«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد

التحذير من تقاعس دولي يسمح باستنبات الفتنة وصناعة النموذج الليبي

«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد
TT

«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد

«انقلابيو» اليمن يجعلون من الحسم العسكري الحل الأوحد

يخطط النظام الإيراني للسيطرة على أوراق لعبة دولية كبرى، بوضع مضيق باب المندب تحت رحمة النيران الموالية له على حساب المصالح السياسية والاقتصادية التي لا تخص اليمن وحدها ولا العرب دون غيرهم، بل تشمل العالم بأسره.
ولذلك؛ جاء إعلان الانقلابيين تشكيل حكومة في صنعاء لينسف كل الجهود الرامية إلى حقن الدماء، وفقًا لخبراء، شدّدوا على أن الشعب اليمني لا يريد لمغتصبي السلطة البقاء على كراسي حكم صنعاء، وبالتالي فإن القرار هو للحسم العسكري وفق المعطيات الراهنة. وكل هذا يأتي مع ارتفاع الصوت الوطني وأصوات العقل والحكمة للتحذير من تقاعس دولي ملموس في اليمن، وهو التقاعس الذي من شأنه استنبات الفتنة وصناعة النموذج الليبي.
يرى السياسي والكاتب اليمني الدكتور عبده سعيد المغلس، أن إعلان الانقلابيين اليمنيين في صنعاء تشكيل «حكومتهم» منعطف مهم في تسلسل أحداث مواجهتهم مع دولة الشرعية، التي بدأت بانقلابهم على الدولة يوم 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وبدأت ملامحها وعلاقتها بالدور الإيراني في المنطقة بالانكشاف تدريجيًا. وأضاف المغلس لـ«الشرق الأوسط»، أن «انكشاف ما يجري تدبيره في طهران لخراب صنعاء، بدأ يظهر بداية من الرحلات الأربع عشرة أسبوعيا بين طهران وصنعاء، وإعلان القيادات الإيرانية سقوط العاصمة العربية الرابعة تحت سيطرتهم بعد بيروت ودمشق وبغداد». ولفت إلى أن الدور الإيراني لتخريب اليمن «يتجلى بوضوح عبر مظاهر الطائفية وإقصاء الآخر الذي كُرِّس مع استمرار الدعم الإيراني للانقلابيين، وتوِّج بإلغائهم عند إعلان التشكيل الحكومي رمز الجمهورية والاستعاضة عنه بلفظ الجلالة أسوة بإيران»، مشددًا على أن المشروع الحوثي لا علاقة له بمنهج الله، ولا بلفظ الجلالة. وذكر أن معرفة الأسباب التي أوصلت اليمن إلى هذا المنعطف لن تتم قبل معرفة الأسباب الرئيسية وراء الصراع في اليمن.

أهمية استراتيجية
المغلس يورد سببين رئيسين للصراع في اليمن: الأول دولي المتمثل بأهمية اليمن الاستراتيجية. والثاني داخلي تمثل بالهيمنة على السلطة والثروة. ويشير إلى أن موقع اليمن وثرواته الطبيعية أبرز أسباب الصراع الإقليمي والدولي الذي وظف التباينات الداخلية في هذا الصراع. ويوضح أن «أهمية اليمن الاستراتيجية تكمن في موقعه وثرواته الطبيعية التي لم تُكتشف بعد؛ إذ تتمتع اليمن بموقع استراتيجي مهم يجعل من يسيطر عليه لاعبًا أساسيا في المنطقة، ويعطيه القدرة على التحكم بمدخل باب المندب الذي يُعتبر أحد أهم المعابر المائية في العالم؛ إذ يمر عبره يوميًا 3.3 مليون برميل نفط تُمثل 4 في المائة من الطلب العالمي على النفط، كما تمر عبر المضيق 21 ألف سفينة سنويًا، بما يعادل 10 في المائة من التجارة العالمية. هذه العوامل زادت من أهمية المضيق الاستراتيجية وجعلت منه ثالث مضيق عالمي بعد مضيقي هرمز وملقا».
ثم يتابع: «ما يضاعف أهمية موقع اليمن الاستراتيجي، حسب المغلس، انتشار الجزر البحرية في مياهه الإقليمية على امتداد بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، حيث تمتد حدوده البحرية على جبهتين بطول 2500 كلم، وتطل على بحر العرب وخليج عدن من الجنوب والبحر الأحمر من الغرب. وتسيطر اليمن على مضيق باب المندب أحد أهم المعابر المائية في العالم ولديها 17 منفذا (ميناء) بحريا، وحدودها المشتركة مع المملكة العربية السعودية تمتد على مسافة ألفي كلم، ومع عمان 288 كلم. وفي حين تلعب اليمن دور الرابط المهم بين قارتي آسيا وأفريقيا، يقول المغلس، إن «هذا الموقع جعل منها ساحة صراع إقليمي ودولي، وهو الصراع الذي يعززه أيضًا وجود الثروات الموعودة التي تحتويها الأرض والبحار فيها».

