«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد

التحذير من تقاعس دولي يسمح باستنبات الفتنة وصناعة النموذج الليبي

«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد
TT

«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد

«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد

يخطط النظام الإيراني للسيطرة على أوراق لعبة دولية كبرى، بوضع مضيق باب المندب تحت رحمة النيران الموالية له على حساب المصالح السياسية والاقتصادية التي لا تخص اليمن وحدها ولا العرب دون غيرهم، بل تشمل العالم بأسره.
ولذلك؛ جاء إعلان الانقلابيين تشكيل حكومة في صنعاء لينسف كل الجهود الرامية إلى حقن الدماء، وفقًا لخبراء، شدّدوا على أن الشعب اليمني لا يريد لمغتصبي السلطة البقاء على كراسي حكم صنعاء، وبالتالي فإن القرار هو للحسم العسكري وفق المعطيات الراهنة. وكل هذا يأتي مع ارتفاع الصوت الوطني وأصوات العقل والحكمة للتحذير من تقاعس دولي ملموس في اليمن، وهو التقاعس الذي من شأنه استنبات الفتنة وصناعة النموذج الليبي.
يرى السياسي والكاتب اليمني الدكتور عبده سعيد المغلس، أن إعلان الانقلابيين اليمنيين في صنعاء تشكيل «حكومتهم» منعطف مهم في تسلسل أحداث مواجهتهم مع دولة الشرعية، التي بدأت بانقلابهم على الدولة يوم 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وبدأت ملامحها وعلاقتها بالدور الإيراني في المنطقة بالانكشاف تدريجيًا. وأضاف المغلس لـ«الشرق الأوسط»، أن «انكشاف ما يجري تدبيره في طهران لخراب صنعاء، بدأ يظهر بداية من الرحلات الأربع عشرة أسبوعيا بين طهران وصنعاء، وإعلان القيادات الإيرانية سقوط العاصمة العربية الرابعة تحت سيطرتهم بعد بيروت ودمشق وبغداد». ولفت إلى أن الدور الإيراني لتخريب اليمن «يتجلى بوضوح عبر مظاهر الطائفية وإقصاء الآخر الذي كُرِّس مع استمرار الدعم الإيراني للانقلابيين، وتوِّج بإلغائهم عند إعلان التشكيل الحكومي رمز الجمهورية والاستعاضة عنه بلفظ الجلالة أسوة بإيران»، مشددًا على أن المشروع الحوثي لا علاقة له بمنهج الله، ولا بلفظ الجلالة. وذكر أن معرفة الأسباب التي أوصلت اليمن إلى هذا المنعطف لن تتم قبل معرفة الأسباب الرئيسية وراء الصراع في اليمن.

أهمية استراتيجية
المغلس يورد سببين رئيسين للصراع في اليمن: الأول دولي المتمثل بأهمية اليمن الاستراتيجية. والثاني داخلي تمثل بالهيمنة على السلطة والثروة. ويشير إلى أن موقع اليمن وثرواته الطبيعية أبرز أسباب الصراع الإقليمي والدولي الذي وظف التباينات الداخلية في هذا الصراع. ويوضح أن «أهمية اليمن الاستراتيجية تكمن في موقعه وثرواته الطبيعية التي لم تُكتشف بعد؛ إذ تتمتع اليمن بموقع استراتيجي مهم يجعل من يسيطر عليه لاعبًا أساسيا في المنطقة، ويعطيه القدرة على التحكم بمدخل باب المندب الذي يُعتبر أحد أهم المعابر المائية في العالم؛ إذ يمر عبره يوميًا 3.3 مليون برميل نفط تُمثل 4 في المائة من الطلب العالمي على النفط، كما تمر عبر المضيق 21 ألف سفينة سنويًا، بما يعادل 10 في المائة من التجارة العالمية. هذه العوامل زادت من أهمية المضيق الاستراتيجية وجعلت منه ثالث مضيق عالمي بعد مضيقي هرمز وملقا».
ثم يتابع: «ما يضاعف أهمية موقع اليمن الاستراتيجي، حسب المغلس، انتشار الجزر البحرية في مياهه الإقليمية على امتداد بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، حيث تمتد حدوده البحرية على جبهتين بطول 2500 كلم، وتطل على بحر العرب وخليج عدن من الجنوب والبحر الأحمر من الغرب. وتسيطر اليمن على مضيق باب المندب أحد أهم المعابر المائية في العالم ولديها 17 منفذا (ميناء) بحريا، وحدودها المشتركة مع المملكة العربية السعودية تمتد على مسافة ألفي كلم، ومع عمان 288 كلم. وفي حين تلعب اليمن دور الرابط المهم بين قارتي آسيا وأفريقيا، يقول المغلس، إن «هذا الموقع جعل منها ساحة صراع إقليمي ودولي، وهو الصراع الذي يعززه أيضًا وجود الثروات الموعودة التي تحتويها الأرض والبحار فيها».

