًا على الاتحاد». وأشار الجهاز التنفيذي الأوروبي على لسان المفوضة الأوروبية المكلفة بالشؤون الاجتماعية، ماريان تايسن، إلى أن الاتحاد لا يعتبر إيطاليا الآن خطرًا على الاتحاد، رغم وجود بعض التقلبات في السوق المالية. ومضت تايسن قائلة، خلال إيجاز صحافي في بروكسل: «ننتظر من القوى الديمقراطية ومؤسسات الدولة الإيطالية أن تعطي ردًا سياسيا قويًا بعد الاستفتاء». وشددت المسؤولة الأوروبية على أن التصويت بـ«لا» على الإصلاحات الدستورية الإيطالية هو خيار الشعب، وليس موضوعًا أوروبيًا.
في المقابل، يبدو أن الجهاز التنفيذي الأوروبي قد وجد بعض «الارتياح» في نتائج الانتخابات الرئاسية النمساوية، التي أسفرت عن فوز مرشح حزب الخضر ألكسندر فان ديربيلين، على مرشح اليمين المتطرف نوربير هافر. وبهذا الصدد، عبرت المفوضية الأوروبية عن سعادتها بأن الاتحاد الأوروبي كان في قلب نقاش الحملة الانتخابية الرئاسية في النمسا: «ورأينا النتائج تتحدث عن نفسها»، حسب الناطق باسم المفوضية ماغاريتس شيناس.
وبعد اجتماع أخير لمجلس الوزراء مساء أمس، توجه رينزي إلى القصر الرئاسي ليقدم استقالته للرئيس سيرجيو ماتاريلا الذي سيتولى إدارة المرحلة الانتقالية. ويمكن أن يدعو الرئيس إلى انتخابات مبكرة أو على الأرجح تعيين حكومة «تكنوقراط» لتعديل القانون الانتخابي، في حين طالب الشعبويون ممثلين بحركة «رابطة الشمال» وحزب «خمس نجوم» بحل البرلمان على الفور. وقال زعيم «خمس نجوم»، بيبي غريلو، على مدونته: «تجب دعوة الإيطاليين للتصويت في أسرع وقت ممكن». وأضاف: «بوصفنا القوة الأولى في البلاد، نحن مستعدون للقيام بكل ما يلزم لتنظيم انتخابات (..) اعتبارا من الأسبوع المقبل، سنبدأ بالتصويت عبر الإنترنت على برنامجنا الانتخابي، ومن ثم على تشكيلة فريقنا».
وأفادت آخر الاستطلاعات، بأن حزب «خمس نجوم» يمكن أن يحصل على الغالبية في مجلس النواب، مستفيدا من استياء الشعوب من النخب الذي دفع البريطانيين إلى التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو إلى انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة، أو إلى حصول اليمين المتطرف على 47 في المائة من الأصوات في النمسا. وقد هنأت زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسية، مارين لوبين، «رابطة الشمال» التي ترى أنها أصبحت على أبواب السلطة.
ولكن القانون الانتخابي الذي أقر في مايو (أيار) 2015، ينصّ على منح أغلبية في مجلس النواب إلى الحزب الذي يفوز بأكثر من أربعين في المائة من الأصوات في الدورة الأولى أو يفوز في دورة ثانية بين الحزبين الرئيسيين الفائزين.
لكن هذه الأغلبية لا تنطبق إلا على النواب، وبذلك فإن فشل الإصلاح أبقى على انتخاب مجلس الشيوخ على أساس النسبية واحتفظ المجلس بكل صلاحياته، مما يمكن أن يعرقل حكم البلاد. وتبدو سائر الأحزاب التي تشكل أغلبية في البرلمان الحالي متفقة على ضرورة إجراء تعديل انتخابي تبقى خطوطه غير واضحة.
وقالت وسائل الإعلام الإيطالية، إن رينزي أمضى ساعة كاملة صباح أمس مع الرئيس ماتاريلا. وفي بيان مقتضب، أثنى الرئيس على المشاركة الكثيفة التي بلغت 65 في المائة في الاستفتاء، والتي قال إنها دليل «على ديمقراطية قوية»، ودعا إلى «الهدوء والاحترام المتبادل». وتحدث الرئيس عن «الالتزامات والاستحقاقات الواجب الالتزام بها في كل الأحوال».
وقال المراقبون، إن الأمر يتعلق أولا بتبني الميزانية، وهذه ستكون المهمة الأولى لحكومة التكنوقراط، إلا إذا فعلت الحكومة الحالية ذلك قبل استقالتها.
وحتى قبل الاستفتاء، طرحت أسماء عدة لتولي رئاسة الحكومة، بينها بيير كارلو بادوان وزير المالية الذي ألغى مشاركته في اجتماع مجموعة اليورو في بروكسل ليبقى في روما، أو رئيس مجلس الشيوخ بيترو غراسو. وأمام ضبابية الموقف، يخشى شركاء إيطاليا الأوروبيون والأسواق المالية من مرحلة عدم استقرار سياسي في ثالث اقتصاد في منطقة اليورو، في حين تبدي المصارف الإيطالية مؤشرات ضعف مقلقة.
وقال وزير الخارجية الألماني، فرنك فالتر شتاينماير، إن رفض الإصلاحات «ليس رسالة إيجابية لأوروبا في هذه الأوقات العصيبة». وصباح أمس، سجلت بورصة ميلانو تراجعا طفيفا، لكن تم احتواء التوتر في سوق الإقراض واستعاد اليورو بعض عافيته بعد أن انخفض ليلا إلى أدنى مستوى له منذ مارس (آذار) 2015. وأكدت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز»، أن نتيجة الاستفتاء لن تؤثر على علامة الدين السيادي الإيطالي. وقال الخبير الاقتصادي لورنزو كودونيو، إن «رفض الإصلاحات أخذ أصلا في الاعتبار».
وبعد أكثر بقليل من ألف يوم على رأس الحكومة، وهي عتبة لم يتجاوزها قبله سوى بيتينو كراكسي وسيلفيو برلسكوني، يترك رينزي إيطاليا وقد استأنفت تحقيق النمو لكن ليس بنسب كافية لتغيير المعطيات الرئيسية.
وصل رينزي إلى السلطة في فبراير (شباط) 2014، بناء على برنامج إصلاحات واسع وتجاوز الطبقة السياسية القديمة في بلده. لكن على الرغم من ديناميته، لم ينجح في إقناع الإيطاليين.
ودعت أغلبية واسعة من الطبقة السياسية، من اليمين التقليدي إلى الشعبويين مرورا بكل المتطرفين وحتى «المتمردين» اليساريين في الحزب الديمقراطي الذي يتزعمه رينزي، إلى التصويت بـ«لا»، ونددت بتركيز الصلاحيات بأيدي رئيس الحكومة.
وكتب ماريو كالابريزي، مدير صحيفة «لا ريبوبليكا»، أن كثيرين رفضوا الإصلاحات، وأنه إلى جانب هذا التوافق السياسي و«تعبئة الذين يريدون تجنب أي تعديل في الدستور»، يجب الإشارة إلى «الغضب والإحباط والاستياء: أصوات الذين قالوا لا للبطالة وللأوضاع الهشة وللشكوك وللإفقار، وكذلك للمهاجرين».
ولم يعرف ما إذا كان رينزي سيغادر قيادة حزبه المنقسم أيضا، بعد معركة الاستفتاء التي دفعت عددا من قادته إلى الانضمام إلى معسكر رافضي الإصلاحات الدستورية.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.