«الجنائية الدولية» ترجح ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان

مسؤولون في «سي آي إيه» لجأوا إلى استخدام وسائل تعذيب ومعاملة قاسية

فاتو بينسودا ممثلة الادعاء العام  في المحكمة الجنائية الدولية  (نيويورك تايمز)
فاتو بينسودا ممثلة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية (نيويورك تايمز)
TT

«الجنائية الدولية» ترجح ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان

فاتو بينسودا ممثلة الادعاء العام  في المحكمة الجنائية الدولية  (نيويورك تايمز)
فاتو بينسودا ممثلة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية (نيويورك تايمز)

صرحت ممثلة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية أول من أمس بأن هناك «سندا معقولا للاعتقاد» في ارتكاب جنود أميركيين لجرائم حرب، تشمل التعذيب، في أفغانستان. وتنظر ممثلة الادعاء العام في المحكمة فيما إذا كان سيتم فتح تحقيق كامل بشأن ارتكاب جرائم حرب محتملة لمدة سنوات في أفغانستان. وأشارت فاتو بينسودا، في تصريح أول من أمس، إلى أنه من المرجح فتح تحقيق كامل في هذا الشأن. ولم تعلن ممثلة الادعاء العام عن اتخاذ قرار نهائي بشأن التحقيق، الذي ينبغي أن يحظى بموافقة قضاة، في حين أنه من غير المرجح أن تتعاون الولايات المتحدة الأميركية.
وليست الولايات المتحدة من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، التي تم إنشاؤها من أجل التحقيق في جرائم الحرب، والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، وعمليات الإبادة، بينما أفغانستان عضو في المحكمة، لذا من العدل أن يتم النظر في الاتهامات بارتكاب جرائم على أرضها، أيا كانت جنسية مرتكبيها. وهناك ضغوط كبيرة على المحكمة الدولية تدفعها باتجاه تأكيد حياديتها في عملية اختيار الأطراف المستهدفة من التحقيقات. والجدير بالذكر أن كل التحقيقات الكاملة تقريبًا التي فتحتها المحكمة قد ركزت على أفريقيا، حتى إن هناك ثلاث دول أفريقية هي جنوب أفريقيا، وغامبيا، وبروندي قد أعربت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية عن نيتها الانسحاب من المحكمة.
وقالت بينسودا، في تقرير سنوي تم نشره أول من أمس، إنه كان هناك «سند معقول» لفتح تحقيق في «جرائم حرب من تعذيب، وسوء معاملة، ارتكبتها قوات الجيش الأميركي، التي تم نشرها في أفغانستان، في منشآت اعتقال سرية كانت تحت إدارة الاستخبارات المركزية الأميركية». وقالت إنه سيتم التركيز على أي جرائم حدثت بين عامي 2003 و2004.
وقال ديفيد بوسكو، أستاذ جامعي هندي يتابع أخبار المحكمة، إن صياغة التقرير تشير إلى أن بينسودا كانت على استعداد للسعي وراء الحصول على تصريح من أجل بدء إجراءات فتح تحقيق «في غضون أيام أو أسابيع». وقال إنه تفاجأ بما ورد في التقرير من إشارات إلى الاهتمام بتوسيع نطاق التحقيق ليشمل انتهاك حقوق السجناء في منشآت الاعتقال السرية في بلدان أخرى أعضاء في المحكمة؛ من بينها بولندا، ورومانيا.