إيران والهيمنة
وبعد رفع إيران شعار الإسلام وفق المذهب الإثني عشري الجعفري منطلقًا لتعزيز دورها الإقليمي ونفوذها الفارسي، أسست لذلك في دستورها الذي أقام الدولة على أساس المذهب، وهو الدستور الذي شرعن تصدير الثورة. وهنا يشرح المغلس أن إيران «بدأت فعليًا الاهتمام في اليمن لأسباب تتعلق بموقع اليمن الاستراتيجي رغبة منها في الهيمنة على المنطقة، وهي الرؤية التي وجدت القبول من الجماعة الحوثية المتمردة». وللعلم، فإن الحوثيين يمثلون أقلية الأقلية الزيدية من سكان اليمن الساعين إلى استعادة دور الإمامة وفق المذهب الجارودي الذي يلتقي مع الإثني عشرية بالأصول والفروع. وحسب المغلس، فإن «انسجام الرؤية الإيرانية مع طموحات التمرد الحوثي، منح طهران القدرة على ضرب أي تجارة نفطية بعد سقوط صنعاء، من دون إلحاق بها أي ضرر؛ كونها لا تستطيع إغلاق مضيق هرمز لأنه سيجعلها في مواجهة مع المجتمع الدولي. لكن بإمكان الحوثيين ضرب قافلة نفطية لدى عبورها مضيق باب المندب بإيعاز من إيران وهذا ما حدث في الفترة القريبة الماضية فعليًا».
ويعتقد المغلس أن «نسج العلاقة بين إيران والحوثيين بدأ في عهد المخلوع علي عبد الله صالح، الذي طالما لعب جميع الأدوار، وصادق جميع الأطياف، وغدر بالشعب والجيران، وضرب من تحت الحزام الأصدقاء قبل الأعداء؛ فهو أمهر من يمارس الشيء ونقيضه». ويذكر الرئيس المخلوع قتل مؤسس الحركة حسين بدر الدين الحوثي، واحتفظ بجثمانه لسنوات عدة حتى سلم جثته ليقام على قبره المزار المعروف، بينما كل مَن قتلهم من خصومه السياسيين لا يعرف لهم مكان حتى اليوم.

إيران.. وصالح
من ناحية أخرى، يقول عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات: «إن الوجود الإيراني في اليمن معترف به من الإيرانيين»، مدللاً على ذلك بتصريحات قيادتهم العسكرية، فضلاً عن ثبوت تدريب وتمويل الحوثيين عبر خلية «أبو مصطفى» التابعة لما يسمى «حزب الله» اللبناني، وهو ما أكدته تقارير دولية. ويلفت إلى أن «القبض على مدربين من (حزب الله) سابقًا والحصول على أنواع صواريخ وأسلحة إيرانية يؤكد وجود اليد الإيرانية في اليمن.. وأن الميليشيات الحوثية ما هي إلا ذراع إيرانية على أرض عربية مهمتها دعم الفوضى في الشمال والجنوب».
أما الدكتور عبد الباقي شمسان، أستاذ علم الاجتماع السياسي اليمني، فيشرح «أن السنوات الفائتة شهدت بدء صراع بين جناحين في حركة الحوثيين، أحدهما غير متشدد في حصر الإمامة والحكم في البطنيين، وآخر متشدد جدًا، وانتصر الأخير بدعم من المخلوع صالح الذي كان يهدف إلى تثبيت نظام حكمه والتعامل معه بوصفه صمام أمان، وذلك من خلال ابتزاز السعودية». وبحسب شمسان: «وصل المخلوع إلى توليفة استخدمها لدعم نظام حكمه باعتبار أتباع الجماعة الحوثية خطرًا شيعيًا تابعًا لإيران ويقع على حدود التماس مع السعودية التي تدرك جيدًا أطماع السلطة في طهران». ويستطرد قائلا: «إن الهدف الإقليمي يسنده هدف داخلي بالنسبة للمخلوع صالح؛ فهو الذي زرع الجماعة الحوثية في خاصرة اليمن، لأنه يريد استخدام هذه الجماعة المتمردة في إنهاك قطاع من الجيش الوطني والقضاء على الشخصيات القيادية المنافسة لنجله من خلال إدخالها في حروب مع الحوثيين. وبالفعل أدخل القيادات المنافسة لنجله في ست حروب كانت تتوقف كلما انتصر قطاع الجيش وتستمر حالما زُود الحوثيون بالسلاح سرًا».
وبهذا الشكل، وفقًا للمغلس وشمسان، أصبح الحوثيون جزءًا من المعادلة العسكرية، وخلال كل تلك الفترة كانت هناك تدريبات تتم في لبنان لدى ما يسمى «حزب الله» المشرف على الملف اليمني. وتطور الأمر بدخول عناصر ما يسمى «حزب الله» والاستخبارات الإيرانية إلى الداخل اليمني وتزويدهم بالسلاح والدعم اللوجستي السياسي الإعلامي باعتبار الحوثيين أضحوا «نموذجًا يمنيًا» لما يسمى «حزب الله».
ووفق المغلس، فإن «التمرد الحوثي الذي استولى على السلطة بطريقة غير مشروعة ووصل لتشكيل حكومة الانقلاب، إنما تمكن من فعل ذلك بسبب وجود جيش قوي متمرس وقوى أمن وأجهزة مخابرات لدى الرئيس السابق ومكونها الأساس من عشائره وقبيلته. ولقد حظيت هذه القوات بأعلى التدريبات من الأميركيين كقوى مكافحة للإرهاب التي أسسها طوال فترة حكمه التي وصلت 33 سنة».

