الحكومة التركية تسحب مشروع قانون حول زواج القاصرات

أثار احتجاجات وانتقادات خارجية قبل ساعات من التصويت في البرلمان

مظاهرة متجهة إلى مبنى البرلمان أمس ضد القانون الذي تم سحبه في الساعات الأخيرة (أ.ف.ب)
مظاهرة متجهة إلى مبنى البرلمان أمس ضد القانون الذي تم سحبه في الساعات الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

الحكومة التركية تسحب مشروع قانون حول زواج القاصرات

مظاهرة متجهة إلى مبنى البرلمان أمس ضد القانون الذي تم سحبه في الساعات الأخيرة (أ.ف.ب)
مظاهرة متجهة إلى مبنى البرلمان أمس ضد القانون الذي تم سحبه في الساعات الأخيرة (أ.ف.ب)

بعد ضجة واسعة في الشارع التركي ورفض من المعارضة وانتقادات من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية حول العالم، سحبت الحكومة التركية مشروع قانون يسمح بالعفو عمن أدين من الرجال بممارسة الجنس مع فتيات قاصرات قبل ساعات فقط من دخوله إلى الجلسة العامة للبرلمان، أمس الثلاثاء، لمناقشته بعد إقراره في قراءة أولى الخميس الماضي.
وكان يفترض أن يجري التصويت النهائي على مشروع القانون في جلسة أمس بالبرلمان الذي يحتل حزب العدالة والتنمية الحاكم غالبية مواقعه (317 مقعدا من أصل 550 مقعدا).
وأثار مشروع القانون احتجاجات داخل تركيا، ووجهت إليه انتقادات دولية. وقال منتقدوه إنه قد يضفي الشرعية على الاغتصاب، ويشجع الزواج من القاصرات.
وطالبت الأمم المتحدة الحكومة التركية بعدم الموافقة على مشروع القانون، قائلة إنها قد تضر بقدرة تركيا على محاربة الاعتداءات الجنسية وزواج القاصرات.
ويسمح القانون التركي بزواج الفتاة في سن 18 عاما، لكن لا يزال الزواج دون هذا السن منتشرا من خلال نوع من الزواج الشرعي غير المعترف به قانونا ويسمى «إمام نكاح».
وقال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، إن مشروع القانون سحب للسماح بـ«توافق واسع»، ومنح أحزاب المعارضة الوقت الكافي لتطوير اقتراحاتها.
واحتشدت مئات النساء أمام مبنى البرلمان التركي، أمس الثلاثاء، قبل الإعلان عن سحب مشروع القانون الذي يبرئ مرتكب اعتداء جنسي على قاصر إذا تزوج المعتدي بضحيته.
وفي تصريح صحافي أدلى به مع ممثلين عن المنظمات النسائية، قال نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري المعارض ليفنت جوك: «نطالب بأكثر من مجرد العدول عن المشروع القانون، وسنواصل كفاحنا لحين الإلقاء بهذا القانون المخزي في سلة القمامة» على حد تعبيره.
وكان أهم تصريح حول مشروع القانون المقترح، الذي تلقى رد فعل عنيف من المجتمع التركي، أدلى به الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ودعا فيه إلى عدم الاكتراث بالانتقادات الموجهة إلى مشروع القانون.
وبعد ساعات من تصريحات إردوغان أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم أنهم يأخذون تصريحات إردوغان والمعارضة بعين الاعتبار قائلا: «سنطرح القانون على اللجنة التي ستقوم بدورها بتقييمه والتوصل لحل في هذا الموضوع، آخذة في عين الاعتبار جميع الآراء ووجهات النظر».
ودافع وزير العدل، بكير بوزداغ عن التشريع قائلا: «لن يكون المشروع بالتأكيد عفوا عن المغتصبين إنما هذه خطوة اتخذت لحل مشكلة في بعض مناطق بلدنا».
وكانت المحكمة الدستورية في تركيا قد ألغت في يوليو (تموز) جزءا من القانون الجنائي يصنف جميع الممارسات الجنسية مع الأطفال دون سن الـ15 باعتبارها اعتداء جنسيا.
وقالت أليف شفق، إحدى الروائيات المشهورات في تركيا لـ«بي بي سي»: «أحد مواضع الضعف في مشروع القانون، هي كلمة (موافقة أو رضا) الأهل. ماذا يعني هذا؟ نحن نتكلم هنا عن أطفال. فإذا تفاوض المغتصب مع الأسرة، أو دفع لها رشوة، أو هددها، فقد تسحب الأسرة شكواها، وقد تقول نعم كانت هناك موافقة، ولم يكن هناك إجبار».
لكن روضة كاواكجي، نائبة البرلمان عن «العدالة والتنمية»، قالت: «إن مشروع القانون أسيء فهمه.. إنه يعنى بتوفير حياة طبيعية للفتيات، اللائي تزوجن وهن طفلات، بسبب ممارسات ثقافية معتادة، ثم وجدن أنفسهن مع أطفالهن يعانين لأن أزواجهن في السجن».
وبعد سحب المشروع قال رئيس الوزراء بن علي يلدريم، إنه ستتم دراسة وتعديل المشروع، بالتشاور مع المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، تنفيذا لتعليمات الرئيس رجب طيب إردوغان بالتوصل إلى إجماع أوسع بشأن المشروع.
