جنبلاط لـ«الشرق الأوسط»: علينا التقاط «اللحظة التاريخية».. والإسراع في تشكيل الحكومة

دعا القيادات اللبنانية لاستغلال لحظة التوافق الدولي.. ونفى إمكانية التمديد لمجلس النواب الحالي

رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط  («الشرق الأوسط»)
رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط («الشرق الأوسط»)
TT

جنبلاط لـ«الشرق الأوسط»: علينا التقاط «اللحظة التاريخية».. والإسراع في تشكيل الحكومة

رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط  («الشرق الأوسط»)
رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط («الشرق الأوسط»)

حض رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط الأطراف السياسية المحلية على «التقاط اللحظة التاريخية» التي سمحت بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، والعمل على تحصين الوضع الداخلي عبر الإسراع في تأليف الحكومة والعمل مع الرئيس الجديد للبلاد العماد ميشال عون، داعيا هؤلاء إلى الخروج من «الحزبيات» ناعيا فريقي 14 و8 آذار والوسطية، التي كان جزءا منها في الفترة الماضية.
ورفض جنبلاط في حوار مع «الشرق الأوسط» ما يقوله بعض السياسيين اللبنانيين من أن رئيس الجمهورية صنع في لبنان، معتبرا هذا الكلام ليس دقيقا؛ لأنه لم يكن هناك يومًا رئيس صنع في لبنان. ورأى أن التوافق الدولي والإقليمي حول انتخاب رئيس جديد للبنان، معناه أن هؤلاء يريدون إلى حد ما فصل لبنان عن حروب المنطقة.
ونفى جنبلاط أيضا أي إمكانية لتمديد ولاية مجلس النواب الحالي التي تنتهي في مايو (أيار) المقبل، مشيرا إلى إمكانية تمديد تقني يسمح بإجراء الانتخابات البرلمانية في سبتمبر (أيلول) المقبل، جازما بأن الانتخابات «لا مهرب منها».
أما فيما يتعلق بوضع المنطقة، فرأى جنبلاط أن ثمة خريطة جديدة ترسم لها، لكنه أبدى اطمئنانه إلى أن لبنان باق. وقال: «هناك شيء قادم إلى المنطقة، لكن ما هي فترة التشكيل الجديد؟ 5 سنوات، 10 سنوات، لا ندري، ويبدو أن لبنان (الجنرال) غورو باق، وكأن (اتفاق) سايكس بيكو بعد 100 سنة يلفظ أنفاسه، ولبنان باق و(وعد) بلفور يتوسع. هذه العناوين الثلاثة تلخص الوضع برمته».
وفيما يأتي نص الحوار:
* ماذا بعد انتخاب الرئيس؟
- المطلوب الآن من الجميع السرعة في تشكيل الحكومة؛ لأن خطوة انتخاب الرئيس بعد تأخير سنتين ونصف تستكمل بتشكيل حكومة. تشكيل حكومة قد لا يعالج أمورا كثيرة، لكنه يعطي طمأنينة لأننا أمام مرحلة قصيرة تفصلنا عن الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، ومع هذا يبقى أن تشكيل حكومة مؤشر سياسي ثم إنمائي ثم اقتصادي.
* وما المطلوب لتسريع ولادة الحكومة؟
- بإمكاننا أن نركز على ملفات كثيرة، لكن علينا في البداية تشكيل حكومة، ولنفعل ذلك علينا الخروج من بعض الحصص أو الإصرار على بعض الحصص، فهذا مهم جدا في هذه المرحلة.
* هل تتوقع من مجريات الاتصالات أن يتم التشكيل سريعا؟
- علينا أن نلتقط تلك اللحظة التاريخية. البعض يقول إن رئيس الجمهورية صنع في لبنان، لكن هذا الكلام ليس دقيقا. لم يكن هناك يوما رئيس صنع في لبنان. قد نختلف على درجة المشاركة اللبنانية أو الخارجية أو الإقليمية، في اختيار الرئيس، لكن الواقع يؤكد أنه ليس صناعة لبنانية. فجأة حصل تلاق دولي وإقليمي واسع، تلاقي دول ومصالح إقليمية ودولية على انتخاب رئيس. هذا مفيد وجيد. قد يعني هذا أنهم يريدون إلى حد ما فصل لبنان عن المنطقة، فمن المفيد فصل لبنان عن حروب المنطقة، وكأن لبنان يهمهم أو يبدو أن لبنان مهم، لذا علينا نحن الساسة في لبنان أن نفهم تلك الإشارة ونلتقطها بسرعة ونشكل حكومة.
