ترامب أصبح واقعًا.. وقادة العالم يستقبلونه بلغة دبلوماسية

الرئيس الفرنسي يهنئ ويحذر من «مرحلة من الغموض»

الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)
الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)
TT

ترامب أصبح واقعًا.. وقادة العالم يستقبلونه بلغة دبلوماسية

الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)
الرئيس المنتخب دونالد ترامب مع عائلته (رويترز)

ردة فعل قادة العالم لم تكن غير متوقعة، والتقليد المتبع، خصوصا بين الدول التي لا تمر بحالة من العداء المتبادل، هو أن تقبل بإرادة الشعوب في اختيار ممثليها. ومن هنا انهالت التهاني أمس على الرئيس الأميركي المنتخب. وربما من أهم ردود الفعل على هذا الانتصار الذي جاء مفاجئا للجميع هو الموقف الأوروبي، بسبب العلاقات الاستراتيجية الدفاعية بينها وبين الولايات المتحدة التي تعتبر العضو الأهم في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
خلال حملته الانتخابية شكك الرئيس المنتخب دونالد ترامب في جدوى الإنفاق الأميركي على الدفاع الأوروبي من خلال حلف شمال الأطلسي (ناتو) لا سيما فيما يتعلق بالدول الأقرب لروسيا في الشرق. وقال إن على الدول الأوروبية أن تتحمل نفقات الدفاع عن نفسها. لكن مع انتخابه رئيسا أمس سعى سفراء الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لطمأنة أوروبا بأن التعاون الوثيق سيستمر في أعقاب انتخاب دونالد ترامب رئيسا للبلاد. وقال دوغلاس لوت سفير واشنطن للحلف خلال اجتماع مع دبلوماسيين أوروبيين في مقر السفارة الأميركية في بروكسل إن هناك مجالا كبيرا للاستمرار وإن حلف الأطلسي لطالما كان مهما بالنسبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي. وحث السفير الأميركي للاتحاد الأوروبي أنتوني غاردنر الذي عينه الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما الأوروبيين على عدم تكوين افتراضات بشأن طبيعة إدارة ترامب. وقال للصحافيين: «من السابق لأوانه الوصول لنتائج». وقال: «أي إدارة أميركية ستدرك أهمية.. العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. امنحوها الوقت».
وهنأ ينس ستولتنبرغ أمين عام «الناتو» دونالد ترامب لفوزه في الانتخابات الرئاسية وشدد على أهمية القيادة في واشنطن في ظل «البيئة الأمنية الجديدة والصعبة». وقال: «القيادة الأميركية تظل مهمة كما كانت دائما.. وأتطلع إلى العمل مع الرئيس المنتخب ترامب».
وأضاف: «إن قوة حلف الناتو تصب في صالح الولايات المتحدة وكذلك في صالح أوروبا»، مشيرا إلى أن «هناك المزيد من العمل» الذي يتعين القيام به في ضوء التهديدات التي من بينها الحروب غير التقليدية والهجمات الإلكترونية والإرهاب.
كما وجه رئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك دعوة إلى ترامب لعقد قمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أوروبا حين يسمح له الوقت بذلك. وفي رسالة تهنئة مشتركة لترامب على فوزه، وجه يونكر وتوسك «دعوة له للتوجه إلى أوروبا لعقد قمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أول فرصة ممكنة له»، مؤكدا أن «تعزيز العلاقات بين الطرفين مهم أكثر من أي وقت مضى». وأضافا «فقط عبر التعاون بشكل وثيق يمكن للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يواصلا إحداث فارق للنهوض بتحديات غير مسبوقة مثل (داعش) أو تهديدات لسيادة أوكرانيا والتغير المناخي والهجرة». وقالا: «لحسن الحظ الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عريضة وعميقة».