وعشية انعقاد جلسة البرلمان التركي أمس للتصويت على مشروع القانون، قال إردوغان، مساء أول من أمس (الإثنين)، إنّ هناك فائدة كبيرة في سعي الحكومة من أجل حل هذه المشكلات عبر التوصل إلى توافق واسع، والإصغاء إلى الانتقادات والمقترحات التي تأتي من شرائح مختلفة من المجتمع.
وكان نواب حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين طالبوا بسحب مشروع القانون. وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري عمر سُها آلدان: «ستُجبر طفلة صغيرة على مرافقة مغتصبها مدى الحياة. المغتصبة هي الطفلة. فهذا مقترح سيطبق على وقائع الاغتصاب التي سبقت السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني)، فلماذا لا يقترح الحزب الحاكم أن يشمل المقترح وقائع المستقبل أيضًا إن كان يراد مصلحة البلاد؟ إن المستفيدين من هذا القانون سيتوجهون إلى المحكمة الدستورية، وستضطر الأخيرة إلى اتخاذ قرار التعميم وفقا لمبدأ المساواة، ليصبح هذا الأمر عادة منتشرة مسموحًا بها بموجب القانون تشمل المغتصبين في المستقبل أيضًا».
وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري جمال أوكان يوكسال: «ما نفعله هنا هو أننا نكون إن وافقنا على هذا القانون قد قمنا بتبرئة الرجل الذي اغتصب فتاة في الحادية عشرة من عمرها ثم قام فيما بعد بمنح عائلتها النقود (المهر) وشراء الطفلة. أشعر بالأسف الشديد. أرجوكم تراجعوا عن هذا المشروع ونعيد النظر فيه تحت سقف البرلمان مرة أخرى. لا يمكن أن نتحمل مسؤوليته السياسية والوجدانية أبدًا. المنحرفون الذين يرون هذا قد يجبرون الضحايا على الزواج. وسيصبح الإفلات من العقاب أمرا رسميا».
أما نائب رئيس المجموعة البرلمانية للحزب أوزجور أوزال، فأوضح أن البرلمان خُدع بالمقترح المطروح في الدقائق الأخيرة من جلسة البرلمان قائلا: «لن تتم معاقبة الجاني الذي سيتزوج بضحيته. فمثل هذا القانون يستغرق نقاشه في العادة 4 أيام، لكن الحزب الحاكم استعجل في الأمر وصدر قرار بعرضه على التصويت في غضون 4 ساعات. ليس نحن فقط من خُدعنا بل البرلمان برمته أيضًا».
وعلق نائب رئيس مجموعة نواب حزب الحركة القومية أركان أكتشاي بقوله: «ليس من الصائب فعل هذا بمقترحات اللحظة الأخيرة».
وأقر البرلمان التركي في قراءة أولى الخميس الماضي مشروع قانون أحالته إليه حكومة حزب العدالة والتنمية والذي يتيح «في حالات معينة» عدم إدانة متهم باعتداء جنسي على قاصر إذا تزوجها، وسط استهجان واسع داخليا وخارجيا.
وكان مشروع القانون سيشمل نحو 3 آلاف متهم حال إقراراه، حيث سيطبق بأثر رجعي فقط اعتبارا من 16 نوفمبر الجاري، ويسمح بتأجيل الحكم في قضايا الاعتداء الجنسي التي ارتكبت «من دون قوة أو تهديد أو خداع» قبل 16 نوفمبر 2016 إلى أجل غير مسمى إذا تزوج مرتكبوها من ضحاياهم.
وإزاء عاصفة الجدل التي أثارها مشروع القانون، طلب يلدريم من حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي أعد المشروع، إجراء مشاورات مع المعارضة في البرلمان بشأن النص قبل استئناف مناقشته والتصويت عليه أمس.
وأحدث مشروع القانون صدمة مجتمعية وانتشرت على «تويتر» بعد ساعات من الإعلان عن إقرار لجنة برلمانية للمشروع ليل الخميس - الجمعة، تعليقات رافضة تحت هاشتاغ: «لا يمكن تشريع الاغتصاب». وعبر فنانون ومشاهير وناشطون عن قلقهم. كما جاء اعتراض من جمعية «النساء والديمقراطية» التي تتولى سمية إردوغان ابنة الرئيس رجب طيب إردوغان منصب نائب رئيسها على مشروع القانون، واعتبرت أنه يتم على أساس قانوني إثبات ما يشكل أمرا قسريا أو طوعيا.
وتساءلت الجمعية: «كيف يمكن تحديد إرادة الفتاة نفسها؟». وجمعت عريضة على الإنترنت طالبت السلطات بعدم إقرار الاقتراح أكثر من 600 ألف توقيع.
ورغم غياب الإحصاءات الرسمية يشكل الزواج المبكر واقعا في تركيا خصوصا في شرقها وجنوبها الشرقي وتتعرض 40 في المائة من النساء في تركيا للعنف الجنسي بحسب إحصاءات رسمية.
وأعاد مشروع القانون إلى الأذهان التوتر بين تركيا والسويد في أغسطس (آب) الماضي على خلفية تغريدة نشرتها وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم على حسابها على «تويتر» حول «سماح تركيا للأطفال ما دون الـ15 بإقامة علاقة جنسية»، وصفها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بالفضيحة.
وعلق جاويش أوغلو، على تغريدة فالستروم قائلا: «قبل كل شيء لا تليق هذه التصريحات بوزيرة خارجية، وهي مبنية على الكذب والتضليل. حكومتنا حازمة في مكافحة ومنع استغلال الأطفال».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.