الكذبات الثلاث
وأمام الدعم اللامحدود من المخلوع داخليا وإيران إقليميًا، يقول المغلس «سيطر الانقلابيون على كامل التراب اليمني، غير أنهم فوجئوا برفض شعبي، خصوصًا في المناطق الجنوبية وتعز والبيضاء»، مبينا أن التمرد حين قام بالانقلاب رفع ثلاثة شعارات كاذبة خدع بها البسطاء من خلال الآلة الإعلامية التي كونها الرئيس السابق طوال حكمه. وتمثل أول هذه الشعارات بادعاء إسقاط «الحكومة الفاسدة» لكن التمرد في نهاية الأمر مارس أبشع أنواع الفساد في تاريخ اليمن المعاصر. وكان ثاني الشعارات ادعاء إسقاط الجرعة (زيادة في أسعار المشتقات النفطية)، لكن التمرد رفع الأسعار إلى أرقام فلكية ومارس تجارة السوق السوداء للمشتقات النفطية. أما الشعار الثالث، فهو تنفيذ «مخرجات الحوار الوطني» التي أجمع عليها اليمنيون لحل مشكلة الصراع الداخلي من خلال تكوين اليمن الاتحادي من 6 أقاليم ليصار بعد ذلك توزيع السلطة والثروة بين كل أبناء اليمن. ولكن لكونهم محتكرين السلطة والثروة كان من أهداف الانقلاب إلغاء «مخرجات الحوار الوطني»؛ إذ جرى اختطاف الدستور قبل إيصاله للجنة المكلفة بإقراره.

أسباب بقاء الانقلاب
الدكتور المغلس، من جانب آخر، يقول إن بقاء الانقلاب نتيجة طبيعية لثمانية أسباب، هي:
- وجود الدولة العميقة التي تأسست طوال الفترة الماضية بكل أجهزتها وجيشها وأمنها.
- توافر الإمكانات المالية للرئيس السابق التي تقدر ثروته بـ60 مليار دولار وفقا للجنة العقوبات الأممية.
- الحاضنة الطائفية والمذهبية.
- التجهيل والتجويع الموجود في بعض المناطق؛ ما سهل الدفع بالبعض للعمل معهم مقابل المال أو التأثير الفكري.
- الدعم الإيراني بالسلاح والنفط والمال الذي بدأ مبكرًا مع نشأة الحوثيين، واستمر حتى الآن من خلال ممرات التهريب.
- الاستيلاء على البنك المركزي في بداية الانقلاب.
- توفر ترسانة الأسلحة التي تمتلكها الدولة، والتي تم تكديسها طوال فترة حكم الرئيس السابق، وما تم تكديسه طوال حروب الحوثيين الست.
- بروز ثقافة الانتهازية والفساد وتجارة الحرب.