كما هنأت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الرئيس الأميركي المنتخب بفوزه. وفي الوقت ذاته ذكّرت المستشارة الألمانية ترامب في برلين بمسؤوليته عن النمو العالمي في ظل القوة العسكرية والاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة. أضافت ميركل: «من يحكم هذا البلد بكل ما تمتلكه من قوة اقتصادية جبارة وقدرات عسكرية وقدرتها على التأثير الثقافي يتحمل المسؤولية التي يشعر بها الناس في كل مكان في العالم تقريبا». وأكدت ميركل أن ألمانيا وأميركا تربطهما قيم مشتركة مثل الديمقراطية والحرية والاحترام والقانون وكرامة الإنسان بصرف النظر عن أصله ولون بشرته ودينه وجنسه وتوجهه الجنسي أو موقفه السياسي. تابعت ميركل: «على أساس هذه القيم أعرض على الرئيس المقبل للولايات المتحدة دونالد ترامب التعاون الوثيق».
وقال وزير خارجية بريطانيا بوريس جونسون إنه يتطلع لمواصلة الشراكة بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وسبق أن وجه جونسون انتقادات لترامب الجمهوري. وقال جونسون الذي كان رئيس بلدية لندن في حسابه على موقع تويتر: «أؤمن بقوة بأهمية العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وأنا على ثقة أننا نستطيع النهوض بها معا». وفي العام الماضي قال جونسون إنه يخشى الذهاب إلى نيويورك لأن «هناك احتمالا حقيقيا بلقاء دونالد ترامب» بعد أن قال الملياردير إن مناطق من لندن باتت متطرفة لدرجة أن أفراد الشرطة أصبحوا عاجزين عن فرض القانون فيها خوفا على حياتهم.
وجاء الرد الفرنسي ليعكس حالة التخوف الأوروبي خلال المرحلة القادمة. إذ حذر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من «مرحلة من الغموض» مع انتخاب الجمهوري ترامب رئيسا للولايات المتحدة، داعيا إلى وحدة صف أوروبية. وبعدما كان الرئيس الفرنسي الاشتراكي ندد بـ«تجاوزات» المرشح الجمهوري، «هنأه» رسميا «كما هو طبيعي بين رئيسي دولتين ديمقراطيتين»، في تصريح مقتضب من قصر الإليزيه. لكنه حذر عن «غموض» يحيط بـ«السلام» و«مكافحة الإرهاب» و«الوضع في الشرق الأوسط» و«العلاقات الاقتصادية» و«حماية الأرض»، في إشارة إلى اتفاق باريس حول المناخ الذي توعد دونالد ترامب مرارا بالانسحاب منه. وقال: «سأباشر من دون إبطاء حول كل هذه المواضيع نقاشا مع الإدارة الأميركية الجديدة» مذكرا بأن «الولايات المتحدة هي شريك ذو أهمية قصوى لفرنسا». وتابع: «إن هذا الوضع يدعو أيضا إلى أوروبا موحدة قادرة على التعبير عن موقفها وتطبيق سياسة حيث تكون مصالحها أو قيمها على المحك: الحرية، الكرامة، اللحمة الاجتماعية، مكافحة الفقر». وقال: «علينا إيجاد أجوبة، لدينا الأجوبة، ويجب أن تكون قادرة على تخطي المخاوف»، في وقت تواجه بلاده أيضا صعودا للخطاب الشعبوي قبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
وكان وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرو قد صرح سابقا بأن بلاده سيكون عليها أن توضح مع الولايات المتحدة مسائل رئيسية مثل الصراع في سوريا والصفقة النووية لإيران والتغير المناخي إذا صار المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية رئيسا للولايات المتحدة. وأضاف ايرو لتلفزيون «فرنسا 2» أنه كان يفكر في أن شخصية ترامب مثيرة «للتساؤلات.. تجعلك تفكر وتطرح أسئلة وربما تثير ردود فعل».