* ما حصل هل هو بداية حل للوضع اللبناني، أم أنه مجرد إبرة مسكّن لمنع انهيار البلد؟
- لم نكن على حافة الانهيار. صحيح أننا عانينا في لبنان لمدة سنتين ونصف من دون رئيس مع ضربات الإرهاب، لكن المؤسسات بقيت قائمة، وبخاصة المؤسسات الأمنية. وقد حاربنا الإرهاب لكن هذا التلاقي في مكان ما، معناه كما سأعيد وأكرر، أن الدول الكبرى تعي أهمية لبنان ولا تريد أن يدخل لبنان في دوامة الصراعات الإقليمية، آخذين بعين الاعتبار أن الحروب في العراق أو في سوريا طويلة. وكما ذكرت في الماضي أن هناك من يريد تحييد لبنان أو الحد الأدنى من تحييد لبنان.
* أي أن ضبط الوضع اللبناني بانتظار الحل النهائي في المنطقة!
- بانتظار التشكيل الجديد بالمنطقة.
* فيما يتعلق بالحكومة، بدأنا نسمع عن مطالب، وكتلة وليد جنبلاط عرضت مطالبها، ما هي؟
- لم أصر كثيرا نتيجة الظروف والتزاحم على الحقائب، ولم أصر كثيرا على توسيع مشاركة اللقاء الديمقراطي بغير (وزير) درزي وحزبي. يقال إن الحكومة ستكون غالبا من 30 وزيرا، ستكون حصة الدروز 3 وزراء، وتمثيلي سيكون اثنين. وهذا سيكون تمثيلا مقبولا ولم أتقدم بمطالب تعجيزية. طلبت وزارة خدمات وأترك للرئيس الحريري والرئيس عون أن يقررا أي وزارة خدمات، لكننا نريدها أن تكون مقبولة؛ لأنني أعلم بماذا سيطالب الآخرون، مثلا المالية يطالب بها خمسة فرقاء.
* هذا زهد بالمطالب؟
- هذا ليس زهدا، إنما تلاق مع الرئيس بري على أهمية التقاط اللحظة التاريخية. الرئيس بري الذي يبقى رجل دولة ضمانة، والذي يلتقط الإشارات العربية والدولية، ألتقي معه بأنه لا بد من الإسراع في تشكيل الحكومة.
* وليد جنبلاط، كيف سيكون موقعه بالعهد الحالي؟
- عندما التقطنا الإشارات، وعندما رأينا أن الرئيس سعد الحريري كان له أيضا مناورة ذكية. كنا بمرحلة معينة نشك في أنه سيَجري انتخاب، إلا أن الحريري بطريقته قام بمناورة ذكية، ورأينا تلاقيا أو تنسيقا - سمّه كما شئت - إيرانيا، سعوديا، أميركيا، روسيا، بأهمية انتخاب رئيس، فذهبنا ولم أتردد. في البداية قبل كل هذه المرحلة قلت إذا كان الموضوع بانتخاب عون، وهو زعيم مسيحي قوي، فأنا مع الزعيم المسيحي القوي، وبخاصة أنه قوي في حيثيته في جبل لبنان.
* كان هناك تنسيق بينك وبين الرئيس بري في الفترة الأخيرة؟
- كان دائما.
* وفي الفترة المقبلة؟
- سيبقى؛ لأن بري هو ضمانة وطنية وعربية.
* لماذا تشدد دائما في كلامك هذا على الرئيس بري بكل خطاب؟
- رفقة عمر، وتاريخ نضالي مع الرئيس بري عمره بين 30 و35 سنة، أقول إن هناك تلاقيا بضمانة الرئيس بري وحنكة الشيخ سعد الذي يبدو أنه كان له الفضل في عودة السعوديين إلى لبنان. وزيارة الوزير (ثامر) السبهان كانت مهمة جدا؛ لأنها أعطت إشارات إيجابية بأن السعودية عائدة إلى لبنان ومعها الإجماع اللبناني، ثم الإشارات الاقتصادية، ربما عودة السياح والمواطنين السعوديين والخليجيين إلى لبنان وعودة الدعم المالي، وما يقال عن «باريس 4»، فكل هذه إشارات. وبغض النظر أن «باريس 4» إذا انعقد مهم جدا، وأذكر أنه عند عقد «باريس 3» فإن قسمًا منه لم ننفذه، حيث كان هناك جدول أعمال لبناني لم ينفذه اللبنانيون، كموضوع الإصلاح الإداري. لذلك «باريس 4» جيدة، لكن علينا أن نتذكر واجباتنا.
* الحكومة الجديدة عمرها قصير، وهناك كلام عن انتخابات نيابية في نهاية ولاية المجلس، وهناك كلام صدر بخجل عن إمكانية تمديد ولاية المجلس لفترة سنة أو 6 أشهر.
- لا أبدا، وإن كان لا بد من تمديد تقني يمكن أن يحصل حتى شهر سبتمبر، فإن الانتخابات لا مهرب منها.