برغماتية سياسية دينية
في السياق نفسه، يرى الدكتور شمسان أنه «يجب عندما نقارب الجماعة الحوثية أن نركز برغماتيتها السياسية التي تسبق توجهها الديني والقومي والوطني والقيمي، وتوظف كل ذلك لتحقيق رهانها السياسي المتمثل بالعودة إلى السلطة بعدما قطع الشعب اليمني معها عام 1962م بثورة 26 سبتمبر الشهيرة». ويعتقد شمسان أن جماعة الحكم الإمامي تدّعي أن لها الحق بالحكم كونها تنتمي إلى سلالة الرسول، صلى الله عليه وسلّم، ليس أكثر، وخلال حكمها لليمن لم تستقر اليمن طوال عشرة عقود ونيف لأسباب عقائدية في أسس وقواعد الوصول للحكم.
ويضيف إنه «بعد القطع مع ذلك الحكم استمر الصراع والاحتراب حتى السبعينات، وتم التوصل إلى إيجاد تسوية، وعليها عادت القيادات إلى اليمن وتم تقاسم السلطة والوظائف معهم. إلا أنهم منذ تلك الفترة انطلق تخطيطهم للعودة من خلال رص الصفوف وتأسيس التنظيمات السرية والعلنية مع اختراق كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية». ثم يتابع أن «الحال استمر هكذا حتى التسعينات مع الوحدة اليمنية التي جاءت بمعيتها التعددية السياسية، فأسسوا أحزابا سياسية إلا أنهم اكتشفوا أنهم لم يحققوا مقاعد في البرلمان إلا بعدد أصابع اليد الواحدة، وبدعم من أحد الحزبين الحاكمين، واكتشفوا صعوبة العودة إلى السلطة... كل تلك المعطيات، جعلت أنصار ولاية الفقيه يعيدون ترتيب الأوراق الداخلية والإقليمية، خصوصًا، بعد دخول إيران متغيرًا إقليميًا منجذبًا لكل المناطق التي كانت ضمن الإمبراطورية الفارسية، أو الجماعات التي تحمل تراثًا شيعيًا يمكن تعديله برغماتيًا من خلال الشخصيات القيادية الطامحة للسلطة». ويستطرد شمسان «بذلك تم إنشاء تنظيم الشباب اليمني بهدف تنشئة النشء بالمذهب الزيدي في المناطق الجغرافية لذلك المذهب، ونجح ذلك نجاحا كبيرًا، وتزامن معه مد جسور التواصل إلى إيران، التي بدورها وجدت حصان طروادة لليمن والمنطقة العربية».

بعد ثورة 2011
ويلفت شمسان إلى أنه «مع الثورة الشبابية اليمنية 2011 انضم الحوثيون إلى ساحات التغيير تكتيكًا. وبعد المبادرة الخليجية قُبل بهم بوصفهم مكونا في الحوار الوطني، ودار جدل حول قبول الجماعة الحوثية. وبين الأطراف هناك من يقول بقبولهم شريطة تسليم السلاح وحل الميليشيات، وآخر يقول بقبولهم على أن يسلموا السلاح لاحقًا عندما يشعرون بالإنصاف، ولكن الحوثيين في فترة الحوار ذاتها كانوا يتزودون بالسلاح ويعدون العدة للانقضاض على العاصمة».
ووفق شمسان «تزامن انطلاق ثورة الميادين الشبابية عام 2011 مع استيلاء التمرد الحوثي على صعدة دون أن يتنبه المحتجون لذلك، نتيجة ارتباك الوضع»، مشيرًا إلى أن العودة إلى الوراء قليلاً تظهر بوضوح كيف وصل الحوثيون وصالح إلى السلطة بطريقة غير مشروعة؛ إذ دخلوا من خلال إلغاء المبلغ المضاف للمشتقات وهو مبلغ زهيد، ليتم إسقاط الحكومة، بينما كان الهدف الحقيقي هو الاستيلاء على السلطة والقطع مع المبادرة الخليجية.
وهنا يركّز على أن «هذا ما يفسر ذهابهم إلى سلسلة مشاورات ليس لها نهاية بعد الاستيلاء على صنعاء حتى يومنا»، مشددًا على أن «الهدف الواضح حاليًا هو القطع مع المرجعيات الثلاث، والاعتراف بالتمرد الحوثي بوصفه أمرا واقعا».