وهنأ الفاتيكان الرئيس الأميركي الجديد. وأعرب عن أمله في أن تكون أفعال ترامب كرئيس مسؤولة أكثر من شعاراته كمرشح. وقال الكاردينال بييرو بارولين، وزير خارجية الفاتيكان: «تمنياتنا للرئيس الجديد بأن تكون إدارته مثمرة حقا، وصلواتنا للرب بأن يمنحه النور ويدعمه في خدمة بلاده». وقال بارولين، الذي يعد أيضا رئيس حكومة الفاتيكان: «أعتقد أننا اليوم في حاجة للعمل معا جميعا لتغيير الوضع في العالم، والذي ينقسم بشكل خطير ويتصارع بشكل خطير».
وردا على سؤال حول تعهد ترامب ببناء جدار على الحدود المكسيكية، والذي انتقده بابا الفاتيكان فرنسيس الأول، قال بارولين: «من الطبيعي إنهم يقولون: أن تكون مرشحا فهذا أمر، وأن تكون رئيسا فهو أمر آخر. أعتقد أنه من السابق لأوانه أن نصدر حكما».
كما هنأ الرئيس الصيني شي جين بينغ الجمهوري ترامب بفوزه بالرئاسة وقال إنه يتطلع إلى العمل معه، بحسب ما أورد تلفزيون «سي سي تي في» الرسمي. ونقل التلفزيون عن الرئيس الصيني قوله «أقدر العلاقات الصينية الأميركية وأتطلع إلى العمل معكم والتمسك بالاحترام المتبادل بعيدا عن النزاعات والمواجهات». وأضاف أن الصين والولايات المتحدة بوصفهما أكبر اقتصادين في العالم، تتحملان مسؤولية حماية السلام والاستقرار العالميين وتشجيع الازدهار العالمي، بحسب ما نقل التلفزيون. وأضاف أن «تطوير علاقات صينية أميركية مستقرة وسليمة طويلة الأمد بما يصب في مصلحة شعبي البلدين هو ما يتوقعه المجتمع الدولي».
وتابع المواطنون الصينيون نتائج الانتخابات الأميركية، واستقبلوا فوز ترامب بمزيج من التفاؤل والدهشة. وكان ترامب هاجم سياسات الصين التجارية وألقى على بكين بمسؤولية خسارة الأميركيين الكثير من الوظائف ووعد بفرض تعرفة جمركية بنسبة 45 في المائة على السلع الصينية الصنع.
أما رئيس الوزراء الهندي فشكر ترامب على «الصداقة» التي أظهرها للهند خلال حملته الانتخابية. وقال ناريندرا مودي في رسالة للرئيس الأميركي المنتخب: «نحن نقدر الصداقة التي أظهرتها تجاه الهند خلال حملتك الانتخابية». وأضاف: «نتطلع للعمل معك بصورة وثيقة لرفع العلاقات الثنائية بين الهند وأميركا لمستوى جديد». وكان ترامب قد أشاد خلال خطاب انتخابي أمام الناخبين الأميركيين من أصل هندي الشهر الماضي برئيس الوزراء الهندي، وتعهد بأن الهند وأميركا سوف يصبحان «أفضل أصدقاء» إذا تم انتخابه. وقد احتفل أعضاء من حركة هندو سينا اليمينية بفوز ترامب بوسط دلهي، حيث قاموا بالرقص وتوزيع الحلوى.
وقالت رئيسة الوزراء النرويجية إرنا سولبرج إن أوسلو تسعى لاستمرار العمل للحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، أما رئيس الوزراء الدنماركي لارس لوك راسموسن فقال «الآن بعدما هدأت الأجواء الانتخابية، أتمنى أن تستمر الإدارة المقبلة في التعاون المنفتح والبناء الذي كان سمة رئيسية لأميركا خلال الأعوام الماضية».
وأضاف: «أوروبا في حاجة لأميركا قوية».
أما رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي فقد أعرب عن أمله في علاقات مستقرة لبلاده مع الولايات المتحدة الأميركية. وقال رينزي: «إنها حقيقة سياسية جديدة تظهر مع أشياء أخرى أننا في عهد جديد».
وأكد أنه مقتنع أن العلاقة الودية بين إيطاليا والولايات المتحدة الأميركية ستظل «قوية ومتينة».
وأعرب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن تطلعه للتعاون عن كثب مع الرئيس الأميركي.
وقال في بيان إنه يتطلع إلى «المزيد من تعزيز العلاقات بين اليابان والولايات المتحدة وأن يلعب الجانبان دورا رائدا لضمان السلام والازدهار في منطقة آسيا - المحيط الهادي».



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.