إيران والهيمنة
وبعد رفع إيران شعار الإسلام وفق المذهب الإثني عشري الجعفري منطلقًا لتعزيز دورها الإقليمي ونفوذها الفارسي، أسست لذلك في دستورها الذي أقام الدولة على أساس المذهب، وهو الدستور الذي شرعن تصدير الثورة. وهنا يشرح المغلس أن إيران «بدأت فعليًا الاهتمام في اليمن لأسباب تتعلق بموقع اليمن الاستراتيجي رغبة منها في الهيمنة على المنطقة، وهي الرؤية التي وجدت القبول من الجماعة الحوثية المتمردة». وللعلم، فإن الحوثيين يمثلون أقلية الأقلية الزيدية من سكان اليمن الساعين إلى استعادة دور الإمامة وفق المذهب الجارودي الذي يلتقي مع الإثني عشرية بالأصول والفروع. وحسب المغلس، فإن «انسجام الرؤية الإيرانية مع طموحات التمرد الحوثي، منح طهران القدرة على ضرب أي تجارة نفطية بعد سقوط صنعاء، من دون إلحاق بها أي ضرر؛ كونها لا تستطيع إغلاق مضيق هرمز لأنه سيجعلها في مواجهة مع المجتمع الدولي. لكن بإمكان الحوثيين ضرب قافلة نفطية لدى عبورها مضيق باب المندب بإيعاز من إيران وهذا ما حدث في الفترة القريبة الماضية فعليًا».
ويعتقد المغلس أن «نسج العلاقة بين إيران والحوثيين بدأ في عهد المخلوع علي عبد الله صالح، الذي طالما لعب جميع الأدوار، وصادق جميع الأطياف، وغدر بالشعب والجيران، وضرب من تحت الحزام الأصدقاء قبل الأعداء؛ فهو أمهر من يمارس الشيء ونقيضه». ويذكر الرئيس المخلوع قتل مؤسس الحركة حسين بدر الدين الحوثي، واحتفظ بجثمانه لسنوات عدة حتى سلم جثته ليقام على قبره المزار المعروف، بينما كل مَن قتلهم من خصومه السياسيين لا يعرف لهم مكان حتى اليوم.

إيران.. وصالح
من ناحية أخرى، يقول عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات: «إن الوجود الإيراني في اليمن معترف به من الإيرانيين»، مدللاً على ذلك بتصريحات قيادتهم العسكرية، فضلاً عن ثبوت تدريب وتمويل الحوثيين عبر خلية «أبو مصطفى» التابعة لما يسمى «حزب الله» اللبناني، وهو ما أكدته تقارير دولية. ويلفت إلى أن «القبض على مدربين من (حزب الله) سابقًا والحصول على أنواع صواريخ وأسلحة إيرانية يؤكد وجود اليد الإيرانية في اليمن.. وأن الميليشيات الحوثية ما هي إلا ذراع إيرانية على أرض عربية مهمتها دعم الفوضى في الشمال والجنوب».
أما الدكتور عبد الباقي شمسان، أستاذ علم الاجتماع السياسي اليمني، فيشرح «أن السنوات الفائتة شهدت بدء صراع بين جناحين في حركة الحوثيين، أحدهما غير متشدد في حصر الإمامة والحكم في البطنيين، وآخر متشدد جدًا، وانتصر الأخير بدعم من المخلوع صالح الذي كان يهدف إلى تثبيت نظام حكمه والتعامل معه بوصفه صمام أمان، وذلك من خلال ابتزاز السعودية». وبحسب شمسان: «وصل المخلوع إلى توليفة استخدمها لدعم نظام حكمه باعتبار أتباع الجماعة الحوثية خطرًا شيعيًا تابعًا لإيران ويقع على حدود التماس مع السعودية التي تدرك جيدًا أطماع السلطة في طهران». ويستطرد قائلا: «إن الهدف الإقليمي يسنده هدف داخلي بالنسبة للمخلوع صالح؛ فهو الذي زرع الجماعة الحوثية في خاصرة اليمن، لأنه يريد استخدام هذه الجماعة المتمردة في إنهاك قطاع من الجيش الوطني والقضاء على الشخصيات القيادية المنافسة لنجله من خلال إدخالها في حروب مع الحوثيين. وبالفعل أدخل القيادات المنافسة لنجله في ست حروب كانت تتوقف كلما انتصر قطاع الجيش وتستمر حالما زُود الحوثيون بالسلاح سرًا».
وبهذا الشكل، وفقًا للمغلس وشمسان، أصبح الحوثيون جزءًا من المعادلة العسكرية، وخلال كل تلك الفترة كانت هناك تدريبات تتم في لبنان لدى ما يسمى «حزب الله» المشرف على الملف اليمني. وتطور الأمر بدخول عناصر ما يسمى «حزب الله» والاستخبارات الإيرانية إلى الداخل اليمني وتزويدهم بالسلاح والدعم اللوجستي السياسي الإعلامي باعتبار الحوثيين أضحوا «نموذجًا يمنيًا» لما يسمى «حزب الله».
ووفق المغلس، فإن «التمرد الحوثي الذي استولى على السلطة بطريقة غير مشروعة ووصل لتشكيل حكومة الانقلاب، إنما تمكن من فعل ذلك بسبب وجود جيش قوي متمرس وقوى أمن وأجهزة مخابرات لدى الرئيس السابق ومكونها الأساس من عشائره وقبيلته. ولقد حظيت هذه القوات بأعلى التدريبات من الأميركيين كقوى مكافحة للإرهاب التي أسسها طوال فترة حكمه التي وصلت 33 سنة».

