الفلسطينيون لا ينتظرون من ترامب الكثير.. لكنهم يتمسكون بـ«أمل» السلام

وعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس تكرر 20 مرة ولم ينفذ

ليلة الانتخابات في مبنى السفارة الأميركية في تل أبيب التي وعد دونالد ترامب بنقلها إلى القدس (رويترز)
ليلة الانتخابات في مبنى السفارة الأميركية في تل أبيب التي وعد دونالد ترامب بنقلها إلى القدس (رويترز)
TT

الفلسطينيون لا ينتظرون من ترامب الكثير.. لكنهم يتمسكون بـ«أمل» السلام

ليلة الانتخابات في مبنى السفارة الأميركية في تل أبيب التي وعد دونالد ترامب بنقلها إلى القدس (رويترز)
ليلة الانتخابات في مبنى السفارة الأميركية في تل أبيب التي وعد دونالد ترامب بنقلها إلى القدس (رويترز)

لم تأت رياح الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية بما اشتهت السفن الفلسطينية؛ فالنتائج التي حملت دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة هناك، كانت آخر ما ينتظره الفلسطينيون التي تعاني قضيتهم «الإهمال» الدولي الشديد «والانحياز» القاهر لإسرائيل.
هنأ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الرئيس الأميركي المنتخب، وقال إن «الرئيس المنتخب ترامب هو صديق حقيقي لدولة إسرائيل. وسنعمل سويا من أجل دفع الأمن والاستقرار والسلام في منطقتنا». وتابع: «العلاقة المتينة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تستند إلى قيم مشتركة ومصالح مشتركة ومصير مشترك. وأنا واثق من أن الرئيس المنتخب ترامب وأنا سنستمر في تعزيز الحلف المميز بين إسرائيل والولايات المتحدة وسنجلبه إلى مرتفعات جديدة».
من جهته، خرج رئيس حزب «البيت اليهودي» الاستيطاني وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، بتصريح قال فيه إنه يعتبر فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة، بمثابة «فرصة للتراجع عن فكرة إقامة دولة فلسطينية في قلب أرض إسرائيل».
وقال بينيت إنه إذ يهنئ رئيس الولايات المتحدة المنتخب، ويشكر هيلاري كلينتون على صداقتها لإسرائيل، يثق بأن «العلاقة المميزة بين الولايات المتحدة وإسرائيل باقية، بل وستتعزز». وإنه يرى في هذا الفوز «انتصارا للحقيقة البسيطة على المسلمات القديمة الزائلة، وانتصارا لمصلحة الدولة على النخب المنهارة أمام أعيننا». بدوره، صرّح رئيس بلدية القدس الغربية نير بركات، الذي يحاول طرح نفسه بوصفه مرشحا يمينيا لرئاسة الحكومة بعد عهد بنيامين نتنياهو، بأنه ينبغي متابعة تنفيذ ترامب وعوده الانتخابية، وفي مقدمتها وعده بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس الموحدة «عاصمة إسرائيل الأبدية».
لكن مع ذلك تعاطت الدبلوماسية الفلسطينية بكثير من الكياسة مع الرئيس الجديد، مذكرة إياه «بالأمل الفلسطيني» أن يتحقق السلام العادل خلال ولايته. وهنأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمناسبة انتخابه، آملا منه أن يحقق السلام العادل خلال ولايته. وتقدم عباس في برقية تهنئة لترامب، باسمه واسم دولة فلسطين وشعبها: «بالتهاني القلبية بتوليه رئاسة الولايات المتحدة الأميركية»، متمنيا له «التوفيق والنجاح في المهام الجديدة الموكلة إليه، وداعيا الله تعالى أن يتحقق بعهده السلام العادل والشامل في المنطقة والعالم أجمع».
ورسالة عباس «الضرورية» إلى ترامب، ترجمها المتحدث باسمه نبيل أبو ردينة بتأكيده أن أي تعامل مع أي رئيس ينتخبه الشعب الأميركي، سيجري «على قاعدة تحقيق السلام في الشرق الأوسط، القائم على أساس حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين».
وزاد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات بقوله «نأمل من الإدارة الأميركية المقبلة أن تحول الحديث عن مبدأ حل الدولتين إلى تحقيق هذا المبدأ على الأرض؛ لأن الأمن والسلام والاستقرار في هذه المنطقة لن يأتي إلا بهزيمة الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967، وإقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشرقية، لتعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل»، مذكرا ترامب بأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي أثناء رئاسة جورج بوش الابن، وباراك أوباما، أعلنا أن مبدأ حل الدولتين هو مصلحة وطنية عليا.
ولا تعبر أماني المسؤولين الفلسطينيين عن حقيقة ما يعتقدونه أو يعتقده شعبهم بالنسبة لترامب، على الرغم من أنه قال في إحدى المقابلات التلفزيونية إن أحد الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها حال وصوله للرئاسة هو «تحقيق السلام بين إسرائيل وجيرانها»، وهو لا يعتقد «أن هذا يمكن أن يتحقق بتصنيف طرف بالخيِّر والآخر بالشرير».
