أسوان.. الأزمة المكتومة

اشتباكات جنوب مصر نكأت جراح النوبيين

أسوان.. الأزمة المكتومة
TT

أسوان.. الأزمة المكتومة

أسوان.. الأزمة المكتومة

«كان الخلاف بسيطا.. يحدث في أي مكان بين الشباب، لكن بعد رفع السلاح وسقوط قتلى، أصبح لا بد أن نتحدث عن ظلم مستمر منذ عشرات السنين، وأن يسمع العالم صوتنا». هكذا يقول الشاب المصري مجدي حسن، الذي طلبته النيابة في محافظة أسوان، ذات الطابع السياحي، للتحقيق معه ضمن عدد من المتهمين في اشتباكات أودت بحياة 30 من قبيلتي الدابودية (النوبية) والهلالية (العربية) منذ مطلع هذا الشهر.
وبينما يقدر النادي النوبي العام في مصر إجمالي عدد أبناء النوبة، سواء المقيمين أو المهاجرين، بعدة ملايين، إلا أنه لا توجد فوصل داخل القوائم الرسمية لإحصاءات السكان تبين أعراق وديانات المصريين. ويبلغ عدد سكان محافظة أسوان نحو 1.2 مليون نسمة، ويتشكل هذا العدد من أعراق نوبية تعود إلى الممالك القديمة بمصر، وأخرى عربية جاءت مع هجرات القبائل قبل نحو ألف سنة.
وفي أعقاب استقلال مصر عن بريطانيا وانفصالها عن السودان، وقيامها بزيادة مشروعات تخزين المياه في أسوان، ظهرت جروح كثيرة للنوبيين لم تندمل، ليس بإقامة السد العالي في ستينات القرن الماضي فقط، ولكن القضية تعود إلى أكثر من مائة سنة، وهذا ما أظهرته الاشتباكات الأخيرة، كما يقول مجدي حسن، لـ«الشرق الأوسط» وهو أحد أبناء قبيلة الدابودية ممن جرى تهجيرهم في ثلاثينات القرن الماضي من الأرض الأم جنوب مدينة أسوان إلى داخل المدينة وبعض المناطق المجاورة.
ومنذ بداية الأحداث التي عصفت بالمحافظة، وكان أبرزها اشتباكات يوم الجمعة قبل الماضي الذي استخدمت فيه الأسلحة الآلية، شعر الكثير من المسؤولين بوجود بعض الأصوات التي تجنح إلى الاستغلال السياسي للقضية ومحاولة طرحها كقضية دولية، وعدم التعامل معها على أنها نوع من الاشتباكات وقعت ين مواطنين مصريين كما يحدث في الكثير من المحافظات، كما يقول أحد مسؤولي المحافظة لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن البعض أخذ يتحدث عن «المشكلة النوبية» منذ بداية عمليات تهجير أبناء النوبة التي ترجع لنحو عشرة عقود، حتى اليوم.
وبدأت عمليات التهجير للنوبيين على عدة مراحل بهدف إفساح مساحات شاسعة من الأراضي لتخزين مياه النيل، سواء مع عملية التخزين الأولى التي بدأت في عام 1902 أو عمليات التخزين التالية التي استمرت في الثلاثينيات أيضا، إلى أن جاء بناء السد العالي في الستينيات، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من النوبيين إلى الكثير من المحافظات المصرية والإقامة بها، وإنشاء نواد للالتقاء حول الثقافة النوبية ولغتها الخاصة وفنونها ذات المسحة الفرعونية العتيقة.
وبمرور الزمن، تحولت قضية النوبة إلى ما يشبه المعضلة المستمرة منذ سنوات التهجير، إلى أن اندلعت شرارة الاشتباكات المسلحة الأخيرة، رغم أن السبب في المشكلة لا علاقة له بموضوع التهجير من الأساس، إلا أن الأصوات التي بدأت تظهر من هنا وهناك لا تغفل الإشارة إلى أن قضية أراضي النوبيين وما آل إليه مصيرهم، هي القضية الرئيسة، خاصة بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وتراجع السياحة التي يعتمد عليها أبناء الدابودية، إلى جانب التدهور الاقتصادي ونقص الخدمات التي تعانيها البلاد منذ ثلاث سنوات.