الكذبات الثلاث
وأمام الدعم اللامحدود من المخلوع داخليا وإيران إقليميًا، يقول المغلس «سيطر الانقلابيون على كامل التراب اليمني، غير أنهم فوجئوا برفض شعبي، خصوصًا في المناطق الجنوبية وتعز والبيضاء»، مبينا أن التمرد حين قام بالانقلاب رفع ثلاثة شعارات كاذبة خدع بها البسطاء من خلال الآلة الإعلامية التي كونها الرئيس السابق طوال حكمه. وتمثل أول هذه الشعارات بادعاء إسقاط «الحكومة الفاسدة» لكن التمرد في نهاية الأمر مارس أبشع أنواع الفساد في تاريخ اليمن المعاصر. وكان ثاني الشعارات ادعاء إسقاط الجرعة (زيادة في أسعار المشتقات النفطية)، لكن التمرد رفع الأسعار إلى أرقام فلكية ومارس تجارة السوق السوداء للمشتقات النفطية. أما الشعار الثالث، فهو تنفيذ «مخرجات الحوار الوطني» التي أجمع عليها اليمنيون لحل مشكلة الصراع الداخلي من خلال تكوين اليمن الاتحادي من 6 أقاليم ليصار بعد ذلك توزيع السلطة والثروة بين كل أبناء اليمن. ولكن لكونهم محتكرين السلطة والثروة كان من أهداف الانقلاب إلغاء «مخرجات الحوار الوطني»؛ إذ جرى اختطاف الدستور قبل إيصاله للجنة المكلفة بإقراره.

أسباب بقاء الانقلاب
الدكتور المغلس، من جانب آخر، يقول إن بقاء الانقلاب نتيجة طبيعية لثمانية أسباب، هي:
- وجود الدولة العميقة التي تأسست طوال الفترة الماضية بكل أجهزتها وجيشها وأمنها.
- توافر الإمكانات المالية للرئيس السابق التي تقدر ثروته بـ60 مليار دولار وفقا للجنة العقوبات الأممية.
- الحاضنة الطائفية والمذهبية.
- التجهيل والتجويع الموجود في بعض المناطق؛ ما سهل الدفع بالبعض للعمل معهم مقابل المال أو التأثير الفكري.
- الدعم الإيراني بالسلاح والنفط والمال الذي بدأ مبكرًا مع نشأة الحوثيين، واستمر حتى الآن من خلال ممرات التهريب.
- الاستيلاء على البنك المركزي في بداية الانقلاب.
- توفر ترسانة الأسلحة التي تمتلكها الدولة، والتي تم تكديسها طوال فترة حكم الرئيس السابق، وما تم تكديسه طوال حروب الحوثيين الست.
- بروز ثقافة الانتهازية والفساد وتجارة الحرب.