كذلك أشار التقرير إلى أن ممثلة الادعاء العام قد وجدت دليلا على حدوث «تعذيب، وسوء معاملة من جانب القوات التابعة للحكومة الأفغانية»، وتحديدًا من قبل جهاز الاستخبارات، والشرطة. كذلك سيستهدف التحقيق جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها حركة طالبان، والجماعات التابعة لها، بحسب ما جاء في التقرير. كذلك من المحتمل أن يمثل التحقيق مواجهة لدونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب مؤخرًا، والذي قال إنه يدعم التعذيب كوسيلة من وسائل مكافحة الإرهاب. وتمثل قواعد المحكمة حاجزًا مرتفعًا أمام ممثل الادعاء العام في مسار بدء التحقيق، وقد يحتاج هذا الأمر لسنوات، وهو ما يسبب الإحباط لمنتقدي المحكمة ومؤيديها على حد سواء. على سبيل المثال، على ممثل الادعاء العام التأكد من أن المحاكم في الدول ذات الصلة لم تتخذ ما يكفي من خطوات لمساءلة ومحاكمة الجناة.
وأوضح التقرير أن جنودا أميركيين، ومسؤولين في الاستخبارات المركزية الأميركية، قد «لجأوا إلى استخدام وسائل ترقى إلى مستوى ارتكاب جرائم حرب من تعذيب، ومعاملة قاسية، وانتهاك لكرامة الإنسان، واغتصاب، أثناء التحقيق مع معتقلين في منشآت كانت تتولى الولايات المتحدة الأميركية إدارتها في أفغانستان». وقد قام الجنود بهذه الممارسات عند تعاملهم مع 61 معتقلا على الأقل، وقام مسؤولون في الاستخبارات المركزية، بأفعال مماثلة عند التعامل مع 27 معتقلا على الأقل، خلال الفترة بين عامي 2003 و2004 بحسب ما أشار التقرير. وذكر التقرير: «لم تكن هذه الجرائم المزعومة مجرد انتهاكات فردية، بل يبدو أنها قد ارتكبت في إطار استخدام مقبول معتمد لتلك الوسائل في التحقيق في محاولة للحصول على معلومات سرية يمكن اتخاذ إجراء بشأنها من المعتقلين».
كذلك أشار التقرير إلى أن المسؤولين الأميركيين قد أصدروا أوامر بوقف العمل بتلك الوسائل. وواجهت ممثلة الادعاء العام انتقادات لعدم اتخاذ إجراء بخطى سريعة بشأن القضايا التي حدثت في أفغانستان؛ لكنها أكدت أن سبب ذلك هو الافتقار إلى مصادر، وعدم وجود تعاون.
وسعت الولايات المتحدة الأميركية بكل ما أوتيت من قوة من أجل تفادي تدقيق المحكمة الدولية في الأمر، حيث قالت إن السلطات الأميركية قد فتحت بالفعل تحقيقات في اتهامات بارتكاب انتهاكات. مع ذلك أوضحت ممثلة الادعاء العام أنه لم يتم مقاضاة أي جنود أميركيين، ولم يمثلوا أمام أي محكمة.
أما بالنسبة إلى مسؤولي الاستخبارات المركزية، فتحت وزارة العدل تحقيقًا في المعاملة السيئة، التي تعرض لها معتقلون. وتم اتخاذ قرار بعدم مقاضاة أي شخص تورط في مقتل أي سجين أو معتقل. وأشار التقرير إلى أن البحث لا يزال مستمرًا عن إيضاحات من قبل السلطات الأميركية بشأن استفسارات عن سلوك مسؤولي الاستخبارات المركزية قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن فتح تحقيق كامل. ومن المقرر أن يتم اتخاذ هذا القرار «قريبًا جدًا» على حد قول ممثلة الادعاء العام.
ويأتي التقرير السنوي لممثل الادعاء العام في وقت دقيق بالنسبة إلى المحكمة، حيث يتورط سياسيون وأمراء حروب من دول أفريقية، باستثناء جورجيا، في تسعة من بين العشرة تحقيقات التي تجريها المحكمة حاليًا. وتعد الحدود الجغرافية للعشرة تحقيقات الأولية، التي تجريها ممثلة الادعاء العام كخطوة أولى قبل الانتقال إلى فتح تحقيق كامل، متسعة، حيث تشمل تحقيقات تتعلق بأوكرانيا، وأفغانستان، والعراق، والأراضي الفلسطينية.
*خدمة: «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».