هدنة حلب انتهت كسابقاتها.. والنظام يعد لهجوم عنيف على أحيائها الشرقية

لم يسجل خروج أي مواطن منها.. والفصائل تقطع طريق إمداد قوات الأسد إلى المدينة

مقاتلون من «الجيش السوري الحر» بعد استعادة بلدة باروزا في شمال حلب من تنظيم داعش في إطار عمليات «درع الفرات» (غيتي)
مقاتلون من «الجيش السوري الحر» بعد استعادة بلدة باروزا في شمال حلب من تنظيم داعش في إطار عمليات «درع الفرات» (غيتي)
TT

هدنة حلب انتهت كسابقاتها.. والنظام يعد لهجوم عنيف على أحيائها الشرقية

مقاتلون من «الجيش السوري الحر» بعد استعادة بلدة باروزا في شمال حلب من تنظيم داعش في إطار عمليات «درع الفرات» (غيتي)
مقاتلون من «الجيش السوري الحر» بعد استعادة بلدة باروزا في شمال حلب من تنظيم داعش في إطار عمليات «درع الفرات» (غيتي)

انتهت الهدنة الإنسانية التي أعلنتها روسيا من طرف واحد ولمدة عشر ساعات في مدينة حلب في شمال سوريا، من دون أن تسجل خروج جرحى أو مقاتلين أو مدنيين من الأحياء الشرقية المحاصرة، في حين أشارت بعض المعلومات إلى أن قوات النظام والمجموعات الموالية لها تستعد لشنّ هجوم هو الأعنف على الأحياء الشرقية في حلب خلال الساعات المقبلة بعد انتهاء الهدنة.
في غضون ذلك، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض، إن القوات الموالية للنظام السوري شنّت عمليات قصف مكثفة على مناطق عدة غرب حلب، فيما أعلنت «حركة أحرار الشام» أن طريق إمداد قوات النظام إلى حلب عبر طريق إثريا خناصر بات مقطوعًا، تزامنًا مع استهداف سيارات عدة لقوات النظام على الطريق وتدميرها بشكل كامل.
وتهدف الهدنة الروسية التي قالت المعارضة إنها غير معنية بها، كما تلك التي سبقتها في أكتوبر (تشرين الأول)، إلى إجلاء الجرحى والمرضى ومقاتلين، ومن يرغب من مدنيين من الأحياء الشرقية عبر ثمانية معابر، بحسب ما أعلنت موسكو.
وقال ياسر اليوسف، عضو المكتب السياسي في حركة نور الدين الزنكي، وهي من أبرز الفصائل المشاركة في معارك حلب: «لسنا معنيين بها، ولا نثق بالروس ولا بمبادراتهم الرخيصة».
وخصص معبران أساسيان هما الكاستيلو (شمال) والخير - المشارقة (وسط) لخروج المقاتلين والراغبين من المدنيين. وأفادت وكالة الأنباء الرسمية السورية «سانا» بعد الظهر بأن الفصائل المعارضة استهدفت معبر الكاستيلو «بسبع قذائف صاروخية»، مشيرة إلى إصابة مراسل قناة الإخبارية الرسمية بجروح.
وأعلن الجيش الروسي بدوره عن إصابة جنديين روسيين «بجروح طفيفة» جراء تلك القذائف. وأكد في بيان أن «الجنديين نقلا سريعا إلى حي آمن في المدينة، حيث تلقيا العلاج»، مؤكدا أن «حياتهما ليست في خطر».
وكانت الهدنة الجديدة دخلت حيز التنفيذ عند الساعة التاسعة صباحا بالتوقيت المحلي وانتهت عند الساعة السابعة مساء. وأكد مراسلان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» من جانبي معبر الخير – المشارقة، أن أحدا لم يخرج من الجهة الشرقية بعد ست ساعات على بدء الهدنة.
وكانت هدنة إنسانية بمبادرة روسية أيضا استمرت ثلاثة أيام وانتهت في 22 أكتوبر، فشلت في إجلاء جرحى ومقاتلين ومدنيين، بسبب توترات أمنية ومخاوف لدى السكان والمقاتلين الذين عبروا عن انعدام الثقة بالنظام.
ويوم أمس، قالت مصادر إعلامية مقربة من قوات النظام لـ«وكالة الأنباء الألمانية إن «القوات الحكومية والمسلحين الموالين لها ستشن هجومًا يعد الأقوى والأعنف على أحياء حلب الشرقية خلال الساعات المقبلة بعد فشل التهدئة التي أعلنتها روسيا».