برغماتية سياسية دينية
في السياق نفسه، يرى الدكتور شمسان أنه «يجب عندما نقارب الجماعة الحوثية أن نركز برغماتيتها السياسية التي تسبق توجهها الديني والقومي والوطني والقيمي، وتوظف كل ذلك لتحقيق رهانها السياسي المتمثل بالعودة إلى السلطة بعدما قطع الشعب اليمني معها عام 1962م بثورة 26 سبتمبر الشهيرة». ويعتقد شمسان أن جماعة الحكم الإمامي تدّعي أن لها الحق بالحكم كونها تنتمي إلى سلالة الرسول، صلى الله عليه وسلّم، ليس أكثر، وخلال حكمها لليمن لم تستقر اليمن طوال عشرة عقود ونيف لأسباب عقائدية في أسس وقواعد الوصول للحكم.
ويضيف إنه «بعد القطع مع ذلك الحكم استمر الصراع والاحتراب حتى السبعينات، وتم التوصل إلى إيجاد تسوية، وعليها عادت القيادات إلى اليمن وتم تقاسم السلطة والوظائف معهم. إلا أنهم منذ تلك الفترة انطلق تخطيطهم للعودة من خلال رص الصفوف وتأسيس التنظيمات السرية والعلنية مع اختراق كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية». ثم يتابع أن «الحال استمر هكذا حتى التسعينات مع الوحدة اليمنية التي جاءت بمعيتها التعددية السياسية، فأسسوا أحزابا سياسية إلا أنهم اكتشفوا أنهم لم يحققوا مقاعد في البرلمان إلا بعدد أصابع اليد الواحدة، وبدعم من أحد الحزبين الحاكمين، واكتشفوا صعوبة العودة إلى السلطة... كل تلك المعطيات، جعلت أنصار ولاية الفقيه يعيدون ترتيب الأوراق الداخلية والإقليمية، خصوصًا، بعد دخول إيران متغيرًا إقليميًا منجذبًا لكل المناطق التي كانت ضمن الإمبراطورية الفارسية، أو الجماعات التي تحمل تراثًا شيعيًا يمكن تعديله برغماتيًا من خلال الشخصيات القيادية الطامحة للسلطة». ويستطرد شمسان «بذلك تم إنشاء تنظيم الشباب اليمني بهدف تنشئة النشء بالمذهب الزيدي في المناطق الجغرافية لذلك المذهب، ونجح ذلك نجاحا كبيرًا، وتزامن معه مد جسور التواصل إلى إيران، التي بدورها وجدت حصان طروادة لليمن والمنطقة العربية».

بعد ثورة 2011
ويلفت شمسان إلى أنه «مع الثورة الشبابية اليمنية 2011 انضم الحوثيون إلى ساحات التغيير تكتيكًا. وبعد المبادرة الخليجية قُبل بهم بوصفهم مكونا في الحوار الوطني، ودار جدل حول قبول الجماعة الحوثية. وبين الأطراف هناك من يقول بقبولهم شريطة تسليم السلاح وحل الميليشيات، وآخر يقول بقبولهم على أن يسلموا السلاح لاحقًا عندما يشعرون بالإنصاف، ولكن الحوثيين في فترة الحوار ذاتها كانوا يتزودون بالسلاح ويعدون العدة للانقضاض على العاصمة».
ووفق شمسان «تزامن انطلاق ثورة الميادين الشبابية عام 2011 مع استيلاء التمرد الحوثي على صعدة دون أن يتنبه المحتجون لذلك، نتيجة ارتباك الوضع»، مشيرًا إلى أن العودة إلى الوراء قليلاً تظهر بوضوح كيف وصل الحوثيون وصالح إلى السلطة بطريقة غير مشروعة؛ إذ دخلوا من خلال إلغاء المبلغ المضاف للمشتقات وهو مبلغ زهيد، ليتم إسقاط الحكومة، بينما كان الهدف الحقيقي هو الاستيلاء على السلطة والقطع مع المبادرة الخليجية.
وهنا يركّز على أن «هذا ما يفسر ذهابهم إلى سلسلة مشاورات ليس لها نهاية بعد الاستيلاء على صنعاء حتى يومنا»، مشددًا على أن «الهدف الواضح حاليًا هو القطع مع المرجعيات الثلاث، والاعتراف بالتمرد الحوثي بوصفه أمرا واقعا».