ويضيف حسن وهو يستعد للتوجه لنيابة أسوان للرد على التهم الموجهة إليه: «أنا مطلوب للتحقيق بالنيابة في تهم بالتحريض على الأحداث، وبأنني كنت مع الشباب الذين نفذوا العملية» التي جرت يوم الجمعة قبل الماضي.
وهنا، يتدخل أحد أبناء الدابودية أيضا، ويدعى مختار محمود، قائلا إن النوبيين والعرب في أسوان يعيشون في سلام منذ عشرات السنين، و«كنا نعمل جنبا إلى جنب في السياحة والزراعة، لكن غالبية الشباب والرجال الذين كانوا يعتمدون في عملهم على النشاط السياحي، تعرضوا لضربة كبيرة تسببت في إذلالهم، حين تراجعت السياحة بشكل كبير وغير مسبوق منذ سقوط (نظام الرئيس الأسبق) حسني مبارك، لدرجة أن الرجل منا لم يكن يجد ثمن عشاء بيته».
ويقول سعد شمس الدين، وهو من قبيلة الهلالية بأسوان، إن سبب المشكلة التي تفجرت أخيرا في منطقة «وادي السيل الريفي» بالمحافظة، يرجع تاريخها إلى نحو تسعة أشهر مضت، وذلك حين تعارك عدد من الشباب من القبيلة مع شباب من الدابودية، بسبب خلافات حول أسبقية الحصول على أسطوانات غاز الطهي من الموزع. وحدث هذا أيام أزمة شح أسطوانات الغاز التي كان يعانيها المصريون في كل المحافظات تقريبا، في أواخر عهد الرئيس السابق محمد مرسي.
ويضيف: «أنت تعلم أن السلاح منتشر في مصر مع الكثير من الناس، خاصة في محافظات الصعيد. سلاح يأتي من ليبيا ومن السودان ويباع في السوق السوداء.. ومعروف عن أسوان أنها مسالمة ولا تعرف العنف ولا يعرف أبناؤها حمل السلاح، تحولت خلال الانفلات الأمني في أعوام 2011 و2012 و2013 إلى ترسانة أسلحة خاصة بين سكان المناطق الجبلية».
ودفعت الأحداث التي هزت الرأي العام بمصر، كبار المسؤولين في الدولة، بمن فيهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، إلى التوجه إلى أسوان ومقابلة أطراف المشكلة للتوصل إلى مصالحة دائمة بين القبيلتين.
لكن، وإلى جانب جهود المصالحة التي يبدو أنها دخلت طور التنفيذ بنجاح حتى الآن، فإن الحادثة تسببت في فتح أبواب كانت مغلقة منذ عقود طويلة عن أراضي النوبيين وقيمة ما حصلوا عليه من تعويضات من الحكومات السابقة عن عمليات التهجير، وأخطاء السلطات التنفيذية في العقود الغابرة، منذ أيام الرئيس جمال عبد الناصر، وما قبلها حتى اليوم، لكن الملاحظ أن عموم النوبيين - كما يقول الشيخ حامد الدابودي، من عواقل الدابودية - يتحدثون عن قضيتهم «باعتبارها قضية مواطنين مصريين، ويبعدون عن أنفسهم، أولا بأول، الأقاويل والإيحاءات التي تريد استغلال الحادث الأخير وتصور المسألة كقضية أقليات».
ويرفض ناجي عبد الله، من هيئة الدفاع عن الضحايا النوبيين، قيام البعض بمحاولة الاستغلال السياسي لضحايا الحادث من القبيلتين، مشيرا إلى أن الدابودية، بل النوبيين عموما: «يتعاملون مع الجميع كمصريين، يخدمون في الجيش وفي الشرطة، وبينهم كتاب ومطربون وقيادات معروفة ومشهورة، وحين يعلن النوبيون أنهم تعرضوا للظلم في الماضي، وأن لهم مطالب لا بد من الاستماع لها من جانب المسؤولين.. هم يقومون بذلك مثلهم مثل أي منطقة مصرية.. أبناء سيناء (شمال شرقي البلاد) لهم مظالم ومطالب وأبناء مطروح (شمال غربي البلاد) كذلك.. السلطة المركزية لا تنصت عادة لسكان الحدود بشكل عام».