* وفق أي قانون ستكون الانتخابات؟
- ليس لدي فكرة، يمكن أن تكون وفق قانون جديد، لكني أرى أن «قانون الستين» يبقى ضمانة للجميع، هذا رأيي.
* في هذه الفترة، ما العناوين التي يجب أن تعمل عليها الحكومة؟
- في السياسة الخارجية، يحب أن نستمر على علاقة مع الأميركيين لدعم الجيش اللبناني، هذا مهم جدا وضمانة أمنية. وثانيا سمعنا أنه ممكن أن تعود المنحة السعودية أو منحة السلاح السعودي والثلاثة مليارات إلى لبنان. وثالثا قضية النقد اللبناني والتخفيف من العجز؛ لأنه لا يمكن الاستمرار بهذا العجز ولا بد من إنجاز الموازنة لأن هذا العجز مخيف، ونحن رابع دولة في العالم من حيث مستوى العجز، أكثر من 70 مليارا، وليس كافيا إغراء بعض المستثمرين بفوائد عالية، بل أيضا توزيع عادل للثروة الوطنية، وهذا مطلب قديم من الحزب الاشتراكي من أيام كمال جنبلاط. أنا لا أؤمن بنظريات النمو، بل بكيف يتوزع النمو، هو محصور ببعض الناس والمصالح.
* هناك كلام أنك طالبت بتوزير مروان حمادة؟
- نعم، مروان حمادة وأيمن شقير. هذا ليس تغييرا، بل الذين نسوا أن حمادة قدم كثيرا للوطن، واقترب من الموت دفاعا عن قضية الاستقلال والسيادة، وأيضا الذين يتناسون أن أيمن شقير رفيق حزبي وصديق لي.
* لقد أعطيت إشارات في السابق عندما قلت إنه حان وقت تغيير الوزراء من الحزب.
- صحيح.. «التغيير ماشي».
* كيف يمكن تحييد لبنان عن أزمة المنطقة؟
- هناك معادلة إقليمية ودولية ساعدت، وعلينا في المقابل نحن اللبنانيين أن نقوم بواجباتنا. لا يمكن أن نبقي أنفسنا أسرى معادلة (فريقي) 8 و14، لقد انتهى هذا التقسيم.. وكذلك الوسطية انتهت.
* ما المعادلة الجديدة إذن؟
- لا نريد اصطفافات حزبية، يجب التركيز على دعم الجيش والمؤسسات الأمنية والاقتصاد، وحماية النقد والاستمرار طبعا في محاربة الإرهاب، ويجب أن تنتهي الاصطفافات السياسية، وهذا تبين عندما صوتنا جميعا للعماد عون. وبخطاب القسم ميّز وبخطه السياسي فيما يتعلق بعودة اللاجئين السوريين إلى سوريا. لن يعود هؤلاء إلا إذا انتهت الحرب. ثانيا المطالبة باستمرار دعم اللاجئ السوري، وللولايات المتحدة الدور الأول في مساعدة اللاجئين السوريين في لبنان، لكن لا بد من التوجه إلى العرب.
* بما يتعلق بتحييد لبنان عن المشكلات في سوريا، من سيقنع «حزب الله» بالعودة من سوريا؟
- ليس بالضروري إقناع «حزب الله» الآن، وذلك خارج نطاق الأولويات أن نعود إلى هذا الكلام، دخول «حزب الله» إلى سوريا، وهذا الموضوع أكبر من «حزب الله» المحلي، بل هو موضوع إقليمي إيراني. فلننتظر التشكيل الجديد لسوريا والعراق.
* التبعات ما هي؟
- لننسَ أن «حزب الله» في سوريا، ونهتم بالشؤون اللبنانية، فهناك أولويات لبنانية أهم من وجود «حزب الله» في سوريا.
* كيف هي العلاقة مع «حزب الله»؟
- جيدة.
* هل هناك لقاء مرتقب مع نصر الله؟
- أخطط لذلك وفي الوقت المناسب.
* بما يخص سوريا، كيف ترى مسار المنطقة؟
- لا أرى شيئا، ولا أريد أن أحلل، قمت بذلك بشكل كاف في الماضي، إلا أن ذلك مضيعة للوقت في الوقت الحالي؛ لأني لا أستطيع أن أدعي أني أملك أي رؤية. لا نزال في أول الطريق فيما يتعلق بما هو قادم على المنطقة، والمعروف أن الشعب السوري دفع ثمنا هائلا، ويدفع ثمنا هائلا، هو والشعب العراقي أيضا.
هناك شيء قادم إلى المنطقة، لكن ما هي فترة التشكيل الجديد: 5 سنوات، 10 سنوات؟ لا ندري، ويبدو أن لبنان (الجنرال) غورو باق، وكأن (اتفاق) سايكس بيكو بعد 100 سنة يلفظ أنفاسه، ولبنان باق و(وعد) بلفور يتوسع. هذه العناوين الثلاثة تلخص الوضع برمته.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.