ثنائيات الفتنة
ويرى شمسان أن «السياسات المتبعة من قبل الحوثي وصالح كانت مدركة التوجه الدولي الذي يريد أن يستنبت الحوثيين طرفا من خلال ترتيب المنطقة العربية في ثنائيات الفتنة، وهي ثنائية مذهبية سنية - شيعية وثنائية وطنية – قومية، وبالتالي كان هناك دعم وتواطؤ دولي يؤخذ عليه عدم اتخاذ الخطوات والإجراءات المتعارف عليها دوليًا ضد الانقلاب». ويدلل على ذلك، بأن الاستيلاء على صنعاء حصل يوم توقيع اتفاقية السلم والشراكة، ثم اتخاذ إجراءات أحادية الجانب وصولاً إلى انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان على كل رقعة من أرض اليمن. وهنا يتحدث عن «التواطؤ الدولي الذي توضح جليًا عندما انطلق من الحديث عن أن ما يحدث في اليمن مسألة سياسية»، مشددًا على أن هذا التوصيف «خاطئ منذ البداية، وهو ما قاد البلاد شيئا فشيئًا إلى التجاوزات التي وصلت إلى تشكيل مجلس سياسي للانقلابيين».

خطر النموذج الليبي
الدكتور شمسان يدعو إلى العمل على «استراتيجية واضحة لإيقاف المشروع الذي يجر اليمن نحو النموذج الليبي، وصولاً إلى احتراب طويل قد لا يتوقف ولا يصبح له مرجعية دولية»، وهو ما سيسمح بمزيد من الضغوط على الحكومة الشرعية للقبول بالتسوية التي تنزع السلطة من الرئيس المنتخب وتسليمها إلى الانقلابيين باعتبار أنه أقل ضررا من الذهاب نحو النموذج الليبي، والدليل على ذلك عدم وجود تصريحات قوية تدين ما يفعله الانقلابيون. ويقول: «نحن أمام واقع متغير وطريق جديد وضعنا فيه الانقلابيون السائرون على نهج «حزب الله» لتصبح اليمن كالعراق وليبيا».

الحكومة الميتة
من جهة أخرى، يعتبر اللواء محسن خصروف، مدير دائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية، أن «حكومة الإنقاذ التي شكلها الانقلابيون ولدت ميتة منذ البداية»، وبأنها تقوم على مبدأ نسف كل المبادرات السلمية الدولية والعربية والإقليمية، وتؤكد الإصرار على المضي في طريق الحرب. ويلفت إلى أن حكومة الانقلابيين «لقيت رفضًا من المجتمع الدولي، بما في ذلك إيران التي تعتبر الداعم الأول للانقلابيين في اليمن، كما لم تعترف بالمجلس السياسي واللجنة الثورية، وهو ما يضع قيادة الدولة الشرعية أمام حقيقة أن خيار الحسم العسكري هو الوحيد المتاح».
ويضيف خصروف، أن الانقلابين «استمدوا قوتهم ونفوذهم مما ورثوه من ممتلكات دولة بأكملها تشمل مخازن أسلحة وعتادا ومعدات وبنوكا ومؤسسات دولة. ونجحوا ببراعة في سرقة المؤسسات والشركات والبنوك. ولديهم المزيد من مخزون السلاح الذي ظل المخلوع علي صالح يعمل على تكديسه على مدار 33 سنة. ثم بعد الثورة الشبابية الشعبية وبعد الانقلاب ما زالوا يستوردون ويهربون السلاح من إيران من خلال منافذ بحرية متعددة... والفيصل في القضية هو المال والذي كان جزءا منه سُرق من البنك المركزي والشركات والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية والنفطية والناقلات وغيرها التي ذهبوا بها إلى صعدة. ثم إن المليارات التي تحدثوا عنها وأعلنوها إعلاميًا وقالوا إنهم حصلوا عليها في بيوت المسؤولين استولوا عليها وأضافوها إلى خزائنهم لشراء المعدات وتجهيز العتاد؛ هو ما جعلهم يصمدون حتى هذه اللحظة».
أما على المستوى الشعبي، فيرى خصروف أن المجتمع اليمني الذي يقبع تحت حكمهم «غير مؤيد لهم، لكن الناس يخافونهم ويتحاشون الاختطافات والاعتقالات، وأن المسألة أصبحت تتطلب حسمًا عسكريًا وقرارًا من الشرعية بدخول صنعاء وتحرير تعز وتطهير تهامة؛ وهو ما سيجعل قبائل صنعاء التي تنتظر هذه اللحظة والشعب اليمني يتجه مباشرة نحو الشرعية». ويلفت إلى «الهدن الأربع التي نجح الحوثيون ببراعة في إفشالها، لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية من خلالها استطاع الجيش الوطني أن يفشل مخططاتهم في الهدنتين الأخيرتين ولم يمكنهم من تحقيق أي نجاح».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.