ولا يعرف عن النوبة أنها سعت في السابق للانفصال عن مصر، كما يؤكد عالم المصريات، الدكتور أحمد صالح، الذي يشغل موقع مدير آثار أبو سمبل ومعابد النوبة في وزارة الآثار المصرية، مشيرا إلى أنه على مدى التاريخ «كان النوبيون المصريون مسالمين ولم يسببوا أي قلاقل ولا اضطرابات لمصر، والدليل على ذلك أن الحصن الأول المصري هو حصن (اليفانتين) كان حصنا تجاريا، بينما الحصن الثاني جنوب أسوان بـ350 كيلومترا كان حصنا عسكريا، والنوبيون المصريون كانوا يعيشون بين الحصنين».
ويضيف الدكتور صالح، مؤلف كتاب «راهب في محراب التاريخ»، في حديث له مع وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية بمناسبة أحداث أسوان، أن الحملات العسكرية الموجودة على جدران المقابر والمعابد المصرية التي تصور حملات عسكرية تجاه النوبة ما هي إلا نوع من أدبيات السلطة، لافتا إلى أن «التاريخ المصري القديم شهد زيارات على مستوى عال للحكام المصريين إلى النوبة لمقابلة زعماء القبائل النوبية والتحدث معهم في مشاكلهم ولافتتاح مشروعات كبيرة مثل زيارة الملك ببي الأول لافتتاح قناة مائية في الشلال الأول وأيضا الملك رمسيس الثاني وعائلته لافتتاح معبدي أبو سمبل».
ويوضح الدكتور صالح أن النوبيين ساهموا في الجيش المصري طوال التاريخ بفرقة عسكرية تسمي «مدجاي» كان لها دور كبير في كل انتصارات الجيش المصري طوال التاريخ الفرعوني، واشتهرت هذه الفرقة ببراعة في الرماية وكانوا يبرعون في دقة الإصابة بالسهام، كما انخرط النوبيون في الأمن والشرطة وكان قائد الأمن في تل العمارنة عاصمة إخناتون نوبيا واسمه «بانجسي».
ولأهمية قضايا المحافظات الحدودية مع غزة وليبيا والسودان، فتح عدد من المرشحين المحتملين للرئاسة في الوقت الحالي، خطوط اتصال ولقاءات مع وفود من هذه المحافظات، كان أبرزها استقبال المشير عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق، عمد ومشايخ وقيادات شعبية من قبائل مطروح وسيناء وأسوان، وذلك مع اقتراب موعد الدعاية الانتخابية مطلع الشهر المقبل، في مواجهة منافسين آخرين، بينهم المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي. ويعد النوبيون من المصريين الذين لديهم قدرة على تنظيم أنفسهم أثناء الاستحقاقات الانتخابية، من خلال أكثر من أربعين جمعية نوبية منتشرة في المحافظات المصرية وتتبع النادي النوبي العام بالعاصمة المصرية.
ويسعى بعض المحامين الآخرين، لفتح باب التقاضي أمام المحاكم المصرية من جديد بشأن النزاع على أراض في أسوان بين قبائل نوبية وأخرى عربية، وتأكيد حق النوبيين في التعويض وفي أولوية التنمية، بالمحافظة التي تقع على بعد 879 كيلومترا جنوب القاهرة، وتبلغ مساحتها نحو 34 ألف كيلومتر مربع، وتضم ستة مراكز إدارية وعشر مدن و30 وحدة محلية إلى جانب مئات من القرى والنجوع والكفور، لكن وبسبب تعدد الأسماء، ما زال البعض يخلط بين مناطق وجود بعض القبائل هنا وهناك.