ثنائيات الفتنة
ويرى شمسان أن «السياسات المتبعة من قبل الحوثي وصالح كانت مدركة التوجه الدولي الذي يريد أن يستنبت الحوثيين طرفا من خلال ترتيب المنطقة العربية في ثنائيات الفتنة، وهي ثنائية مذهبية سنية - شيعية وثنائية وطنية – قومية، وبالتالي كان هناك دعم وتواطؤ دولي يؤخذ عليه عدم اتخاذ الخطوات والإجراءات المتعارف عليها دوليًا ضد الانقلاب». ويدلل على ذلك، بأن الاستيلاء على صنعاء حصل يوم توقيع اتفاقية السلم والشراكة، ثم اتخاذ إجراءات أحادية الجانب وصولاً إلى انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان على كل رقعة من أرض اليمن. وهنا يتحدث عن «التواطؤ الدولي الذي توضح جليًا عندما انطلق من الحديث عن أن ما يحدث في اليمن مسألة سياسية»، مشددًا على أن هذا التوصيف «خاطئ منذ البداية، وهو ما قاد البلاد شيئا فشيئًا إلى التجاوزات التي وصلت إلى تشكيل مجلس سياسي للانقلابيين».

خطر النموذج الليبي
الدكتور شمسان يدعو إلى العمل على «استراتيجية واضحة لإيقاف المشروع الذي يجر اليمن نحو النموذج الليبي، وصولاً إلى احتراب طويل قد لا يتوقف ولا يصبح له مرجعية دولية»، وهو ما سيسمح بمزيد من الضغوط على الحكومة الشرعية للقبول بالتسوية التي تنزع السلطة من الرئيس المنتخب وتسليمها إلى الانقلابيين باعتبار أنه أقل ضررا من الذهاب نحو النموذج الليبي، والدليل على ذلك عدم وجود تصريحات قوية تدين ما يفعله الانقلابيون. ويقول: «نحن أمام واقع متغير وطريق جديد وضعنا فيه الانقلابيون السائرون على نهج «حزب الله» لتصبح اليمن كالعراق وليبيا».

الحكومة الميتة
من جهة أخرى، يعتبر اللواء محسن خصروف، مدير دائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية، أن «حكومة الإنقاذ التي شكلها الانقلابيون ولدت ميتة منذ البداية»، وبأنها تقوم على مبدأ نسف كل المبادرات السلمية الدولية والعربية والإقليمية، وتؤكد الإصرار على المضي في طريق الحرب. ويلفت إلى أن حكومة الانقلابيين «لقيت رفضًا من المجتمع الدولي، بما في ذلك إيران التي تعتبر الداعم الأول للانقلابيين في اليمن، كما لم تعترف بالمجلس السياسي واللجنة الثورية، وهو ما يضع قيادة الدولة الشرعية أمام حقيقة أن خيار الحسم العسكري هو الوحيد المتاح».
ويضيف خصروف، أن الانقلابين «استمدوا قوتهم ونفوذهم مما ورثوه من ممتلكات دولة بأكملها تشمل مخازن أسلحة وعتادا ومعدات وبنوكا ومؤسسات دولة. ونجحوا ببراعة في سرقة المؤسسات والشركات والبنوك. ولديهم المزيد من مخزون السلاح الذي ظل المخلوع علي صالح يعمل على تكديسه على مدار 33 سنة. ثم بعد الثورة الشبابية الشعبية وبعد الانقلاب ما زالوا يستوردون ويهربون السلاح من إيران من خلال منافذ بحرية متعددة... والفيصل في القضية هو المال والذي كان جزءا منه سُرق من البنك المركزي والشركات والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية والنفطية والناقلات وغيرها التي ذهبوا بها إلى صعدة. ثم إن المليارات التي تحدثوا عنها وأعلنوها إعلاميًا وقالوا إنهم حصلوا عليها في بيوت المسؤولين استولوا عليها وأضافوها إلى خزائنهم لشراء المعدات وتجهيز العتاد؛ هو ما جعلهم يصمدون حتى هذه اللحظة».
أما على المستوى الشعبي، فيرى خصروف أن المجتمع اليمني الذي يقبع تحت حكمهم «غير مؤيد لهم، لكن الناس يخافونهم ويتحاشون الاختطافات والاعتقالات، وأن المسألة أصبحت تتطلب حسمًا عسكريًا وقرارًا من الشرعية بدخول صنعاء وتحرير تعز وتطهير تهامة؛ وهو ما سيجعل قبائل صنعاء التي تنتظر هذه اللحظة والشعب اليمني يتجه مباشرة نحو الشرعية». ويلفت إلى «الهدن الأربع التي نجح الحوثيون ببراعة في إفشالها، لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية من خلالها استطاع الجيش الوطني أن يفشل مخططاتهم في الهدنتين الأخيرتين ولم يمكنهم من تحقيق أي نجاح».



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.