وأكدت المصادر، أن الهجوم يتوقع أن يكون فجر غد (السبت) على أحياء حلب الشرقية كافة يترافق مع قصف جوي وصاروخي، وأن أرتالا كبيرة من القوات الحكومية وصلت اليوم (أمس) الجمعة إلى مدينة حلب للمشاركة في الهجوم». وقالت المصادر، إن «التهدئة التي أعلنتها روسيا بين قوات النظام ومسلحي المعارضة والتي تقريبا انتهت دون نتائج تذكر، ولم يخرج أحد من المسلحين والمدنيين من أحياء حلب الشرقية، بل كانت هناك معارك على جبهات عدة في المدينة، بين القوات الحكومية ومسلحي المعارضة في حي حلب الجديدة والجهة الشمالية من مشروع 3000 شقة».
واعتبرت الأمم المتحدة أن «العمليات الإنسانية في حلب لا يمكن أن تتوقف على المبادرات السياسية والعسكرية». وقال متحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ديفيد سوانسون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الأمم المتحدة لن تكون معنية بأي شكل في إجلاء مدنيين من شرق حلب». واعتبر أن «عمليات إجلاء المرضى لا يمكن أن تحصل سوى إذا اتخذت الأطراف المعنية بالنزاع الإجراءات اللازمة كافة لتأمين بيئة مناسبة، وهذا ما لم يحصل». كما رأت منظمة العفو الدولية أن «الهدنة الإنسانية المؤقتة التي أعلنت عنها روسيا ليست بديلا عن إيصال المساعدات من دون قيود وبطريقة منصفة»، مضيفة «يجب أن يسمح للمدنيين الراغبين بالمغادرة من دون قيود من قبل أطراف النزاع كافة».
وتحاصر قوات النظام منذ نحو ثلاثة أشهر أحياء حلب الشرقية، حيث يقيم أكثر من 250 ألف شخص في ظل ظروف صعبة وسط نقص فادح في المواد الغذائية والطبية.
وتدور منذ أسبوع اشتباكات عند أطراف الأحياء الغربية لمدينة حلب الواقعة تحت سيطرة قوات النظام إثر هجوم شنته فصائل المعارضة، وتسعى الفصائل إلى التقدم نحو حي الحمدانية المحاذي للأحياء الشرقية؛ ما يمكنها من فتح طريق إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في ريف حلب الغربي وكسر الحصار عن شرق حلب.
ويوم أمس قال ناشطون، إن «حركة أحرار الشام» و«جبهة فتح الشام» تمكنوا من إحكام السيطرة النارية على طريق إثريا خناصر، الذي يعتبر طريق الإمداد البري الوحيد لقوات النظام في محافظة حلب عبر ريف حماه الشرقي.
وتعتبر قرية إثريا التي تبعد عن بلدة خناصر قرابة 52 كيلومترا في الجنوب الشرقي، نقطة استراتيجية مهمة؛ كونها تقطع على الطريق العام الرئيسي الذي يربط بين المنطقتين، حيث تتمركز عناصر لقوات النظام في مواقع عدة على طول الطريق في قرى العوينة وأبو الكروز، كما يتمركز عناصر تنظيم داعش في قرى القليعة، الطوبة، كويس، عكيل، جب العلي، خنيصر، زيد دون أي مواجهات بين الطرفين.
وفي ريف حلب الغربي، استهدف الطيران الحربي بشكل مكثف مناطق في مدينة الأتارب وبلدات كفر ناصح وآبين وكفرناها والجينة وطريق الأتارب – أورم الكبرى، وسط قصف صاروخي مكثف استهدف المناطق ذاتها». بحسب «المرصد» الذي أكد أن «الطائرات الحربية ارتكبت مجزرة ظهر اليوم (أمس) بقصفها مناطق في قرية ميزناز بريف حلب الغربي راح ضحيتها عشرة قتلى، هم سبعة أطفال ومواطنتان اثنتان ورجل، بالإضافة لسقوط جرحى».
ولفت «المرصد» إلى أن «الاشتباكات استمرت بوتيرة منخفضة عن سابقتها بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من طرف، والفصائل من طرف آخر في محاور مشروع 300 شقة ومنيان وحلب الجديدة وجمعية الزهراء غرب وجنوب غربي حلب، وسط قصف عنيف من قبل قوات النظام والطائرات الحربية استهدف مناطق الاشتباك، ترافق مع سقوط صواريخ يعتقد أنها من نوع أرض – أرض أطلقتها قوات النظام على مناطق الاشتباك».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.