مثلا.. توجد قرية اسمها «دابود» في منطقة «نصر النوبة»، وهي بعيدة عن منطقة اشتباكات قبيلة الهلايل وقبيلة «دابود» التي جرت في قرية وادي السيل. والسبب يرجع إلى أن قبيلة «دابود» تفرقت بسبب التهجير الذي تعرضت له في مراحل بناء خزانات وسدود المياه خلف أسوان، ومنهم من جرى تهجيرهم أولا إلى «نصر النوبة»، ثم في عام 1933 تعرض باقي أبناء الدابودية إلى موجة تهجير أخرى، فتفرقت إلى عدة مناطق، منها منطقة «الشيخ فضل» في مركز دراو، وفي منطقة السيل الريفي، ومنطقة سيل الحقماط، إضافة إلى محافظات أخرى أيضا.
ويقول مجدي حسن: «غالبيتنا في أسوان من منطقة (الشيخ فضل)، ولم يحصل أجدادنا وآباؤنا على أي حقوق منذ جرى تهجيرنا إلى هنا قبل ثمانين سنة». ويضيف: «منذ ذلك الوقت، لم نحصل على أي تعويضات أو أراض أو مبان.. الحكومة عملت مباني في نصر النوبة، لكننا في منطقة الشيخ فضل، وفي مدينة أسوان، نقيم ببيوت نحن الذين أسسناها دون تعويض عن بيوتنا السابقة وأراضينا التي غمرتها المياه، ولذلك نطالب الحكومة ببناء بيوت لنا كما جرى من بناء للبيوت في نصر النوبة في آخر هجرة.. نطالب بهذا، ولكن لا مجيب ونطالب بمد الخدمات لنا، دون مجيب. ما يحدث لنا ظلم كبير، خاصة بعد توقف النشاط السياحي، حيث لم يعد لدينا مورد رزق، والشباب مخنوق، ويعاني البطالة.. لا أكل ولا شرب، ولهذا أصبح من السهل أن تقع الاشتباكات ويسقط ضحايا».
وعقب الحادثة المروعة، أخذت الحكومة المصرية، برئاسة المهندس إبراهيم محلب، عدة قرارات كان على رأسها سرعة الوصول لحلول جذرية تعيد علاقة الوئام والتعاون بين القبيلتين، بالإضافة إلى خطط بدأ تنفيذها بالفعل لتوفير الرعاية والخدمات الضرورية لأبناء أسوان، الذين قال عنهم محافظ المحافظة، اللواء مصطفي يسري، إنهم «إذا تعاركوا في الصباح فإنهم يتصالحون في المساء»، في إشارة إلى حالة السلام والأمان والود المشهورة بين أبناء المحافظة.
لكن أبناء النوبة في أسوان، وأبناء المحافظات الحدودية الأخرى، يريدون، وفقا للشيخ حامد الدابودي، تطبيق ما نصت عليه المادة 236 من الدستور الجديد الذي أقر مطلع هذا العام. وتعكس هذه المادة إدراك الدولة المصرية المشاكل الموجودة في تلك المناطق. ويقول نص المادة: «تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور».
كما أعطت المادة نفسها خصوصية لمشكلة النوبة المزمنة، ونصت على أن الدولة تعمل على «وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات».
ومن جانبها، أدت لقاءات شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، بقيادات أسوان الشعبية والتنفيذية، لإنهاء المواجهات ووقف إراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد ووضع خريطة لـ«وأد الفتنة»، والتقى ممثلو القبيلتين على باب قاعة الاجتماعات التي كان يبحث فيها شيخ الأزهر، في الديون العام للمحافظة، لم الشمل بينهما، فتقدم كل طرف من أطراف القبلتين، ومنهم شيخ الدابودية عارف صيام، وشيخ الهلايل سعودي حسين، وعانق كل منهما الآخر.
وطلب شيخ الأزهر من جميع الأطراف عدم التباهي بالأعراق والأنساب قائلا إن من يريد أن يتباهى عليه أن يتباهى بالعمل الصالح وعدم التفريق بين الناس على أسس قبلية أو عرقية، وأضاف: «نحن جميعا من أم واحدة وأب واحد». وانتهت لقاءات الطيب بقبول الطرفين تشكيل لجنة مصالحة برئاسة الدكتور منصور كباش، رئيس جامعة أسوان.