ولا ينسى الفلسطينيون لترامب نفسه، وعده بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، قبل نحو شهر، ورد عليه عريقات آنذاك بقوله: «تمثّل تصريحاته احتقارًا للقانون الدولي وللسياسة الخارجية الأميركية». وهذا الوعد الذي اغضب الفلسطينيين ظاهريا، لا يبدو أنه يقلقهم عمليا.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني إن «الحملات الانتخابية تحمل الكثير من المواقف التي تستهدف جمهور الناخبين، لكن السياسة الأميركية تحكمها مؤسسات سياسية». ويؤكد الدكتور ناصيف معلم، رئيس المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية، أن «هذا الوعد ليس مقلقا على نحو خاص؛ لأنه استخدم دائما ضمن الدعايات الانتخابية الأميركية. كل الرؤساء استخدموه»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا مخالف للقانون الدولي وسيكلف ترامب صراعات ليس بوارد الإدارات الأميركية دخولها». وتابع: «المقلق هو أن يكون الشعب الأميركي أيد نقل السفارة من خلال انتخابه ترامب، وهو مؤشر على ازدياد التطرف في أميركا كما هو الحال في إسرائيل».
ويتفق السفير الإسرائيلي الأسبق في الولايات المتحدة، زلمان شوفال، مع فكرة أن الوعد غير قابل للتطبيق، قائلا: «جميع مرشحي الرئاسة وعدوا بنقل السفارة إلى القدس، أَما بعد ذلك فيتراجعون».
وسبق لعشرين مرشحا رئاسيا أميركيا منذ عام 1972 أن وعدوا بالأمر نفسه من دون أن يتحقق.
وكان جورج بوش الابن وعد عام 1999 «في يومي الأول في المكتب البيضاوي، سأنقل السفارة الأميركية إلى القدس». وبعد ذلك بسنة، قال الرئيس بيل كلينتون إنه يدرس نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، حتى إن «لدينا قطعة أرض جاهزة لذلك».
وحتى منافسة ترامب، هيلاري كلينتون، وعدت في السابق بأن السفارة الأميركية ستُنقل من تل أبيب إلى القدس. وليس الرؤساء الأميركيون وحدهم، بل مجلس الشيوخ الأميركي الذي شرع عام 1995: «قانون نقل السفارة الأميركية إلى القدس». ونص أن «سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل ستُنقَل إلى القدس في موعدٍ لا يتأخر عن 31 مايو (أيار) 1999».
وقال ناصيف إن «ترامب لن يأتي بجديد لا في هذا الموضوع، ولا في آخر بالنسبة للقضية الفلسطينية».
وأضاف: «باعتقادي، السياسة الشرق أوسطية لن تتغير بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص».
ويرى ناصيف أن الأداء السياسي الفلسطيني يساعد على ذلك. «أداؤنا السياسي ليس بمستوى شعب يريد أن يتحرر، وتحالفاتنا ليست ضمن مصالح شعبنا الفلسطيني، ولا شيء سيتغير بعد فوز ترامب». وأردف «كل السياسة الأميركية قائمة على مصالح وعلى اللوبيات الموجودة داخل الولايات المتحدة، اللوبي الصهيوني والمسيحي الصهيوني، ولوبي الصناعات الأمنية والعسكرية والأكاديميون ورجال الأعمال ونحن ليس لنا لوبي واحد هناك». وتابع أن «الولايات المتحدة مصلحتها في المنطقة مع الدولة القوية، (إسرائيل)».
في المقابل، لا يرى ناصيف أن الوضع سيزداد سوءا، ساخرا من تصريحات وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت، زعيم حزب البيت اليهودي اليميني المتشدد، الذي قال: إن انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة يعني عمليا نهاية فكرة الدولة الفلسطينية. ووصف ناصيف الوزير بينيت، بأنه إرهابي غبي ويؤمن بالخرافات.
وهوّن ناصيف من إمكانية حدوث تغيير كبير في سياسة الولايات المتحدة بشأن السلام، قائلا: «الرئيس الأميركي ليس هو اللاعب السياسي الوحيد في الإدارة أميركية، إنه جزء من هذه المؤسسة القائمة على المصالح».
وعلى أمل لا يبدو واقعيا بأن يخدم ترامب القضية الفلسطينية، وهو الأمل الذي يتمسك به الرئيس الفلسطيني محمود عباس، دعت حركة حماس كذلك الرئيس الأميركي ترامب إلى إعادة تقييم سياسة بلاده تجاه الفلسطينيين والعمل على إنصاف الشعب الفلسطيني. وأكدت الحركة أن معاناة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ما زالت مستمرة بسبب سياسة الانحياز من الإدارات الأميركية المتعاقبة لمصلحة الاحتلال.
وبعد ساعات من نتائج الانتخابات الأميركية، اتّضح أن عدد الناخبين الأميركيين في إسرائيل تضاعف أربع مرات، وأن 80 في المائة منهم صوتوا لصالح دونالد ترامب.
وأعلن المستشار الإسرائيلي للرئيس ترامب ومركز حملته الانتخابية في إسرائيل، أرئيل سندر، أن «الناخبين الإسرائيليين ساهموا بشكل كبير جدا في انتصار ترامب».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.