وبينما صرح رئيس النادي النوبي العام، المستشار محمد عدلان، بأن حل الأزمة يقطع الطريق أمام أي محاولات أخرى لإثارة الفتن، يقول بعض السياسيين إن تدخل شيخ الأزهر ومرونة السلطة التنفيذية خاصة محافظة أسوان، في التعامل مع الأزمة أسهما بشكل كبير في السيطرة عليها قبل أن تتحول إلى كرة لهب لا يعلم إلا الله إلى أين ستنتهي. وطالب منسق جبهة «مصر بلدي» في أسوان، المستشار محمد سليم، الأحزاب السياسية بدعم مبادرة شيخ الأزهر، في إنهاء «الفتنة» بأسوان، مؤكدا دعم قبائل أسوان هذه المبادرة والعمل على إنجاح لجنة المصالحة.
وتقول محافظة أسوان إنها بدأت بالفعل تنفيذ قرارات المحافظ بتوصيل المياه للمنازل في القرى وتنظيم قوافل طبية وعلاجية مجانية بشكل يومي بجوار الجمعيات التنموية التابعة لقبيلتي الدابودية والهلالية بمنطقة «السيل الريفي»، وسط تأكيدات من جانب المحافظ على عودة الحياة لطبيعتها، مع الاستمرار في الاهتمام بالمعالم السياحية لجذب مزيد من الزوار من دول العالم المختلفة على أساس أن الرواج الاقتصادي يسهم أيضا في تلطيف الأجواء بين المواطنين، بينما يعود حسن ويقول وهو يتأهب للرد على أسئلة النيابة بشأن علاقته بأحداث الجمعة الدامية: «رضينا بالمصالحة.. ورضينا بما قسمه الله لنا».
* محطات نوبية في مائة سنة

* 1902: الانتهاء من بناء أول خزان للمياه خلف أسوان، مما أدى إلى ارتفاع منسوب مياه النيل وغرق مساكن وأراض زراعية في عشر قرى نوبية.
* 1912: تسببت تعلية السد الخاص بخزان أسوان في ارتفاع جديد لمنسوب المياه، مما أدى إلى غرق ثماني قرى نوبية أخرى.
* 1932: أجرت السلطات تعلية جديدة للسد نتج عنه ارتفاع جديد في منسوب المياه التي أدت إلى غرق مزيد من القرى النوبية وصل عددها إلى عشر.
* 1933: الحكومة تصدر أول قانون بنزع ملكية أهالي النوبة وتقدير التعويضات اللازمة للمضارين من بناء سد أسوان ومراحل تعليته.
* 1936: مجلس النواب (البرلمان) يتطرق إلى انتقادات بشأن ضآلة تعويضات النوبيين في عهد حكومة مصطفى باشا النحاس.
* 1944: أول مذكرة تصدر عن تجمع نوبي وترسل للحكومة احتجاجا على طريقة تقدير التعويضات.
* 1947: نائبان نوبيان يتقدمان باقتراح للبرلمان بربط مصر والسودان بخط سكة حديدية، لإنعاش منطقة النوبة، لكن الاقتراح لم يظهر للنور.
* 1953: الحكومة تبدأ وضع دراسات لإقامة سد جديد هو «السد العالي»، تضمنت الأضرار المحتملة التي سيتعرض لها النوبيون.
* 1963: تنفيذ عملية إنقاذ آثار النوبة ونقل عدة معابد ومقابر من المناطق التي ستغمرها مياه النيل بسبب «السد العالي».
* 1964: تهجير الألوف من أبناء النوبة، إلى مناطق مرتفعة وبعيدة عن السد العالي، منها هضبة «كوم أمبو» وصحراء «إسنا».
* 1992: الحكومة توافق على مقترح للنوبيين بتعمير المنطقة التي جرى تهجيرهم إليها بطريقة جمعيات تعاونية، إلا أن المشروع لم يؤت ثماره.
* 1997: افتتاح متحف النوبة بمشاركة رؤساء الكثير من الدول الصديقة لمصر ممن شاركت في إنقاذ آثار النوبة.
* 2014: الدستور المصري الجديد يتضمن لأول مرة إلزام الدولة العمل على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وإشراك أهلها في مشروعات التنمية ومراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».